sliderندوات ومحاضرات

جمال بامي يقدم قراءة نقدية لأطروحة “أرنست رينو” حول الإسلام والعلم وتأثيرها في الفكر الحديث

نظمت لجنة التراث بكلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس، بشراكة مع مؤسسات علمية، ندوة علمية حول موضوع: الهدي النبوي والطب المعاصر، يوم الخميس 23 أبريل 2026، بمشاركة ثلة من الأساتذة والباحثين والطلبة.

وفي هذا السياق، قدّم الدكتور جمال بامي، رئيس مركز ابن البنا المراكشي ومركز علم وعمران بالرابطة المحمدية للعلماء، محاضرة علمية موسومة بـ: أخلاق الطب والنموذج القيمي: قراءة في تجارب بعض أطباء الحضارة الإسلامية، تناول فيها العلاقة بين الممارسة الطبية والمنظومة القيمية في التراث الإسلامي.

إشكال منهجي حول موقع القيم في الطب

استهل المحاضر مداخلته بطرح إشكال منهجي حول زاوية مقاربة موضوع “الهدي النبوي والطب المعاصر”، متسائلًا عن الإطار الأنسب: هل هو علم الاجتماع، أم الأنثروبولوجيا، أم فلسفة العلوم، أم الأخلاق التطبيقية؟

وحذر من “الوقوع في التكلّف” عند استحضار المرجعية النبوية دون بناء نظري، معتبرًا أن ذلك قد يحول الخطاب إلى “كلام مرسل لا يُبنى عليه شيء راسخ”.

وفي سياق التمييز المفاهيمي، شدد على أهمية التفريق بين “أخلاق الطب” و“خُلق الطبيب”، مبرزًا أن الخلق في دلالته القرآنية يرتبط بالنموذج النبوي، مستشهدًا بقوله تعالى:
﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾،
بينما تُفهم الأخلاق المهنية بوصفها منظومة سلوكية مكتسبة مرتبطة بالممارسة.

من السوربون إلى طلال أسد

في هذا السياق، توقف الدكتور جمال بامي عند محاضرة المستشرق الفرنسي المثير للجدل أرنست رينو، التي ألقاها سنة 1883 بجامعة السوربون، وحملت في أصلها عنوان “Islamisme et la science” قبل أن تُعاد طباعتها لاحقًا تحت عنوان “L’Islam et la science”. وقد اعتُبر بامي هذه المحاضرة، من الناحية المعرفية، غنية ومثيرة للاهتمام، غير أنها ظلت، في نظره، إشكالية من حيث الخلفيات القيمية التي تؤطر أطروحاتها.

ويتمثل الإشكال المركزي عند رينو، كما يوضحه المحاضر، في عدم تقبّله لطبيعة العلاقة القائمة في التصور الإسلامي بين البعد الزمني والبعد الروحي، حيث اعتبر أن هذا الارتباط الوثيق يشكل عائقًا أمام تطور الفكر العلمي والفلسفي. ومن ثمّ، دافع عن أطروحة تقوم على ضرورة الفصل بين المجال الديني والمجال الدنيوي، معتبرًا أن هذا الانفصال هو الشرط الأساس — في تصوره — لتحقيق التقدم العلمي والعقلاني والانفتاح الفكري.

وقد امتد هذا التصور، بحسب تحليل المحاضر، إلى عدد من القراءات الفكرية اللاحقة، بل تسلل أيضًا إلى بعض الكتابات العربية الحديثة التي تبنّت، بشكل مباشر أو غير مباشر، هذا المنظور القائم على الفصل بين الروحي والزمني، بما يعكس استمرار تأثير هذا التصور في بعض السياقات الفكرية المعاصرة.

.وفي مقابل ذلك، جاء ردّ جمال الدين الأفغاني على أطروحة رينان، حيث دافع عن وحدة التصور الإسلامي للمعرفة والحياة، غير أن هذا الرد، بحسب التحليل المقدم، ظل محدودًا من حيث استيعاب العمق الفلسفي الكامل لإشكال رينان، ولم ينجح في تفكيك جميع أبعاده النظرية والثقافية.

كما أشار إلى أطروحة عالم الاجتماع ماكس فيبر حول “نزع السحر عن العالم”، باعتبارها جزءًا من مشروع عقلنة المعرفة وإبعادها عن المرجعيات الدينية.

