sliderسيرة ومسارمن تاريخنا

نذير بوزار: من ضابط فرنسي إلى قيادي في جيش التحرير المغربي

شهد شهر دجنبر 1955 استعدادات مكثفة في جنان الرهوني بتطوان لانطلاق جيش الأطلس. وجنان الرهوني هذا ، هو أول معسكر في العالم لتدريب وتكوين ضباط متخصصين في حرب العصابات. وقد تكون فيه عدة ضباط كان لهم شأن كبير في جيش التحرير المغربي. وكذا في الجيش الملكي بعد الاستقلال. ويكفي أن نذكر مصطفى حسني الملقب بالعبدي وعبدالغني الورديغي وجناح بنعاشر وعمر غاندي وغيرهم كثير.


وكان يرأس هذا المركز ،الجزائري نذير بوزار. وهو ضابط سابق في الجيش الفرنسي برتبة نقيب، شارك في الحرب العالمية الثانية. واكتسب خبرة كبيرة في التسيير حينما شغل منصب مراقب للشؤون المدنية في عدة مناطق.
وقد ازداد بالرباط سنة 1919 وتلقى تعليمه بها، حتى حصل على البكالوريا من ثانوية مولاي يوسف. وهي التي أهلته لدخول الأكاديمية العسكرية بمكناس.
وكان والده ترجمانا يشتغل لدى الإدارة الفرنسية. وقد حل بالمغرب مع بداية دخول الاستعمار الفرنسي الى المغرب.
وهكذا نشأ نذير على الولاء المطلق لفرنسا ولغتها وثقافتها ونمط عيشها. ولما اشتد عوده ارتبط بفتاة فرنسية وأنجب منها أربعة أبناء.
ولكن وقع ما لم يكن في حياته. واستيقظ في يوم من الأيام على همسات و وشوشات تفيد أن زوجته الفرنسية على علاقة مشبوهة مع أحد مواطنيها، بينما هو منهمك في الدفاع والذود عن مصالح فرنسا. ولما واجهها بالأمر، لم تكترث لحاله وسخرت منه، واعتبرت انها رجعت لأصله‍ا. فقرر مواجهتها أمام المحكمة ليأخذ حقه ويريها سوء ما عملت واقترفت.
لكن المحكمة الفرنسية كان لها رأي آخر. فلا يمكن المساواة بين فرنسية وجزائري. بل إنها وبخته وهددته إن سولت له نفسه الاقتراب من منزل الأسرة. وأصبح بين عشية وضحاها وحيدا منفردا بدون أبناء. ورغم احتجاجه بولائه التام لفرنسا وتفانيه في خدمتها في الحرب والسلم . لم يشفع له ذلك ولم يرف لهم جفن.
هنا فكر وقدر ثم فكر وقدر، فكان قراره الشجاع بالتكفير عن خيانته وخيانة جيل بكامله ارتمى في أحضان الإستعمار.
وكان عزمه على اختطاف إثنين من أبنائه، إنقاذا لما يمكن إنقاذه، وفراره نحو القاهرة حيث يقيم زعماء حركات التحرر المغاربية.
وهناك اتصل بداية بالزعيم المغربي محمد بن عبد الكريم الخطابي وأطلعه على هويته وحكايته مع الاستعمار. فأكرم وفادته و تبنى قضيته. وقدمه إلى باقي أعضاء لجنة تحرير المغرب العربي.
هؤلاء طلبوا منه تدوين مذكراته لفضح عنصرية المستعمر المقيتة ولتكون عبرة ودرسا لكل مستلب.
وبعد مدة قصيرة أصدر بوزار كتابا جميلا باللغة الفرنسية تحت عنوان : J’ai cru en la France “وثقت في فرنسا”. ويقال إن الزعيم علال الفاسي الذي كان من أعضاء لجنة التحرير ترجمه إلى العربية.


ولما انعقد العزم على إرسال الشحنة الأولى من الأسلحة إلى شمال المغرب على متن باخرة دينا، كان صاحبنا ضمن طاقمها. وقد أبحرت الباخرة من بورسعيد في تحد خطير لفرنسا التي كانت بوارجها الحربية تجوب البحر الأبيض المتوسط ليل نهار . وكان جيشا التحرير المغربي والجزائري يترقبان وصول هذه الأسلحة بفارغ الصبر وجبهات المقاومة مشتاقة الى فرسانها.
ومن الطرائف أن بوزار لما نزل من الباخرة كاد المقاومون يفتكون به. لأنهم عرفوه ضابطا استعماريا قاسيا وشرسا مع الوطنيين والمقاومين دفاعا عن فرنسا. لكن سرعان ما انبرى أحد الأشخاص من بين مستقبلي الباخرة يشرح ويوضح ويبين ان أن “بوزار القديم” مات وانقضى أجله، وحل محله “بوزار المقاوم” والمناضل. وأن رئيس جيش التحرير المغربي الدكتور عبد الكريم الخطيب اختاره لمهمة كبيرة تتمثل في الإشراف على مركز تكوين ضباط جيش التحرير بتطوان. وهي مسؤولية كبيرة تتلاءم مع تكوينه وتجربته. كما أنها فرصة ليثأر من القوات الإستعمارية التي أفنى شبابه في خدمتها ولم تعترف له بشيئ.
وفعلا كان بوزار في الموعد. وتخرج على أيديه ضباط كبار ساهموا باقتدار كبير في جبهات القتال.
وفي ليلة رأس سنة 1956 خرج هو نفسه على رأس جيش الأطلس يبث الرعب ويقض مضاجع المستعمر مستعملا أسلوب حرب العصابات،حتى ظن انه مطوق من كل جانب.
وبعد الاستقلال بقي بوزار مقيما في المغرب. و تقلد منصب مسؤول حركة المقاومة و جيش التحرير.
وظل دائما نموذجا للنضال المغاربي المشترك.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى