آراءslider

إفريقيا ليست مباراة – بقلم حسن الهيثمي

لا تختزل العلاقة بين المغرب والسنغال، في مباراة أو نتيجة، بل تقوم على تاريخ طويل من التفاعل السياسي والديني والإنساني داخل الفضاء الإفريقي.


د. حسن الهيثمي

أعاد التوتر الذي أعقب نهائي كأس إفريقيا للأمم بين المغرب والسنغال النقاشَ إلى سؤال قديم يتجدد مع كل استحقاق رياضي كبير في القارة: أين تنتهي المنافسة الرياضية، وأين يبدأ الانزلاق خارج منطق اللعبة؟ وفرض هذا الجدل التمييز بين احتجاج مشروع على قرارات تحكيمية مثيرة للجدل، وبين تحوّله إلى خطاب متشنج يتجاوز سياق المباراة ويحمّلها ما لا تحتمل.
يندرج ما وقع، ضمن مجال التحكيم الرياضي الذي تؤطره قواعد قانونية ومساطر طعن واضحة داخل الاتحاد الإفريقي لكرة القدم. وعبّر كثير من المتابعين عن قناعة بأن المنتخب المغربي تضرر من قرارات حاسمة خلّفت خيبة أمل واسعة لدى الجماهير. غير أن هذه الوقائع، مهما بلغت حدتها، تظل جزءاً من منطق المنافسة القارية بما تحمله من ضغط نفسي وانفعال جماهيري، ما دامت لم تغادر إطار النقاش الرياضي المشروع.
يتفاقم المشكل حين يتوسّع الجدل ليغادر المستطيل الأخضر، مدفوعاً بتصعيد إعلامي وخطابات متقابلة غذّت التوتر بدل احتوائه. ويبرز هنا خطر خلط الرياضي بالسياسي أو الهوياتي، بما يحمله من قابلية لتعميمات تختزل الشعوب في لحظة انفعال عابرة. ويفرض هذا السياق العودة إلى الاحتكام للقانون الرياضي والمؤسسات المختصة بوصفه الخيار الأكثر عقلانية، ليس فقط لضمان الإنصاف، بل أيضاً لحماية المجال الرياضي من التوظيف الرمزي المفرط.
أعاد بلاغ الديوان الملكي المغربي، الصادر عقب اختتام الدورة الخامسة والثلاثين لكأس إفريقيا للأمم، تأطير الأحداث ضمن سياقها الأشمل. وأكد أن البطولة شكّلت، في مجملها، نجاحاً تنظيمياً ورياضياً بارزاً، عكس التحولات البنيوية التي عرفتها البنية التحتية والرؤية الرياضية بالمغرب. كما توقف عند الأحداث المؤسفة التي رافقت الدقائق الأخيرة من المباراة النهائية، معتبراً إياها لحظات انفعال عابرة لا يمكنها المساس بروابط الأخوة الإفريقية.
ينسجم هذا التأطير مع طبيعة العلاقة بين المغرب والسنغال، التي لا تختزل في مباراة أو نتيجة، بل تقوم على تاريخ طويل من التفاعل السياسي والديني والإنساني داخل الفضاء الإفريقي. وكرّست الدبلوماسية المغربية، على امتداد ربع قرن، هذا العمق الإفريقي باعتباره خياراً استراتيجياً ثابتاً، لا خطاباً ظرفياً مرتبطاً بالمناسبات.

حظي المشجع الكونغولي “Michel Kuka Mboladinga” المشهور باسم “Lumumba”باحترام وتقدير الجماهير المغربية


وهنا ينبغي استحضار مشهد احتفاء الجمهور المغربي بالمشجع الذي ظهر في مدرجات الملاعب وهو يتابع مباريات متقمصاً شخصية باتريس لومومبا الذاكرة الإفريقية المشتركة ونضال القارة من أجل الكرامة والاستقلال. وذكّر هذا المشهد بأن الرياضة، حين تُقرأ خارج منطق الغضب، قادرة على استدعاء القيم الجامعة بدل تكريس القطيعة والانقسام.

حسن الهيثمي

مقالات ذات صلة

اترك رد

زر الذهاب إلى الأعلى