باحثون بالرباط يناقشون السيرة النبوية بوصفها نموذجًا لبناء المجتمع وتنمية الأوطان

احتضنت مؤسسة دار الحديث الحسنية بالرباط، يوم الأربعاء 11 مارس 2026، ندوة علمية بعنوان “السيرة النبوية: نموذج لبناء الإنسان وتنمية الأوطان”، نظمت بشراكة مع المدرسة الوطنية العليا للمعلوماتية وتحليل النظم، بمشاركة أساتذة وباحثين وطلبة مهتمين بالدراسات الإسلامية والتقنية.
وسعت الندوة إلى مقاربة أحد أبرز الإشكالات المطروحة في الفكر المعاصر، والمتعلق بكيفية انتقال القيم من مستوى المبادئ المجردة إلى مستوى النظم والمؤسسات القادرة على تجسيدها في الواقع الاجتماعي، من خلال استحضار النموذج الذي تقدمه السيرة النبوية في هذا المجال.
وافتتحت الندوة بجلسة علمية تناولت ثلاثة محاور رئيسية استعرضت أبعاد السيرة النبوية في بناء المجتمع وتوجيه الفكر الإنساني. ففي المداخلة الأولى، الموسومة بـ “ميلاد مجتمع الرسالة: المنهج والثمار”، أبرز محمد ناصري، أستاذ الحديث النبوي وعلومه بدار الحديث الحسنية، أن تجربة المدينة المنورة قدمت نموذجًا متقدمًا في تأسيس مجتمع قائم على التعاقد والعدل، انطلاقًا من وثيقة المدينة التي نظمت العلاقات بين مختلف مكونات المجتمع على اختلاف أديانها وأعراقها، وحددت الحقوق والواجبات. كما استعرض المتدخل مظاهر بناء المؤسسات في الدولة الناشئة، مثل الشورى وبيت المال والقضاء، إضافة إلى تنظيم العلاقات الخارجية عبر نظام الوفود والرسائل، مع العناية بالتعليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية.
أما المداخلة الثانية، بعنوان “تجليات المنهج العلمي في السيرة النبوية”، فقد قدمها أحمد السنوني، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بالمؤسسة نفسها، حيث أوضح أن السيرة النبوية أسست لعقلية علمية تقوم على طلب الدليل، ورفض الظن والتقليد الأعمى، ومحاربة الخرافة، مع التأكيد على أن الظواهر الطبيعية تسير وفق سنن ثابتة. كما أشار إلى أن الإسلام شجع على اقتباس العلوم النافعة من مختلف الحضارات وتطويرها، وهو ما أسهم في ازدهار العلوم في الحضارة الإسلامية في مجالات متعددة كالفلك والطب والرياضيات.
وفي المداخلة الثالثة، الموسومة بـ “الهدي النبوي في إدارة الاختلاف ونبذ العنف”، تناول بوشتى الزفزوفي، أستاذ الحديث النبوي وعلومه بدار الحديث الحسنية، منهج النبي صلى الله عليه وسلم في التعامل مع المخالفين على اختلاف توجهاتهم، مبرزًا أن السيرة النبوية تقدم نموذجًا قائمًا على الرحمة والحكمة والعدل. وأوضح أن سياسة النبي صلى الله عليه وسلم في إدارة الاختلاف قامت على احترام العهود، وترسيخ التعايش، وتغليب الحوار في معالجة النزاعات، بما يحفظ وحدة المجتمع ويصون كرامة الإنسان.
وأكدت الندوة أن تجربة المدينة المنورة تمثل نموذجًا تاريخيًا فريدًا في تحويل القيم إلى نظم عملية، حيث تحولت المبادئ الأخلاقية إلى قواعد تنظيمية، ثم إلى مؤسسات اجتماعية وسياسية واقتصادية أسهمت في بناء مجتمع متماسك. ولم تكن المدينة المنورة مجرد موطن آمن للدعوة، بل فضاءً حضاريًا تجسدت فيه القيم في شكل نظم وممارسات عملية شكلت أساسًا لبناء مجتمع يقوم على العدل والتضامن والكرامة الإنسانية.
وخلصت الندوة إلى التأكيد على أن السيرة النبوية تمثل نموذجًا حضاريًا متكاملًا يجمع بين بناء الإنسان وترسيخ القيم الأخلاقية وتأسيس المؤسسات، بما يجعلها مصدر إلهام في معالجة قضايا الحاضر واستشراف آفاق التنمية وبناء المجتمعات.



