
نجيب مصطفى كمالي
بدأت تلوح القراءة – كما عرفناها – في الأفق وكأنها آخر معاقل التأمل الإنساني، ونحن نعيش في عالم تتقدمه الخوارزميات وتتراجع فيه العادات القديمة خطوة بعد خطوة. القراءة، ذلك الفعل الفردي الصامت، الذي طالما كان مرادفًا للحرية الداخلية، والرحلة الذاتية عبر الزمن والمعنى، يجد نفسه اليوم في مفترق طرق، حيث الذكاء الاصطناعي لا يكتفي بمراقبة القارئ، بل يقرأ بدلاً عنه، بل ويكتب له أحيانًا.
فهل نحن مقبلون على تحول جذري في علاقة الإنسان بالكتاب؟ وهل سيظل القارئ سيد قراءته في عالم صار فيه الذكاء الاصطناعي شريكًا خفيًا في تشكيل الفكر؟
منذ قرون، شكّلت القراءة علاقة حميمة بين القارئ والنص. الورق، الحبر، الصوت الداخلي الذي نسمعه ونحن نقرأ… كل ذلك كان جزءًا من تجربة معيشة. اليوم، صار بإمكانك تحميل مكتبة كاملة على هاتفك، لكن الأهم: صار بإمكانك ألا تقرأها بنفسك.
موجزات فورية، تلخيصات بالذكاء الاصطناعي، مقارنات بين الروايات، مراجعات جاهزة، بل وحتى روبوتات تقرأ لك وتناقشك.
إننا لا نشهد فقط ثورة تكنولوجية، بل تحولًا أنطولوجيًا في معنى “أن تقرأ”. لم تعد القراءة مسألة وقت وجهد وبناء ذاتي، بل أصبحت شيئًا يُقدَّم إليك مختصرًا، مفصولًا عن التدرّج، عن العمق، عن الصمت الضروري للتفكير.
الذكاء الاصطناعي لا يتعب، لا يسهو، لا يُشتت. يقرأ بسرعة البرق، ويقارن بين آلاف النصوص في ثانية.
لكنه أيضًا لا يحس، لا يندهش، لا يشعر بمرارة عبارة أو عظمة تشبيه.
بالتالي، حين نتحدث عن AI “يقرأ”، فنحن في الحقيقة نتحدث عن نوع آخر من القراءة: قراءة بلا ذاكرة، بلا دهشة، بلا توق داخلي للفهم.
القراءة في جوهرها ليست فقط تصيدا للمعلومات، بل عبورا من النص إلى الذات. إنها حوار، والمفارقة أن الذكاء الاصطناعي، رغم قدرته على المحاكاة، لا يملك ذاتًا. فهو لا يقرأ ليعرف، بل ليُعيد تشكيل المعرفة في خدمة غاية خارجية. إن الذكاء الاصطناعي قارئ بلا ضمير.
فهل الكتاب ككائن حي سيتغير دوره؟ مع تطور تقنيات التفاعل، نتجه نحو أنماط جديدة من الكتب: كتاب يتفاعل مع حالتك المزاجية وكتاب يُلخّص نفسه تلقائيًا حسب اهتمامك وكتاب يُخبرك بما تحتاجه، قبل أن تطلبه..
هذا ليس خيالًا. بل واقع تُطوره مختبرات كثيرة. لكن الخطر هنا أن الكتاب لم يعد مرآة للعقل، بل منتَجًا وظيفيًا موجهًا لتلبية رغبة آنية. ومع ذلك، قد تكون هذه فرصة أيضًا لإعادة ابتكار طرق جديدة للقراءة، خصوصًا في عالم يتطلب السرعة والتكيّف.
جيل اليوم يتعامل مع المعلومة أكثر مما يتعامل مع المعرفة. يقرأ بسرعة، ينتقل من شاشة لأخرى، يستهلك المعلومة كما يستهلك الموسيقى.
لكن هل هذا يعني نهاية الفعل القرائي العميق؟
الذكاء الاصطناعي قد يتيح نماذج جديدة من القراءة: صوتية، تفاعلية، بصرية، تلائم الذكاء الحسي والانفعالي أكثر من الذكاء التحليلي البارد. لكننا بحاجة إلى ثقافة رقمية تُعيد المعنى للقراءة ولا تُلغيها لصالح الترفيه السطحي.
من هنا نتساءل: هل هذا الجيل الرقمي في حاجة أصلا إلى كتب؟
ما بين المعرفة والضجيج لا يكمن الخطر الحقيقي في الذكاء الاصطناعي، بل في الطريقة التي نستخدمه بها. هل نريده أن يفتح لنا نوافذ نحو الفكر والخيال؟ أم أن يحولنا إلى مستهلكين خاملين؟ هل سيساعدنا على القراءة أفضل، أم سيجعلنا نتنازل عنها تدريجيًا، دون أن نشعر؟
القراءة ليست مجرد مهارة، بل موقف وجودي، من العالم ومن النفس ومن الآخر.
في خضم هذا التقدم، نحتاج أن نعيد تعريف القراءة لا باعتبارها فقط فعلًا للاستهلاك، بل كفعل للوعي. الذكاء الاصطناعي أداة عظيمة، نعم. لكنه لن يعوّض لحظة صمت يمر فيها سطرٌ داخلنا كوميض… ولا تلك الدهشة التي لا تُختصر في ملخص.
إن مستقبل القراءة ليس تقنيًا فقط… بل أخلاقي
في النهاية، القراءة ليست ما نفعله بالكتاب.
بل ما يفعله بنا.



