sliderآراء

رواية: جبال لا تنحني – سردية المغرب بين مطامع القوى وصناعة الجوار – بقلم حسن شتّاتو

د. حسن شتاتو

في الليالي التي تنحسر فيها الرياح فوق جبال الأطلس، تبدو ذاكرة المغرب كأنها كتابٌ مفتوح على قرون من الصراع، لا ينتهي فصلٌ فيه إلا ليبدأ آخر. كان المغرب، منذ أن وطأت أقدام الرومان شمال إفريقيا، جسدًا متمردًا على الخضوع، وروحًا عصيّة على الانكسار. أرضٌ لا تركع، وشعبٌ لا يساوم، وسلاطينُ لم يمدّوا توقيعاتهم إلا بما يحفظ حرمة الوطن وهيبته.

لكن هذه المهابة، التي امتدت من المحيط إلى تخوم الصحراء الكبرى، جعلت القوى الكبرى، قديمها وحديثها، تتوجّس من مغربٍ إذا نهض أرهق الحسابات، وإذا اتحد قلبه بعقله خشيَ القريب والبعيد من عودته قوةً عظمى تعيد رسم خرائط المنطقة من جديد.

الفصل الأول: إرث لا ينام

منذ أن تكسّرت أساطيل البرتغاليين على صخور وادي المخازن، والمغرب يُسجّل في ذاكرة أوروبا أنه بلدٌ لا يُستباح بسهولة. وكان الفرنسيون والإسبان يدركون أن السيطرة عليه ليست مسألة احتلال تراب، بل محاولة كسر إرادةٍ تاريخية.

ومع مطلع القرن العشرين، حين تمدّدت فرنسا في تونس والجزائر، وأخذت إسبانيا لنفسها موطئ قدم في الشمال والجنوب، بقي المغرب آخر الجائزة الكبرى. ومع ذلك، ظلّ يقاوم، بالقبائل، بالزوايا، بالأمراء، وبإرادة جماعية لم ينجح المستعمر في كسرها رغم جيوشه وعقوده ومؤامراته.

لكن القوى العظمى لم تغفر للمغرب أنه خرج من الاستعمار واقفًا على قدميه؛ فبدأت مرحلة جديدة:

مرحلة منع المغرب من العودة إلى مجده الطبيعي.

الفصل الثاني: كيانات تُصنع.. وأدوار تُوزَّع

لم تكن فرنسا حين منحت الجزائر استقلالها تفكر في بناء دولة طبيعية ذات حدود تاريخية.

لقد صاغت حدود الجزائر، وفق خرائط وتعديلات متعمدة، في إطار هندسة سياسية تهدف إلى خلق كيان كبير، هشّ داخليًا، لكنه قادر على أداء وظيفة مركزية:

عرقلة صعود المغرب وإعاقة توسعه الطبيعي جنوبًا وشرقًا.

ولذلك، لم يكن إلحاق أراضٍ مغربية واسعة –من تندوف إلى بشار– “حادثًا إداريًا”، بل خطوة مدروسة، تُستعمل لاحقًا كوقود لصراعٍ طويل، وتُبنى عليها عقيدة عدائية كاملة تجاه المغرب.

منذ اللحظة الأولى، وُلدت الجزائر كيانًا بوظيفة، لا كتجسيد لكيان تاريخي.

الفصل الثالث: عبد الناصر وبوخروبة… تلاقي الطموح والانقلاب

في منتصف الخمسينيات، كانت القاهرة تعيش ذروة صعود جمال عبد الناصر.

تحولت مصر إلى مركز تصدير الثورات، وإلى منصة لدعم الانقلابات وتغيير الأنظمة في العالم العربي، بدعم من الاتحاد السوفياتي.

وعندما انتزع المغرب استقلاله سنة 1956، لم يخفِ عبد الناصر توجّسه من المملكة المغربية، بما تمثّله من شرعية تاريخية، وعمقٍ حضاري، وقدرة على قيادة المنطقة المغاربية.

فبدأت الحملات الإعلامية، واحتضنت القاهرة معارضين مغاربة، وفتحت لهم منابر سياسية وإعلامية.

وفي هذه المرحلة بالذات، برز اسم محمد بوخروبة –الذي سيُعرف لاحقًا بلقب “هواري بومدين”– كضابطٍ صاعد، على رأس حركة انقلابية متحالفة مع القاهرة.

وقد أظهرت الوثائق لاحقًا أن التعاون بين عبد الناصر وبوخروبة لم يكن مجرد تنسيق عابر، بل كان مشروعًا لإضعاف النظام الملكي في المغرب، عبر دعم جماعات متطرفة، وتمويل محاولات زعزعة الاستقرار، وصولًا إلى محاولة فرض وصاية سياسية على القرار المغربي.

وبعد استقلال الجزائر، ومع صعود محمد بوخروبة إلى السلطة، تحول هذا التعاون إلى محور سياسي وعسكري هدفه:

محاصرة المغرب، وإشعال النزاعات الحدودية، وخلق بؤر توتر دائمة.

فكانت حرب الرمال 1963 أول تجلٍّ لهذا المشروع، ثم تواصل عبر عقود، بوسائل أخرى أكثر تعقيدًا.

الفصل الرابع: القوى العظمى.. أطماع لا تنام

لم يكن الأمر مجرد صراع حدود.

فالمغرب، جغرافيًا وتاريخيًا، نقطة مفصلية في ميزان القوى:

 • يسيطر على بوابة مضيق جبل طارق

 • يتحكم في الطرق القديمة بين المتوسط وإفريقيا

 • يملك الواجهة الأطلسية الأكبر في شمال إفريقيا

 • يشكل المعبر الطبيعي للذهب والملح والمعادن والطاقة

لهذا، كان صعود المغرب يقلق:

 • فرنسا التي لا تريد فقدان نفوذها في الساحل

 • إسبانيا التي تخشى على ثغورها ومصالحها البحرية

 • الولايات المتحدة التي تريد توازنًا، لا قوة صاعدة تعيد رسم الخرائط

 • والجزائر التي بُنيت أصلًا كحاجز سياسي وعسكري

فكان المطلوب، دائمًا، إبقاء المغرب في وضع “متوسط القوة”:

لا ضعيفًا فينهار، ولا قويًا فيستغني عن وصاية أحد.

الفصل الخامس: المغرب.. الجبل الذي لا ينكسر

ورغم كل هذه الضغوط، بقي المغرب ثابتًا.

تعاقبت الأزمات، وتعددت الجبهات، وتغيرت التحالفات، لكن جوهر الدولة لم يتزعزع.

من حرب الرمال إلى المسيرة الخضراء، ومن بناء المؤسسات إلى حماية الصحراء المغربية، أثبت المغرب أنه بلدٌ يعرف كيف يدير الصراع، وكيف يصبر، وكيف ينهض بعد كل هزة أقوى مما كان.

حتى حين ظنّت بعض القوى أن المغرب سيظل حبيس التوازنات القديمة، وجدته وقد تحول إلى قوة إفريقية صاعدة، وشريك استراتيجي للدول الكبرى، ودولة تملك رؤية واقعية لمستقبلها الإقليمي.

الفصل الأخير: مستقبل يُكتب الآن

لا تزال الأطماع القديمة تتحرك:

 • إسبانيا تراقب شمال المغرب بقلقٍ قديم

 • فرنسا تحاول الحفاظ على دورٍ يتآكل تدريجيًا

 • والقوى العظمى تراقب صعود المغرب بحذر

 • والجزائر –باسمها الرسمي وبوظيفتها الموروثة– تحاول لعب الدور الذي صُنعت من أجله

لكن المغرب اليوم يسير في طريق لا عودة عنه.

طريقٍ يشبه جباله:

ترتجف قممه مع العاصفة،

لكنها لا تنحني…

ولا تنكسر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى