
يكشف هذا المقال،عن ثلاث سمات بنيوية لعمل الإيسيسكو في مجال صون التراث في العالم الإسلامي. فهو أولًا عمل تراكمي يزداد تخصصًا مؤسسيًا،. وهو ثانيًا عمل موجه بشكل حاسم نحو الابتكار التكنولوجي. وهو ثالثًا، وربما هذا هو الأهم، عمل يحمل طموحًا دبلوماسيًا يتجاوز إلى حد بعيد المجال الصرف للحفظ المادي، إذ يربط بشكل منهجي بين التراث والحوار بين الثقافات وتوطيد السلام.
مقدمة: تراث متعدد في مواجهة تهديدات متشابكة
يشكل العالم الإسلامي، الذي يضم أكثر من خمسين دولة عضوًا في منظمة التعاون الإسلامي، أحد أكثر الفضاءات التراثية كثافة وتنوعًا في العالم: مدن تاريخية، وطرق قوافل، ومخطوطات، وفنون خط، ومعارف شفوية، وممارسات طقوسية تتراكم في طبقات حضارية متصلة منذ أكثر من ألف عام. غير أن هذه الثروة تتعرض اليوم لحزمة من التهديدات المتقاطعة، من النزاعات المسلحة إلى التوسع العمراني المتسارع، ومن تغير المناخ إلى النهب والاتجار غير المشروع، وهي تهديدات تستدعي استجابة مؤسسية منسقة على مستوى الأمة الإسلامية. وليس اتساع هذا التعرض مجرد قول بلاغي: فقد أدرجت لجنة التراث العالمي التابعة لليونسكو على قائمة التراث العالمي المعرض للخطر ستة معالم سورية، هي المدينة القديمة لحلب، والمدينة القديمة لدمشق، والمدينة القديمة لبصرى، وقلعة الحصن، وموقع تدمر، والقرى القديمة في شمال سوريا، وذلك بسبب الدمار الناجم عن النزاع الذي تشهده البلاد منذ عام 2011 (اليونسكو، مركز التراث العالمي، د.ت.-أ)، في حين أُدرجت المدينة القديمة لصنعاء والمدينة القديمة لشبام باليمن على القائمة ذاتها بعدما ألحق النزاع المسلح أضرارًا بنسيجهما العمراني التاريخي، ومنها مسجد المهدي الذي يعود إلى القرن الثاني عشر والبيوت البرجية المميزة للعمارة اليمنية (اليونسكو، مركز التراث العالمي، 2015). وفي خضم هذا الواقع الموثق من الهشاشة، يندرج عمل منظمة العالم الإسلامي للتربية والعلوم والثقافة (الإيسيسكو)، الوريثة للمنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو سابقًا)، والتي تكثف مهمتها التراثية بشكل ملحوظ منذ منتصف عقد 2020 تحت قيادة مديرها العام الدكتور سالم بن محمد المالك. يقترح هذا المقال تحليلًا مكثفًا لهذا العمل، يتمحور حول أربعة محاور: البنية المؤسسية التي أرستها المنظمة؛ والتشكل التدريجي للوائح تراثية خاصة بالعالم الإسلامي؛ وحماية التراث المهدد، لا سيما في مناطق النزاع، مع وضعها في سياق أوسع يشمل الآليات الدولية القائمة؛ والربط الذي تدعيه الإيسيسكو نفسها بين صون التراث والدبلوماسية السلمية. وتجدر الإشارة منذ البداية إلى هذا الربط الأخير: فخلافًا لمنظمات التراث ذات الطابع الحفظي الصرف، تدعي الإيسيسكو صراحة دورًا حضاريًا ودبلوماسيًا، إذ تجعل من التراث أداة للتلاحم بين مكونات العالم الإسلامي بقدر ما هو موضوع للحفظ التقني.
بنية مؤسسية في طور إعادة التشكل
باشرت الإيسيسكو، منذ عام 2025، إصلاحًا هيكليًا واسع النطاق يهدف إلى منح الملف التراثي قاعدة مؤسسية مستقلة. فقد وافق المجلس التنفيذي للمنظمة بالإجماع، في دورته الخامسة والأربعين المنعقدة بتونس العاصمة يوم 26 فبراير 2025 تحت الرعاية السامية للرئيس قيس سعيد، على إحداث عدة كيانات متخصصة، من بينها مركز التراث في العالم الإسلامي، إلى جانب قطاع الاستراتيجية والتميز المؤسسي وإدارة التحول الرقمي (الإيسيسكو، 2025أ). ويكرس هذا القرار بروز التراث كمجال اختصاص قائم بذاته، له أدواته الخاصة في الحوكمة. ويعرّف المركز نفسه بأنه الجهة المكلفة “ببناء نظام جديد قائم على تعزيز القدرات في مجال صون [التراث] الثقافي والحضاري وترميمه”، على حد تعبير الدكتور المالك (الإيسيسكو، د.ت.-أ)، وذلك في قطيعة مع التصور المتحفي الصرف للتراث لصالح منطق التنمية الترابية وريادة الأعمال الثقافية. وقد اقترنت إعادة الهيكلة هذه، في يوليوز 2026، بإحداث مراكز متخصصة إضافية مكرسة لفن الخط والمخطوطات، وللشعر والأدب (الإيسيسكو، 2025أ؛ الإيسيسكو، 2025ح).
لوائح التراث في العالم الإسلامي: مشروع اعتراف تراكمي
تبقى الأداة الأكثر بروزًا في العمل التراثي للإيسيسكو هي لوائحها الخاصة بالتراث في العالم الإسلامي، وهي آلية اعتراف متمايزة عن قائمة التراث العالمي لليونسكو، لكنها مصممة لتكون مكملة لها. وتعقد اللجنة المعنية بالتراث في العالم الإسلامي، وهي الجهاز التقني المكلف بدراسة الملفات المقدمة من الدول الأعضاء، اجتماعات دورية يعكس إيقاعها التراكمي حجم هذا المشروع. ففي اجتماعها العاشر، المنعقد بمقر المنظمة بالرباط يوم 4 يوليوز 2022، أقرت اللجنة تسجيل 141 موقعًا تاريخيًا وعنصرًا ثقافيًا إضافيًا، موزعة بين اللائحتين الاستدلالية والنهائية، ليصل بذلك المجموع التراكمي إلى 473 موقعًا وعنصرًا موزعة على 34 دولة (الإيسيسكو، 2022). واستمرت هذه الدينامية دون انقطاع: فقد رفع الاجتماع الحادي عشر، المنعقد بالرباط يومي 18 و19 دجنبر 2023، هذا المجموع إلى 634 موقعًا موزعة على 45 دولة بعد تسجيل 213 موقعًا وعنصرًا جديدًا (الإيسيسكو، 2023أ)؛ في حين أقر الاجتماع الثاني عشر، المنعقد بمدينة شوشا في جمهورية أذربيجان، عاصمة الثقافة في العالم الإسلامي لسنة 2024، يومي 8 و9 أكتوبر 2024، تسجيل 91 موقعًا إضافيًا، ليصل المجموع إلى 724 (الإيسيسكو، 2024). وهذا النمو البالغ 53 بالمائة في المدونة المسجلة خلال سنتين فقط يعكس في آن واحد تكثيف العمل التقني للجنة وتزايد تبني الدول الأعضاء لهذه الآلية، إذ شجع المدير العام عدة دول، من بينها سلطنة عمان، صراحة على تقديم مزيد من الملفات المتعلقة بمواقعها غير المسجلة بعد (الإيسيسكو، 2023ب).
وقد تجاوزت اللجنة التراكم الكمي المحض لتنخرط في تفكير نوعي حول طبيعة الممتلكات المؤهلة، إذ أوصت بإعداد ملفات جماعية تتعلق بمسارات حضارية عابرة للحدود الوطنية، كطريق الحج، وطرق القوافل التجارية، وطرق الرحالة والعلماء والمخطوطات، وهي مسارات تعبر عدة دول أعضاء وتستدعي ترشيحًا منسقًا بدل التسجيل موقعًا بموقع (الإيسيسكو، 2019). ويشكل هذا التوجه نحو تراث الشبكات، بدل الأثر المعزول، أحد أبرز الابتكارات المفاهيمية للإيسيسكو مقارنة بمنطق التسجيل التراثي الموروث عن النموذج الأممي الكلاسيكي، ويعبر عن قراءة حضارية صريحة، لا وطنية محضة، للتراث الإسلامي.
التراث المهدد: النزاعات والكوارث والتعاون الدولي
يتعلق أكثر أبعاد العمل التراثي للإيسيسكو إلحاحًا بحماية الممتلكات المعرضة للنزاعات المسلحة والكوارث الطبيعية وآثار تغير المناخ. وقد وجد هذا الإلحاح ترجمته المؤسسية الأنضج في مذكرة التفاهم الموقعة يوم 11 نونبر 2025 بمقر الإيسيسكو بالرباط بين الدكتور سالم بن محمد المالك والسيدة بريزة خياري، رئيسة مجلس إدارة مؤسسة أليف (التحالف الدولي لحماية التراث في مناطق النزاع). وتهدف هذه الاتفاقية صراحة إلى “الحد من عدد الممتلكات المدرجة على قائمة التراث العالمي المهدد في العالم الإسلامي” وتعزيز التعاون المؤسسي في الدول الأعضاء المتضررة من النزاعات والأزمات والكوارث الطبيعية وتغير المناخ (الإيسيسكو، 2025ج). وقد تأسست أليف في جنيف في مارس 2017 بمبادرة مشتركة من فرنسا والإمارات العربية المتحدة، إثر مؤتمر دولي حول التراث المهدد عُقد بأبوظبي، واتخذت لنفسها شعارًا مؤسسيًا هو “حماية التراث لبناء السلام” (لوجورنال دي زار، 2017). ووفقًا للحصيلة التي رفعتها المؤسسة نفسها عشية الذكرى العاشرة لتأسيسها، خلال الاجتماع السابع عشر لمجلسها المنعقد بباريس يوم فاتح يوليوز 2026، فقد دعمت أليف 640 مشروعًا في 65 دولة بمبلغ إجمالي بلغ 138 مليون دولار منذ تأسيسها، وهو عمل يمتد من فسيفساء الموصل بالعراق إلى إعادة إعمار تدمر بسوريا، مرورًا بخطة الطوارئ التي نُفذت ببيروت إثر انفجار المرفأ سنة 2020 والبرنامج المخصص لغزة (مؤسسة أليف، 2026). ويشكل الشراكة مع الإيسيسكو منعطفًا منهجيًا لافتًا: إذ تجمع بين منظمة حكومية دولية ذات رسالة حضارية واسعة ومؤسسة سبق أن تشكلت خبرتها الميدانية، في سياقات ليست إسلامية بالضرورة، من خلال مذكرة تفاهم مماثلة أبرمتها مع اليونسكو منذ 2019، تناولت على الخصوص إعادة بناء مئذنة مسجد النوري التاريخي بالموصل وضمن مبادرة “إحياء روح الموصل” (اليونسكو، 2019).
وتجسد الحالة السورية هذا البعد تجسيدًا ملموسًا، وهي تندرج ضمن سجل دمار وثقته الهيئات التراثية الدولية توثيقًا واسعًا قبل تدخل الإيسيسكو نفسه: فقد نددت المديرة العامة لليونسكو، منذ إدراج المواقع السورية الستة على قائمة التراث المهدد، بتصاعد العنف الذي طال ممتلكات معترفًا لها بقيمة عالمية استثنائية للإنسانية جمعاء (اليونسكو، مركز التراث العالمي، د.ت.-أ). وفي هذا السياق حدد المؤتمر الدولي حول مشروع إحياء مكتبة أوقاف حلب، الذي انطلقت أشغاله يوم 2 دجنبر 2025، هدفه في “استعادة الهوية الثقافية الأصيلة للمدينة عبر إعادة تأهيل التراث المادي، ورقمنة المخطوطات، وتعزيز الإشعاع العلمي لحلب” (الإيسيسكو، 2025ب). وفي كلمة مسجلة، أكد الدكتور المالك استعداد المنظمة لدعم هذا المشروع “بكل الوسائل المتاحة”، معربًا عن أمله في أن تمتد المبادرة إلى إعادة تأهيل المدارس والمجمعات التراثية المتضررة على المستوى الوطني (الإيسيسكو، 2025ب). وتعكس هذه المداخلة سمة ثابتة في موقف الإيسيسكو في السياقات اللاحقة للنزاعات: فالمنظمة لا تكتفي بترميم الأبنية ماديًا، بل تربط بشكل منهجي بين التراث المبني والتراث الوثائقي والإشعاع العلمي، ضمن مقاربة يمكن وصفها بالشمولية.
وتقدم تجربة مخطوطات تمبكتو بمالي سابقة معبرة في هذا الصدد، سابقة سبقت عمل الإيسيسكو الحالي زمنيًا وتقع إلى حد بعيد خارج نطاقه. فقد أُعلنت تمبكتو عاصمة للثقافة الإسلامية لمنطقة إفريقيا سنة 2006 من قبل المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة (إيسيسكو سابقًا)، السلف المباشر للإيسيسكو، وكانت تحتضن آنذاك تراثًا مخطوطًا هائلًا، يُقدر بمئات الآلاف من الوثائق باللغة العربية أو المنقولة عن لغات إفريقية، تشهد على تقليد كتابي متصل من القرن الثالث عشر إلى القرن التاسع عشر (أفريكيلتور، 2006). غير أنه عندما سيطرت جماعات جهادية موالية لتنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي على المدينة سنة 2012، كانت شبكة غير رسمية إلى حد بعيد، يقودها أمين المكتبة عبد القادر حيدرة ومنظمته غير الحكومية “سافاما-دي سي آي”، هي التي نظمت سرًا إجلاء ما بين 160.000 و300.000 مخطوط نحو باماكو خلال ستة أشهر، بدعم لاحق من اليونسكو وشركاء تقنيين من قبيل “غوغل آرتس أند كالتشر” لأغراض الرقمنة (أكتواليتيه، 2022؛ ويكيبيديا، 2026). وتذكرنا هذه السابقة، الموثقة توثيقًا واسعًا في الصحافة الإفريقية، بأن الصون الفعلي للتراث الإسلامي في مناطق الأزمات يظل في نهاية المطاف رهينًا، في كثير من الأحيان، بشبكات مجتمعية ومؤسسات محلية، كمعهد أحمد بابا للدراسات والبحوث الإسلامية العليا بتمبكتو، الذي تسبق قدرته على الصون الذاتي الآليات المؤسسية الدولية، إسلامية كانت أم أممية، وتتجاوزها إلى حد بعيد (جون أفريك، 2022). وينبغي بالتالي تقييم الطموح الحالي للإيسيسكو في بناء بنية تراثية مركزية على ضوء هذا الواقع الميداني، حيث تتوقف فعالية الصون بقدر متساوٍ على كثافة الشبكات المحلية وعلى متانة الشراكات الحكومية الدولية.
الابتكار التكنولوجي في خدمة الصون
جعلت الإيسيسكو من الرقمنة والتقنيات الغامرة محورًا استراتيجيًا لسياستها التراثية، من منظور حفظي واقتصادي في آن واحد. فقد تناولت ندوة عُقدت بمراكش دور التقنيات في صون التراث الثقافي، بمشاركة الدكتور راحيل قمر، رئيس قطاع العلوم والبيئة بالإيسيسكو، الذي أبرز الإمكانات التحويلية للذكاء الاصطناعي والواقع الممتد وتقنية التوأمة الرقمية بالنسبة لمستقبل صون التراث (أذرتاج، 2025). وأوضح الدكتور عادل الصميدع، خبير في القطاع ذاته، أن أدوات التوأمة الرقمية والتقنيات الغامرة تتيح سبلًا غير مسبوقة لحماية التراث المادي وغير المادي على حد سواء (أذرتاج، 2025). ولا يعد هذا التوجه ابتكارًا خاصًا بالإيسيسكو: فهو يمتد في الواقع من تجربة أقدم انطلقت سنة 2014، حين أطلقت شركة غوغل، بالتعاون مع أمين المكتبة المالي عبد القادر حيدرة وشبكته “سافاما-دي سي آي”، برنامجًا لرقمنة مخطوطات تمبكتو تضمن ترجمة وثائق كُتبت أصلًا بالعربية الوسيطة إلى الإنجليزية والفرنسية والإسبانية والعربية الحديثة توسيعًا لإمكانية الاطلاع عليها (أكتواليتيه، 2022). وتوحي هذه الأسبقية بأن الابتكار التكنولوجي المطبق على التراث الإسلامي لا ينبع من اختراع حديث للإيسيسكو بقدر ما هو تقارب تدريجي بين فاعلين خواص ومنظمات غير حكومية محلية ومنظمات حكومية دولية حول هاجس مشترك هو الصون الرقمي. ومع ذلك، يظل اختيار مراكش موقعًا للتفكير التكنولوجي لسنة 2025 دالًا: فالمدينة، التي انتُخبت عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي من قبل الإيسيسكو في يناير 2024، كانت موضوع دراسة جامعية كرست خصيصًا لمساءلة العلاقة بين الابتكار التكنولوجي وصون مدينتها العتيقة، وهي تراث ثقافي غير مادي معترف به، في سياق التنامي المتسارع لرقمنة ممارسات التثمين السياحي (سكونتي وتباع، مستشهد بهما في دراسة نُشرت سنة 2025 على منصة ريسيرش غيت).
وتقترن هذه التوجهات التكنولوجية بسياسة نشطة للتعاون الثنائي في مجالي الرقمنة والترميم. فقد أتاح اللقاء الذي جمع، يوم 15 ماي 2025 بمدينة قازان، الدكتور المالك بالسيد أندريه ماليشيف، نائب وزير الثقافة الروسي، على هامش تعيين قازان عاصمة للثقافة في العالم الإسلامي لسنة 2026، فرصة لتجديد التأكيد على إرادة الإيسيسكو إطلاق مبادرات مشتركة لترميم المواقع التراثية المهددة، مع عرض التوجهات الاستراتيجية للمنظمة في مجال الصون (الإيسيسكو، 2025و). وبالمثل، تناول لقاء 18 شتنبر 2025 مع السيدة عائدة بالاييفا، وزيرة الثقافة والإعلام الكازاخستانية، المنعقد على هامش القمة الثامنة لزعماء الأديان العالمية والتقليدية بأستانا، آفاق التعاون تحديدًا في مجال صون التراث (الإيسيسكو، 2025ز). ويعكس تكرار هذا النوع من اللقاءات الثنائية، التي غالبًا ما تُربط بقمم دبلوماسية أو دينية أوسع نطاقًا، استراتيجية متعمدة من قبل الإيسيسكو تقوم على ربط الدبلوماسية التراثية بأجندات سياسية وبين-دينية أرحب، مما يعزز إلى أقصى حد الحضور المؤسسي لبرامجها في مجال الصون.
الدبلوماسية الثقافية وعواصم الثقافة الإسلامية
تشكل آلية عواصم الثقافة في العالم الإسلامي الأداة الرئيسية لتثمين التراث المروج له من قبل الإيسيسكو عبر الفعاليات. فبتعيينها على التوالي مراكش (2024) وشوشا (2024) وقازان (2026) عواصم للثقافة، تحول المنظمة كل مدينة مستضيفة إلى واجهة عرض مؤقتة لعملها التراثي، تجمع بين الندوات العلمية، وعمليات الترميم الموجهة، والمعارض، وبرامج توعية الجمهور الشاب. وقد أوصى التقرير الختامي للاجتماع الثاني عشر للجنة التراث، المنعقد بشوشا بمناسبة هذا الاحتفال بالذات، بوضع برامج لتوعية المسؤولين والطلبة والشباب بأهمية التراث الثقافي، وتنظيم دورات تكوينية مكثفة لفائدة العاملين بالمواقع التراثية والمتاحف في الدول الأعضاء، فضلًا عن تطوير بوابة رقمية مخصصة للتراث في العالم الإسلامي (الإيسيسكو، 2024). وتنم هذه التوصية عن وعي مؤسسي: فالتسجيل على لائحة ما لا يشكل سوى مرحلة أولى، ينبغي أن يتبعها عمل متواصل من الوساطة والتكوين والتثمين الرقمي لإحداث آثار مستدامة على الصون الفعلي للممتلكات المعنية.
كما أتاح الاجتماع التاسع عشر للمجلس الاستشاري للتنمية الثقافية في العالم الإسلامي، المنعقد بجدة يوم 10 فبراير 2025، للدكتور طلال بن سعود الرويس، رئيس المجلس، فرصة التأكيد على إسهامات الحضارة الإسلامية في الازدهار الثقافي العالمي، والتشديد على ضرورة تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء لاعتماد تدابير فعالة لصون التراث المادي وغير المادي (الإيسيسكو، 2025ح). ويكمل هذا الجهاز الاستشاري، التحضيري للمؤتمر الإسلامي لوزراء الثقافة، البنية المؤسسية للملف التراثي بإشراك خبراء وشخصيات أكاديمية فيه، إلى جانب دائرة ممثلي الحكومات الجالسين في لجنة التراث ذاتها.
التراث والسلام والدبلوماسية الحضارية
تكمن أبرز سمات موقف الإيسيسكو أصالةً في الربط الصريح الذي تقيمه بين صون التراث وتوطيد السلام، وهو ربط لا يقتصر على العالم الإسلامي وحده: إذ يجد صدى له في الشعار المؤسسي ذاته لمؤسسة أليف، “حماية التراث لبناء السلام”، الذي اعتُمد منذ تأسيسها سنة 2017 بمبادرة فرنسية-إماراتية (لوجورنال دي زار، 2017). وقد طورت الإيسيسكو، تحت مسمى “السلام 360 درجة”، مقاربة شمولية ومتعددة التخصصات لبناء السلام تهدف إلى تعبئة الفاعلين الاجتماعيين الرئيسيين حول قيم مشتركة؛ وقد كوّن برنامج “القيادة من أجل السلام والأمن”، وهو مكون من مكونات هذه المبادرة، وعبأ 180 سفيرًا للسلام من 68 دولة، وهو مجهود تُوّج بجائزة مركز الملك عبد العزيز للتواصل الحضاري بالمملكة العربية السعودية (الإيسيسكو، 2025ط). وتدعي المنظمة في هذا الصدد مفهومًا تصفه بنفسها بـ”الدبلوماسية الحضارية”، يهدف إلى ترسيخ العمل الحضاري داخل الدبلوماسية التقليدية وإثراء النقاش العالمي حول السلام (الإيسيسكو، 2025ط). وقد وجد هذا الربط ترجمة ملموسة يوم 8 أبريل 2026، حين أطلق 227 شابًا وشابة يشاركون في برنامج تكويني للإيسيسكو، يمثلون 68 دولة، نداءً عالميًا من أجل السلام، مؤكدين التزامهم بترسيخ قيم الحوار والتعايش، ومكافحة خطاب الكراهية في الفضاء الرقمي، والعمل، بصفتهم سفراء للسلام، داخل مدارسهم وجامعاتهم ومجتمعاتهم وعلى الفضاء الرقمي من أجل “مد جسور التواصل والحد من الانقسامات” (الإيسيسكو، 2026).
وتلتقي فلسفة التعايش هذه، التي توظفها الإيسيسكو بكثافة في خطابها المؤسسي، مع تأمل أقدم حول التعايش بين الجماعات في الفضاء الإسلامي-المتوسطي، الذي يظل مفهوم “الكونفيبنسيا”، الذي صاغته الكتابات التاريخية في القرن العشرين لوصف التعايش بين الأديان في الأندلس القروسطية، أنضج تعبير عنه (شتاتو، 2024). وبذلك، لا تقتصر عملية تثمين التراث كما تمارسها الإيسيسكو على تمرين تقني للحفظ، بل تشكل أداة قوة ناعمة حضارية، توظف لعرض صورة الوحدة والتسامح داخل عالم إسلامي مجزأ عميقًا، من جهة أخرى، بأزمات سياسية وأمنية. ويتيح الربط بين التراث والسلام للمنظمة تجاوز مهمتها التقنية الأصلية لتتموقع كفاعل في الدبلوماسية الوقائية، مستثمرة الشحنة الرمزية والوجدانية للتراث المشترك لبناء جسور بين الدول الأعضاء التي تتسم علاقاتها الثنائية أحيانًا بالتوتر.
خاتمة: حصيلة ومحدودية مشروع حضاري
يكشف هذا التحليل، في ختامه، عن ثلاث سمات بنيوية لعمل الإيسيسكو في مجال صون التراث في العالم الإسلامي. فهو أولًا عمل تراكمي يزداد تخصصًا مؤسسيًا، كما يشهد على ذلك إحداث مركز التراث في العالم الإسلامي والنمو المتواصل للوائح التراثية التي انتقلت من 473 إلى 724 تسجيلًا بين عامي 2022 و2024. وهو ثانيًا عمل موجه بشكل حاسم نحو الابتكار التكنولوجي، إذ باتت تقنيتا الذكاء الاصطناعي والتوأمة الرقمية تُقدَّمان اليوم كأداتين لا غنى عنهما لصون القرن الحادي والعشرين، وإن كانت هذه التوجهات، كما بينت هذه الدراسة، تمتد في جذورها إلى تجارب رقمنة سابقة اضطلعت بها جهات غير إسلامية أو غير حكومية. وهو ثالثًا، وربما هذا هو الأهم، عمل يحمل طموحًا دبلوماسيًا يتجاوز إلى حد بعيد المجال الصرف للحفظ المادي، إذ يربط بشكل منهجي بين التراث والحوار بين الثقافات وتوطيد السلام. ويشكل هذا البعد الأخير في آن واحد القوة الرئيسية للمنظمة ونقطة ضعفها الرئيسية: فهو يمنح التراث مركزية سياسية غير مسبوقة، لكنه يعرض المنظمة كذلك لمخاطر التوظيف، ذلك أن الحماية الفعلية للمواقع الأكثر تهديدًا، في سوريا أو اليمن أو غيرهما، تظل رهينة بالتمويل والاستقرار السياسي وإمكانية الولوج الأمني، وهي عناصر لا تكفي الإرادة المؤسسية وحدها لضمانها، كما تؤكده أيضًا تجربة تمبكتو التي أظهرت أن الشبكات المحلية غالبًا ما تسبق الآليات الدولية وتتجاوزها. وسيتوقف مستقبل هذا المشروع، في نهاية المطاف، على قدرة الإيسيسكو على تحويل شراكاتها البرامجية، مع اليونسكو، ومع أليف، ومع الدول الأعضاء نفسها، إلى نتائج صون قابلة للقياس ميدانيًا، تتجاوز مجرد تراكم الاعترافات الرمزية. وبالنسبة للباحثين وصناع القرار في المغرب الكبير والعالم العربي الإسلامي، تقدم التجربة المغربية، مقر المنظمة، وعاصمة ثقافية سنة 2024 بمراكش، وميدان تجريب تكنولوجي مفضل، مرصدًا ثمينًا لتقييم المدى الحقيقي لهذا المشروع الحضاري على المدى الطويل.
المراجع
أذرتاج. (2025، فاتح غشت). تنظم الإيسيسكو ندوة بمراكش حول دور التقنيات في صون التراث الثقافي [بالفرنسية]. https://azertag.az/fr/xeber/licesco_tient_un_colloque_a_marrakech_sur_le_role_des_technologies_dans_la_preservation_du_patrimoine_culturel-3683311
أفريكيلتور. (2006، 31 مارس). صون مخطوطات تمبكتو [بالفرنسية]. http://africultures.com/la-sauvegarde-des-manuscrits-de-tombouctou-4309/
أكتواليتيه. (2022، 11 مارس). مالي ماجيك: إنقاذ ورقمنة مخطوطات تمبكتو [بالفرنسية]. https://actualitte.com/article/105117/archives/mali-magic-les-manuscrits-de-tombouctou-sauves-et-numerises
الإيسيسكو. (2019، 17 دجنبر). المدير العام للإيسيسكو يدعو دول العالم الإسلامي إلى تسجيل مواقعها التراثية على لائحة التراث [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2019/12/17/le-directeur-general-de-lisesco-invite-les-etats-du-monde-islamique-a-inscrire-leurs-sites-patrimoniaux-sur-la-liste-du-patrimoine/
الإيسيسكو. (2022، 5 يوليوز). تسجيل 141 موقعًا تاريخيًا وعنصرًا ثقافيًا على لوائح الإيسيسكو للتراث في العالم الإسلامي [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2022/07/05/inscription-de-141-sites-historiques-et-elements-culturels-sur-les-listes-de-licesco-du-patrimoine-dans-le-monde-islamique/
الإيسيسكو. (2023أ، 19 دجنبر). تسجيل 213 موقعًا تاريخيًا وعنصرًا ثقافيًا على لوائح التراث في العالم الإسلامي للإيسيسكو [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2023/12/19/inscription-de-213-sites-historiques-et-element-culturels-sur-les-listes-du-patrimoine-dans-le-monde-islamique-de-licesco/
الإيسيسكو. (2023ب، 22 ماي). الإيسيسكو وسلطنة عمان تتفقان على تطوير التعاون في مجال صون وحفظ التراث [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2023/05/22/licesco-et-le-sultanat-doman-conviennent-de-developper-la-cooperation-en-matiere-de-preservation-et-de-sauvegarde-du-patrimoine/
الإيسيسكو. (2024، 11 أكتوبر). تسجيل 91 موقعًا تاريخيًا وعنصرًا ثقافيًا على لوائح التراث في العالم الإسلامي للإيسيسكو [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2024/10/11/inscription-de-91-sites-historiques-et-element-culturels-sur-les-listes-du-patrimoine-dans-le-monde-islamique-de-licesco/
الإيسيسكو. (2025أ، فاتح مارس). الإيسيسكو تواصل تحديث هيكلها التنظيمي لمواكبة التحولات العالمية وتطلعات العالم الإسلامي [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/03/01/licesco-poursuit-la-modernisation-de-sa-structure-organisationnelle-pour-accompagner-les-evolutions-mondiales-et-les-aspirations-du-monde-islamique/
الإيسيسكو. (2025ب، 2 دجنبر). انطلاق أشغال المؤتمر الدولي حول مشروع إحياء مكتبة أوقاف حلب [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/12/02/lancement-des-travaux-de-la-conference-internationale-sur-le-projet-de-revitalisation-de-la-bibliotheque-des-waqfs-dalep/
الإيسيسكو. (2025ج، 11 نونبر). الإيسيسكو ومؤسسة أليف توقعان مذكرة تفاهم لتعزيز التعاون في حماية التراث الثقافي المهدد [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/11/11/licesco-et-la-fondation-aliph-signent-un-memorandum-dentente-pour-renforcer-la-cooperation-dans-la-protection-du-patrimoine-culturel-en-peril/
الإيسيسكو. (2025د، 20 أكتوبر). الإيسيسكو تطلق سلسلة ندوات لبحث قضايا التراث الثقافي في العالم الإسلامي [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/10/20/licesco-lance-une-serie-de-colloques-pour-examiner-les-questions-du-patrimoine-culturel-dans-le-monde-islamique/
الإيسيسكو. (2025ه، 16 يناير). الإيسيسكو واليونسكو تعززان تعاونهما لدعم المؤشرات الثقافية والصناعات الإبداعية [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/01/16/licesco-et-lunesco-renforcent-leur-cooperation-pour-soutenir-les-indicateurs-culturels-et-les-industries-creatives/
الإيسيسكو. (2025و، 17 ماي). الإيسيسكو وروسيا تبحثان آفاق التعاون في صون وترميم المواقع التراثية [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/05/17/licesco-et-la-russie-examinent-les-perspectives-de-cooperation-dans-la-preservation-et-la-restauration-des-sites-patrimoniaux/
الإيسيسكو. (2025ز، 18 شتنبر). بحث آفاق التعاون بين الإيسيسكو ووزارة الثقافة والإعلام الكازاخستانية في مجال صون التراث [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/09/18/examen-des-perspectives-de-cooperation-entre-licesco-et-le-ministere-de-la-culture-et-de-linformation-du-kazakhstan-dans-le-domaine-de-la-preservation-du-patrimoine/
الإيسيسكو. (2025ح، 10 فبراير). المجلس الاستشاري للتنمية الثقافية في العالم الإسلامي يعقد اجتماعه التاسع عشر بجدة [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/02/10/le-conseil-consultatif-pour-le-developpement-culturel-dans-le-monde-islamique-tient-sa-19%E1%B5%89-reunion-a-djeddah/
الإيسيسكو. (2025ط، 21 شتنبر). اليوم العالمي للسلام: نداء الإيسيسكو إلى التعبئة من أجل قيم السلام والحوار [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2025/09/21/journee-internationale-de-la-paix-appel-de-licesco-a-une-mobilisation-pour-les-valeurs-de-paix-et-le-dialogue/
الإيسيسكو. (2026، 8 أبريل). نداء عالمي من أجل السلام ينطلق من الإيسيسكو: 227 شابًا يشاركون في برنامج تكويني ويمثلون 68 دولة يدعون إلى الالتزام بقيم السلام والحوار [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/2026/04/08/appel-mondial-a-la-paix-lance-depuis-licesco-227-jeunes-participant-a-un-programme-de-formation-et-representant-68-pays-appellent-a-un-engagement-en-faveur-des-valeurs-de-paix-et-de-dialogu/
الإيسيسكو. (د.ت.-أ). مركز التراث في العالم الإسلامي [بالفرنسية]. https://icesco.org/fr/areas_of_expertise/centre-du-patrimoine-dans-le-monde-islamique/
اليونسكو. (2019، 11 أكتوبر). اليونسكو وأليف تضفيان الطابع الرسمي على شراكتهما لحماية التراث الثقافي في مناطق النزاع [بالفرنسية]. https://fr.unesco.org/news/lunesco-aliph-formalisent-leur-partenariat-protection-du-patrimoine-culturel-zones-conflit
اليونسكو، مركز التراث العالمي. (د.ت.-أ). مواقع التراث العالمي بسوريا تُدرج على قائمة التراث المهدد [بالفرنسية]. https://whc.unesco.org/fr/actualites/1038
اليونسكو، مركز التراث العالمي. (2015). المدينة القديمة لصنعاء والمدينة القديمة لشبام وسورها تُضافان إلى قائمة التراث المهدد [بالفرنسية]. https://whc.unesco.org/fr/actualites/1310
جون أفريك. (2022، 21 يناير). مالي: مخطوطات تمبكتو الثمينة [بالفرنسية]. https://www.jeuneafrique.com/1275798/culture/mali-les-precieux-manuscrits-de-tombouctou/
سكونتي، أ.، وتباع، أ. (2006). ساحة جامع الفنا، تحفة التراث الشفوي وغير المادي للإنسانية [مستشهد به في دراسة حول المدينة العتيقة بمراكش في العصر الرقمي]. ريسيرش غيت [بالفرنسية]. https://www.researchgate.net/publication/397128656_La_Medina_de_Marrakech_a_l’ere_numerique_entre_innovation_technologique_et_preservation_du_patrimoine_mondial
اشتاتو، م. (2024، 29 يوليوز). الكونفيبنسيا: ما المقصود بها؟ [تحليل] [بالإنجليزية]. يوريزيا ريفيو. https://www.eurasiareview.com/29072024-convivencia-what-is-it-all-about-analysis/
لوجورنال دي زار. (2017، 3 مارس). إحداث صندوق لحماية التراث في مناطق النزاع [بالفرنسية]. https://www.lejournaldesarts.fr/patrimoine/creation-dun-fonds-de-protection-du-patrimoine-dans-les-zones-en-conflit-131906
مؤسسة أليف. (2026، فاتح يوليوز). حماية التراث لبناء السلام [حصيلة بمناسبة الذكرى العاشرة للتأسيس] [بالفرنسية]. https://www.aliph-foundation.org/fr
ويكيبيديا. (2026، 29 ماي). مخطوطات تمبكتو [بالفرنسية]. https://fr.wikipedia.org/wiki/Manuscrits_de_Tombouctou
محمد اشتاتو، أستاذ جامعي، مستشار ومحلل سياسي متخصص في الشؤون الدولية




