

يمثّل انعقاد المؤتمر العالمي الثالث عشر للوقف بالمغرب، واحتضانُ مؤسسة دار الحديث الحسنية التابعة لجامعة القرويين لأعماله، لحظة فكرية ذات دلالة مضاعفة: فهي من جهة مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل الوقف، ومن جهة أخرى إعلان عملي عن أن الحاضر المغربي لا ينفصل عن جذره الحضاري، وأن الوقف—بما هو مؤسسة اجتماعية راسخة—لم يغادر موقعه التاريخي كأداة لتنظيم المجتمع وحفظ توازنه.
فهذا المؤتمر، بما يحمله من تنوع علمي ومؤسسي، يتيح قراءة تركيبية متعددة المستويات تكشف ثلاث طبقات أساسية:
طبقة حضارية تُبرِز استمرارية الممارسة الوقفية في المغرب؛ وطبقة سياسية–مؤسسية تعكس رهانات الدولة المغربية في التحديث والتأهيل؛ وطبقة معرفية–اجتهادية تعيد التفكير في موقع الوقف داخل منظومة الفكر الإسلامي المعاصر.
الوقف بوصفه امتدادا حضاريا حيًّا
لم يكن اختيار المغرب لاحتضان هذا المؤتمر قرارًا عابرًا، بل استدعاءً لعمق تاريخي تجذّر فيه الوقف بوصفه إحدى الركائز التي تشكّل عليها العمران والمجتمع. فمنذ القرون الأولى، صاغ المغرب نموذجًا فريدًا جُعل فيه الوقف جزءًا من هندسة المدينة، ومن بنية التعليم الديني والمدني، ومن منظومة التكافل التي أحاطت بحياة الناس في مختلف مستوياتهم.
وقد اضطلعت مؤسسات مثل جامعة القرويين، والزوايا، والرباطات، والمدارس العتيقة، والكتاتيب، والأسواق المحروسة بالوقف، بوظائف متكاملة لخدمة أربع دوائر أساسية: أولها تكوين الإنسان علميًا ومعرفيًا، وثانيها ترسيخ البعد الروحي والأخلاقي، وثالثها تقديم الخدمات العامة المستمرة، ثم خامسها صيانة الأمن الاجتماعي وتنظيم المجال العام.
وبذلك لم يكن الوقف في التجربة المغربية آلية مالية محضة، بل أداة تأسيسية صاغت علاقة المجتمع بالعلم والسلطة والفضاء العام. ولذا فإن استضافة مؤتمر دولي للوقف في سياق كهذا ليست مجرد إشارة رمزية، بل تأكيد عملي على أن المغرب ينظر إلى الوقف كطاقة حضارية يمكن استدعاؤها وتفعيلها في الحاضر، وأن هذه المؤسسة لم تفقد قدرتها على الإسهام في تماسك المجتمع وتنظيمه.
ولا شك أنه لا يمكن فصل استضافة المغرب لهذا المؤتمر عن المسار الإصلاحي الذي قطعته الدولة في السنوات الأخيرة، من رقمنة الأوقاف إلى تأهيل بنيتها الإدارية، وتطوير نماذج للحوكمة تتماشى مع متطلبات العصر مع الحفاظ على روح الوقف ومقاصده.
دار الحديث الحسنية… تجسيد الذاكرة الوقفية داخل مؤسسة للاجتهاد المعاصر
وفي نظري تتعمق دلالة المؤتمر حين نعلم أنه ينعقد داخل مؤسسة تُعَدُّ في أصلها نتاجًا مباشرًا لوعي وقفي حديث. فدار الحديث الحسنية – التي أسسها الملك الراحل المغفور له الحسن الثاني- أنشئت على أساس الوقف، وبروح تجمع بين الأصالة النصية والمقاربات العلمية الحديثة.
وفي الختام لا يسعنا إلا القول إن المؤتمر العالمي الثالث عشر للوقف، يبعث رسالة واضحة مفادها أنّ: المغرب لا ينظر إلى الوقف بوصفه موروثا تاريخيا فحسب وإنما بحسبانه آلية من آليات تدبير الحاضر وبناء المستقبل.
ولذلك، يظل الوقف—كما يقول عنوان هذا المقال – أداة لتنظيم المجتمع وحفظ توازنه، بما يجعله أحد الجسور التي تصل بين الذاكرة الحضارية وضرورات التنمية الحديثة.
هذا الوعي هو ما يمنح التجربة المغربية خصوصيتها: حاضرٌ متجذّر، ومؤسسات دينية ومعرفية قائمة على الوقف، ودولة تجعل من هذا الإرث قوة ناعمة تنموية تستشرف المستقبل دون الانسلاخ عن الأصل.
د. محمد الريوش، خريج مؤسسة دار الحديث الحسنية جامعة القرويين