وفي المقابل، أبرز المحاضر أهمية إسهامات الأنثروبولوجي طلال أسد، الذي أعاد مساءلة هذه التصورات الكلاسيكية من خلال تطوير مفهوم التقاليد الخطابية” (Discursive Tradition)، معتبرًا أن الإسلام لا يُختزل في كونه منظومة عقدية جامدة أو مجموعة من المعتقدات المنفصلة عن الواقع، بل هو نمط حياة تاريخي متشكل باستمرار عبر التفاعل الدينامي بين النصوص المرجعية وتأويلاتها ومجالات الممارسة اليومية.

ويُشار إلى أن طلال أسد، وهو أنثروبولوجي ذو حضور واسع في الجامعات الأمريكية والبريطانية، ينحدر من خلفية فكرية مميزة، إذ هو ابن المفكر محمد أسد (Leopold Weiss)، صاحب الترجمة الإنجليزية للقرآن، ومؤلف كتاب الإسلام في مفترق الطرق.

وقد جاء مشروع طلال أسد الفكري، في نظر المحاضر، ليُعيد تفكيك الرؤية الاختزالية التي تفصل بين الدين والمجتمع، من خلال نظرية التقاليد الخطابية، التي تُبرز أن الدين لا يعيش خارج التاريخ، بل يتشكل داخله عبر أنماط من الخطاب والممارسة والتأويل.

وخلاصة هذا التصور، كما يوجزه المحاضر، أن الإسلام ليس مجرد مجموعة من المعتقدات المجردة، بل هو نسق حياتي تاريخي منظم حول نصوص مرجعية، يتفاعل معها المسلمون عبر الفهم والتفسير والتأويل من أجل توجيه أفعالهم وتنظيم حياتهم اليومية. (“التفاعل بين الخطاب والعمل”.)

وتكمن أهمية هذا الطرح، في كونه يسلط الضوء على العلاقة التفاعلية بين الخطاب والممارسة، أي بين ما يُقال في النصوص وما يُنجز في الواقع، بما يجعل من الدين ممارسة حية وليست بنية جامدة منفصلة عن السياق التاريخي والاجتماعي.

أخلاق الطب والنموذج القيمي: قراءة في نماذج من الحضارة الإسلامية

وفي القسم التطبيقي من المحاضرة، استعرض الدكتور بامي نماذج من أطباء الحضارة الإسلامية، مبرزًا تداخل البعد العلمي والأخلاقي في تجربتهم.

1. إسحاق بن علي الرهاوي

تناول المحاضر كتاب “أدب الطبيب” للرهاوي (ت 319هـ)، باعتباره من أقدم المؤلفات في أخلاقيات الطب، مشيرًا إلى ربطه بين الممارسة الطبية والسلوك الأخلاقي والعقائدي.

ومن أبرز ما استشهد به قوله:

“لا يرغب الطبيب في الحرام من الأموال، ولا يجوز له أن يعالج مرضًا لم يتحقق من وجوده، لئلا يوقع المريض في ضرر أعظم.”

كما نقل عنه قوله:

“وجه العدل وابتداؤه ينبغي أن يكون من الطبيب أولاً، بأن يروض نفسه على الأخلاق المحمودة.”

2. ابن النفيس

أما ابن النفيس، فقد قدّمه المحاضر بوصفه نموذجًا موسوعيًا يجمع بين الطب والعقيدة والفكر، مبرزًا أنه إلى جانب اكتشافه للدورة الدموية الصغرى، ألّف في السيرة النبوية ردًا على أطروحات فلسفية مثل “حي بن يقظان”.

وأشار إلى أن هذا التعدد المعرفي يعكس وحدة الرؤية القيمية، حيث لا فصل بين المعرفة العلمية والموقف الأخلاقي، مما يجعل استحضار القيم جزءًا بنيويًا من الممارسة الطبية.

3. ابن الهيثم

كما توقف عند ابن الهيثم، عالم البصريات وصاحب “كتاب المناظر”، مبرزًا انخراطه في البحث العلمي الدقيق مع التزام أخلاقي واضح.

ومن أقواله التي استشهد بها:

“ما بذلت جهدي في هذا العلم إلا ابتغاء إفادة طالب الحق، دون طلب أجرة أو رشوة أو هدية.”

كما أشار إلى قوله:

“بعثت عزيمتي إلى تحصيل الرأي المقرّب إلى الله تعالى، الهادي إلى رضاه.”

خلاصة

خلص المحاضر إلى أن التجربة العلمية في الحضارة الإسلامية تقوم على الربط الجدلي بين العلم والأخلاق، حيث لا يُفهم الطب باعتباره تقنية معزولة، بل ضمن رؤية كونية تجمع بين المعرفة والسلوك والقيم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى