
احتضنت مؤسسة دار الحديث الحسنية، بشراكة مع مجلس مقاطعة أكدال الرياض بمدينة الرباط، يوم الاثنين 16 مارس 2026، ندوة فكرية بعنوان “قبس من الأحوال النبوية”، وذلك بمقر المؤسسة بحي الرياض، بحضور ثلة من الأساتذة والباحثين وطلبة المؤسسة، إضافة إلى أطر وموظفي المقاطعة.
وتضمنت الندوة مداخلات علمية أطرها أساتذة الحديث النبوي والسيرة النبوية بمؤسسة دار الحديث الحسنية، وهم عبد الله بنرقية وعبد الرحيم آيت بوحديد وطارق طاطمي. وركزت المداخلات على بعض الأحوال النبوية وما تحمله من دلالات تربوية وقيمية، مؤكدة على أهمية استلهام مضامين السيرة النبوية في بناء الإنسان وترسيخ منظومة القيم في المجتمع، بما يسهم في الانتقال من مستوى الخطاب الأخلاقي إلى مستوى الفعل الاجتماعي والمؤسسي.
حفظ القرآن كتابةً في العصر النبوي
في مداخلته، تناول عبد الله بنرقية، أستاذ علوم القرآن، موضوع سيرة حفظ القرآن كتابةً في العصر النبوي، حيث أبرز أن حفظ القرآن الكريم لم يكن مقتصرًا على التلقي الشفهي، بل شمل أيضًا التدوين المنهجي في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأوضح أن القرآن نزل مفرقًا على مدى ثلاثة وعشرين عامًا، وكان أول ما نزل منه صدر سورة العلق في غار حراء، بينما كانت آخر آية نزلت من سورة البقرة. وقد عاش النبي ﷺ بعد نزولها أيامًا معدودة قبل وفاته.
وأكد المتدخل أن النبي ﷺ اتخذ جملة من الإجراءات المحكمة لحفظ القرآن كتابةً، من أبرزها:
- نشر تعلم القراءة والكتابة بين المسلمين رجالًا ونساءً وأطفالًا، باعتباره عملًا حضاريًا بعيد المدى. كما استفاد من أسرى غزوة بدر في تعليم المسلمين القراءة والكتابة مقابل فدائهم.
- توظيف مختلف الوسائل المتاحة للكتابة من مواد طبيعية كالعظام والجلود والحجارة.
- اختيار كتّاب الوحي، ومن أبرزهم زيد بن ثابت، حيث بلغ عددهم نحو أربعة وعشرين كاتبًا.
كما أشار إلى أن النبي ﷺ كان يوجه كتّاب الوحي بدقة، فيحدد مواضع الآيات داخل السور، ويأمرهم بكتابتها ثم مراجعتها وعرضها عليه للتثبت، قبل اعتمادها للنسخ والتلاوة. وقد كان ترتيب الآيات والسور يتم بتوقيف منه، بإرشاد من الوحي.
وبيّن أن عملية “تأليف القرآن” التي تحدث عنها الصحابة تعني جمعه وترتيبه وتنظيمه في صورته النهائية، حيث كانت السور بمثابة “ملفات مفتوحة” تُضاف إليها الآيات تدريجيًا حتى يكتمل نزولها.
وختم الأستاذ بنرقية بالإشارة إلى أن القرآن الكريم كان محفوظًا كتابةً في عهد النبي ﷺ في رقاع متفرقة وفق ترتيب دقيق، غير أنه لم يُجمع في مصحف واحد خلال حياته، بسبب استمرار نزوله إلى قبيل وفاته. وقد تم هذا الجمع لاحقًا في عهد أبو بكر الصديق، اعتمادًا على ما كُتب بين يدي النبي ﷺ وما حُفظ في صدور الصحابة.
الهدي النبوي في شهر رمضان: عبادة وعمل
وفي مداخلته، تطرق عبد الرحيم آيت بوحديد أستاذ الحديث النبوي الشريف وعلومه، إلى موضوع “صور من الهدي النبوي في شهر رمضان”، حيث استهل كلمته بالتأكيد على خصوصية هذا الشهر الفضيل، لاسيما العشر الأواخر منه، باعتبارها من أشرف الأزمنة التي تتجلى فيها معاني الاقتداء بهدي النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
وأوضح أن من أبرز معالم الهدي النبوي في رمضان التهيؤ والاستعداد المسبق، إذ كان النبي ﷺ يستعد لهذا الشهر قبل حلوله، ومن ذلك إكثاره من الصيام في شهر شعبان، في تربية عملية على أهمية الإعداد الجيد للعبادات. كما أشار إلى أن أول نزول للوحي كان في شهر رمضان بـ سورة العلق في غار حراء، وهو ما يعكس الارتباط الوثيق بين هذا الشهر والقرآن الكريم.
وبيّن أن من سمات هديه ﷺ في هذا الشهر الأخذ بالعزائم، حيث كان يختار أحيانًا الصيام حتى في السفر، إلا إذا دعت الحاجة إلى الفطر مراعاةً لأحوال الصحابة أو استعدادًا لمواجهة، كما وقع في فتح مكة. كما أشار إلى أنه ﷺ كان يواصل الصيام أحيانًا، مع نهيه للصحابة عن ذلك، مبرزًا أن ما كان يمدّه به الله من قوة روحية يعوضه عن المشقة الحسية.
وأكد المتدخل أن رمضان في السيرة النبوية لم يكن شهر كسل أو خمول، بل كان شهر عمل وجهاد وبناء، حيث شهد أحداثًا كبرى مثل غزوة بدر وفتح مكة، إلى جانب استقبال الوفود وهدم مظاهر الشرك وترسيخ معالم التوحيد.
كما أبرز أن من أعظم مظاهر الهدي النبوي في رمضان مضاعفة العبادات، خاصة قيام الليل وتلاوة القرآن، حيث كان النبي ﷺ يطيل القيام، وقد ورد أنه قرأ في ركعتين سورًا طويلة مثل سورة البقرة وسورة النساء وسورة آل عمران. كما كان جبريل عليه السلام يدارسه القرآن كل ليلة في رمضان، في دلالة على مركزية القرآن في هذا الشهر.
وأشار إلى أن النبي ﷺ كان أجود ما يكون في رمضان، مستحضرًا حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما، الذي شبه جوده بالريح المرسلة، بما يعكس مضاعفة البذل والعطاء في هذا الشهر المبارك.
وفي ختام مداخلته، شدد الأستاذ آيت بوحديد على أن العشر الأواخر من رمضان تمثل ذروة هذا الهدي، حيث كان النبي ﷺ يشد مئزره، ويحيي ليله، ويعتكف، في نموذج عملي يجمع بين الاجتهاد في العبادة والتفرغ التام لله تعالى.
مختارات من خصائص الفضائل المصطفوية
وفي مداخلته المعنونة “مختارات من خصائص الفضائل المصطفوية”، استعرض طارق طاطمي، ، أستاذ السيرة النبوية. جملة من الخصائص التي اختص الله بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مبرزًا أن دراسة هذه الخصائص تُعد مدخلًا أساسًا لتعظيم مقامه ﷺ، وتعميق محبته، وضبط حدود التأسي به.
وأوضح أن السيرة النبوية تنقسم إلى شقين: أيام النبي، وتشمل الوقائع والمغازي، وحال النبي، الذي يتناول شمائله وخصائصه ودلائل نبوته وفضائله. وبيّن أن علم الخصائص يعنى بما اختص الله به نبيه من الفضائل والأحكام دون غيره من الأنبياء والناس، مؤكدًا أن هذا العلم تطور عبر جهود العلماء، بدءًا من الإمام الشافعي، مرورًا بـالبيهقي، ووصولًا إلى مؤلفات مغربية متخصصة.
وسلط الضوء على بعض المصنفات المغربية في هذا الباب، من بينها كتاب “الشفا” لـالقاضي عياض، إلى جانب مؤلفات أخرى أسهمت في خدمة هذا العلم وإبراز أبعاده.
وانتقل المتدخل إلى عرض نماذج من خصائص الفضائل النبوية، ومن أبرزها:
- عصمة النبي ﷺ، استنادًا إلى قوله تعالى: “والله يعصمك من الناس”، مبينًا أن هذه العصمة لا تتنافى مع ما تعرض له من أذى جسدي في بعض الوقائع.
- إسلام قرينه من الجن، بخلاف سائر الناس، مما يجسد خصوصية فريدة في حفظه من الوسوسة.
- عدم تمثل الشيطان به في المنام، استنادًا إلى الحديث الشريف: “من رآني في المنام فقد رآني”.
- رؤيته من وراء ظهره كما يرى من أمامه، وهي خصوصية إدراكية خارقة للعادة.
- سماعه لما لا يسمعه الناس، في إطار ما أطلعه الله عليه من عوالم الغيب.
- شدة ما يلقاه من المرض، حيث كان يُضاعف له الأجر كما يُضاعف له البلاء.
- سلامة بدنه من بعض الظواهر البشرية كالتثاؤب، في سياق عصمته من تأثيرات الشيطان.
- عدم بِلَى جسده بعد الوفاة، وكون الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء، مع عرض صلاة أمته عليه.
وأكد الأستاذ طاطمي أن هذه الخصائص تعكس جوانب الكمال والعظمة في الشخصية النبوية، وتبرز مكانته الفريدة، مع ضرورة فهمها في إطارها العلمي الصحيح، بعيدًا عن الغلو أو سوء الفهم.
واختتم مداخلته بالتأكيد على أن استحضار هذه الفضائل لا يهدف فقط إلى المعرفة النظرية، بل إلى تعزيز الارتباط العملي بالسيرة النبوية، وجعلها مصدر إلهام في السلوك الفردي والجماعي.
وتؤكد هذه الندوة، من خلال مداخلاتها، أهمية تجديد الصلة بالسيرة النبوية، وتحويل مضامينها إلى قيم حية تسهم في بناء مجتمع متوازن قائم على الأخلاق والاقتداء.



