sliderتراثنا

جمال بامي: قراءة كونية وثقافية للمائدة المغربية

أكّد الدكتور جمال بامي، رئيس مركز ابن البنا المراكشي ومركز علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء، أن التراث الغذائي المغربي لا يمكن اختزاله في وصفات أو عادات استهلاكية، بل يشكّل منظومة معرفية وثقافية متكاملة ذات صلة مباشرة بالأمن الغذائي والصحي ونمط العيش المعاصر.

جاء ذلك خلال محاضرة علمية حملت عنوان «طعام الكون بين التراث الغذائي المغربي ونمط العيش المعاصر»، قدّم فيها قراءة فلسفية وثقافية جديدة للطعام، انطلاقًا من اعتباره نتاجًا كونيًا في الأصل، متسائلًا عن مدى انسجام المائدة المعاصرة مع هذه الرؤية الكونية.

وأوضح الخبير في الأعشاب الطبيعية والعطرية، خلال محاضرته في المؤتمر الدولي الثالث عشر حول تاريخ الطب، المنظم من طرف كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس في أكتوبر 2025، أن الطعام في جوهره هو حصيلة عناصر كونية أساسية مثل التراب والماء والشمس والهواء والقمر. وأضاف أن كل ما نستهلكه من لحوم أو خضر أو توابل أو نباتات عطرية منتمي إلى منظومة كونية وفلكية متكاملة. وفي هذا السياق، طرح سؤالًا محوريًا: هل ما تزال هذه الحمولة الكونية حاضرة في علاقتنا الراهنة بالمائدة؟

وأشار المحاضر إلى أن هذا السؤال، وإن بدا فلسفيًا، إلا أن له أبعادًا عملية وصحية وعمرانية، مبرزًا أن العلاقة بين الطعام والصحة لا تنفصل عن العمران بالمعنى الخلدوني الشامل، حيث لا يمكن تصور عمران متوازن دون صحة جيدة، ولا صحة دون مائدة قائمة على أسس منسجمة مع الطبيعة.

وفي بُعدٍ أعمق، ربط بامي مفهوم الطعام الكوني بمسألة الكينونة الإنسانية، مميّزًا بين وجودٍ بيولوجي يشترك فيه الإنسان مع باقي الكائنات الحية، ووجودٍ ثقافي يتشكّل ويتبلور من خلال تفاعل الإنسان مع الطبيعة. وأكد أن هذا الانتقال من الطبيعة إلى الثقافة هو ما يمنح الإنسان طابعه الثقافي في علاقته مع محيطه الطبيعي، وفي هذا التفاعل يتحقق التكامل بين الإنسان والكون.

وشدّد المحاضر على ضرورة صون هيبة النسق البيئي، منتقدًا الاستعمال الفضفاض والمجازي لمفهوم الإيكوسيستم (Ecosystème) في مجالات الاقتصاد والإدارة، وواصفًا هذا التوظيف بالعبث، لما فيه من تفريغ للمفهوم من حمولته الكونية والعلمية. وأكد أن النسق البيئي ليس مجرد استعارة لغوية، بل هو منظومة كونية حقيقية مرتبطة بالطبيعة والكائنات الحية وقوانين التوازن والانسجام.

كما أوضح أن مفهوم «طعام الكون» لا يُفهم فقط من زاوية فلكية، بل كذلك من منظور فَلْقي؛ إذ إن الفلق في اللغة هو الخلق الكلي، كما في قوله تعالى: فالق الحب والنوى وفالق الإصباح. ومن ثمّ، فإن الفلق يحيل على الخلق الشامل. وعندما يجتمع المعطى الفلكي بالمعطى الفَلْقي، أي الخلق الكلي، تبدأ ملامح العلاقة السليمة التي ينبغي نسجها مع الطعام والصحة في الظهور، انطلاقًا من هذه المنظومة الكونية المتكاملة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى