
ألقى العلامة مصطفى بنحمزة كلمة افتتاحية بمناسبة محاضرة العلامة اليزيد راضي، رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة سوس–ماسة، التي نُظمت يوم الأربعاء 28 يناير 2026 بمدينة أكادير، وذلك في إطار سلسلة الندوات الجهوية التي تنظمها الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى بمختلف جهات المملكة، احتفاءً بمرور خمسة عشر قرنًا على ميلاد النبي محمد ﷺ، وتنزيلًا لمضامين الرسالة الملكية السامية الداعية إلى العناية بالسيرة النبوية الشريفة.
وقال بنحمزة إن الأستاذ يزيد يُعدّ واحدًا من علماء المغرب الأثبات، الذين تلقّوا العلم في محاضنه الأولى، وأخذوه عن شيوخه وفق طرائق المغاربة الأصيلة في التلقي، ولذلك كانت حجته دائمًا حاضرة، وأدلته علمية رصينة ومقنعة.
وأضاف بنحمزة أن العلم كان منتشرًا في مختلف ربوع المغرب، غير أنه عرف في مرحلة من مراحل التاريخ نوعًا من الهجرة والترحال، ابتداءً من العصر السعدي، حيث برزت تارودانت والجنوب المغربي عمومًا باعتبارهما العاصمة العلمية الحقيقية، ومعقل العلماء وموئلهم. وقد كثر فيها العلم، وكثر علماؤها، وانتشرت المدارس انتشارًا لافتًا، حتى لم تكن جهة من جهات المغرب حفلت بالمدارس كما حفلت بها سوس.
وأوضح أن العلماء الكبار الذين تتبعوا هذا التراث، وفي مقدمتهم المختار السوسي، بذلوا جهدًا عظيمًا في إبراز هذه المدارس العلمية وما أنجبته من علماء كبار. وتميّز ما كتبوه بكونه فقهًا رصيدًا مرتبطًا بالواقع، فقهًا عمليًا، ولذلك كان كثير من علماء سوس من النوازليين، وكتبوا في النوازل كتبًا كثيرة، ربما لم يُستقصَ كثير منها بعد.
وأشار بنحمزة إلى أن ما قام به صديقه المرحوم الحسن العبادي، رحمه الله، في هذا الباب يُعدّ عملًا علميًا نفيسًا، إذ تناول نوازل سوس بالدرس والتحليل، وهي ذخيرة علمية ثمينة للمغرب كله. فالمغرب، وإن تعددت جهاته، فإن لكل جهة إسهامها وعطاءها العلمي.
وذكّر بأن المختار السوسي سمّى هذه الربوع «سوس العالِمة»، ولم يكن ذلك من باب المجاملة، بل عن وعي ومعرفة. كما استحضر ما قاله عبد الله كنون رحمه الله تعليقًا على كتاب المعسول:
«لو أن لجنة من جماعة من الكتّاب أرادت أن تنجز عملًا يؤرّخ للمعرفة في سوس، لما استطاعت أن تنجز ما أنجزه المختار السوسي وحده».
وختم بنحمزة بالتأكيد على أن هذه السمة العلمية تشكّل جزءًا أصيلًا من تاريخ المغرب الثقافي والعلمي، مشددًا على أنه حين يُطرح السؤال عن أماكن العلم والعلماء، لا ينبغي التردد في القول إن المغرب كان ولا يزال بلد العلماء.



