slidertrendingندوات ومحاضرات

السيرة النبوية من القيم إلى النظم.. عبد الحميد عشاق يبرز النموذج الحضاري لبناء الإنسان وتدبير المدينة

أكد عبد الحميد عشاق، مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية، أن السيرة النبوية تمثل مشروعاً حضارياً متكاملاً نجح في تحويل القيم القرآنية من مبادئ موجهة إلى نظم ومؤسسات راسخة أسهمت في بناء الإنسان وإقامة مجتمع متوازن، مشدداً على أن سر نجاح التجربة النبوية يكمن في الجمع بين التزكية والتنظيم، وبين بناء الإنسان وإقامة العمران.

وجاء ذلك خلال المداخلة العلمية التي ألقاها ضمن أشغال الندوة الوطنية التي نظمتها الأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، عبر مديرية التبليغ، بمقر المجلس العلمي الأعلى بالرباط، تحت عنوان “السيرة النبوية مصدراً للعلم والعمل ومرجعاً في القيم والأخلاق” يوم  الأربعاء 13 ماي 2026،، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين المغاربة.

وحملت مداخلة عشاق عنوان “السيرة النبوية من القيم إلى النظم: قراءة منهجية في بناء الإنسان وتدبير المدينة”، حيث قدم رؤية علمية تجمع بين الدراسات الشرعية والفكر العمراني، مبرزاً أن السيرة النبوية لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها سرداً تاريخياً للأحداث، وإنما باعتبارها تجربة تأسيسية نجحت في بناء الإنسان والمؤسسات والدولة في آن واحد.

من أزمة القيم إلى أزمة تحويلها إلى واقع

استهل عشاق مداخلته بتشخيص ما اعتبره الإشكال الحضاري الأبرز في العالم المعاصر، موضحاً أن الأزمة لم تعد مرتبطة بغياب القيم، وإنما بالعجز عن ترجمتها إلى واقع مؤسسي. وقال في هذا الصدد: “لم تعد الإشكالية المركزية في عالم اليوم هي غياب القيم في ذاتها، بقدر ما أصبحت العجز عن تحويل المعنى الأخلاقي إلى نظم فاعلة ومواضعات مستقرة في الاجتماع والعمران.”

وأضاف أن التجربة الحديثة أثبتت محدودية “العقل الأداتي”، إذ إن وفرة الوسائل التقنية والتنظيمية لا تكفي وحدها لإقامة مجتمع متوازن، ما لم تستند إلى تكوين أخلاقي للإنسان ورؤية تضبط المعنى والغاية.

ومن هذا المنطلق، أوضح أن السيرة النبوية تقدم خبرة تأسيسياً كبرى تبين كيف تتحول الهداية إلى تاريخ، وكيف تنتظم القيم داخل مؤسسات وعلاقات اجتماعية مستقرة تصنع العمران.

بناء الإنسان… البداية الحقيقية للعمران

وفي هذا الإطار، استحضر رؤية المفكر حامد ربيع، الذي اعتبر أن الممارسة التي نشأت في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم تكن سوى مجموعة من النظم، وأن الفكرة والنظام وجهان لحقيقة واحدة، كما استشهد بمحمد أسد الذي وصف السنة النبوية بأنها “الصيغة العملية التي يتجسد بها الإسلام في التاريخ”، مؤكداً أن القراءة المثلى للسنة تتجاوز ظاهر الوقائع إلى الكشف عن وظيفتها في بناء الاجتماع الإنساني.

وأوضح عبد الحميد عشاق أن انتقال القيم في السيرة النبوية من مستوى المبادئ إلى مستوى الواقع لم يكن تحولاً آنياً، بل مساراً منهجياً متدرجاً يبدأ بترسيخ المعنى في النفوس، ثم يتحول إلى وعي، فإلى سلوك وعادة جماعية، قبل أن يصبح وظيفة اجتماعية، ثم قاعدة ناظمة لينتهي إلى بنية متجذرة قادرة للاستمرار. وأكد أن هذا المسار يفسر نجاح المشروع النبوي، الذي انطلق من بناء الإنسان قبل بناء المؤسسات، لأن الإنسان هو الحامل الحقيقي للقيم والضامن لاستمرارها.

وفي هذا السياق، شدد عشاق على أن المرحلة المكية لم تكن مجرد فترة تسبق قيام الدولة، بل مثلت مرحلة تأسيسية لإعداد الإنسان القادر على حمل الأمانة والرسالة، من خلال ترسيخ التوحيد وتزكية النفس وتحرير العقل والوجدان والإرادة من الشرك والخوف والعصبية والطمع، باعتبارها أبرز العوائق أمام قيام العمران.

واستشهد عشاق بما ذهبت إليه الباحثة الفرنسية كلود عداس في كتابها «البيت المحمدي»، حيث أكدت أن السيرة النبوية أحدثت تحولاً عميقاً في الإنسان من الداخل قبل أن تعيد تشكيل الواقع من حوله، وهو ما يبرز أن المشروع النبوي لا يمكن اختزاله في أبعاده السياسية أو الإدارية، بل يقوم أساساً على بناء الإنسان وتزكيته. كما استحضر ما أورده الحافظ محمد عبد الحي الكتاني في كتابه «التراتيب الإدارية»، مؤكداً أن ما حققه العصر النبوي في سنوات قليلة من تقدم في مجالات العلم والتربية والتنظيم الاجتماعي لم تبلغه أمم ودول عبر قرون، مستشهداً بقوله إن المتأمل في السيرة النبوية يوقن بأن النبي صلى الله عليه وسلم «جاء بعمارة الدنيا والعمل للآخرة»،.

من القيم إلى النظم: معالم البناء الحضاري في السيرة النبوية 

وانتقل مدير دار الحديث الحسنية إلى استعراض نماذج من وقائع السيرة النبوية، باعتبارها وظائف تأسيسية أسهمت في بناء المجتمع الإسلامي وترسيخ مؤسساته. واستهل ذلك بعقد المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، مؤكداً أنها لم تكن مجرد دعوة إلى التضامن أو مواساة مؤقتة لمن فقدوا ديارهم وأموالهم، بل مثلت مشروعاً لبناء نسيج اجتماعي جديد، يقوم على الإيمان والبذل والمسؤولية المشتركة، ويؤسس لرابطة تتجاوز روابط القبيلة والنسب والحلف.

ولإبراز الأثر المؤسسي لهذا النظام، استشهد بما أورده ابن هشام من أن الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عند تدوين الدواوين، سأل بلال بن رباح رضي الله عنه: «إلى من نجعل ديوانك؟»، فأجاب: «مع أبي رويحة، لا أفارقه أبداً، للأخوة التي عقدها رسول الله صلى الله عليه وسلم بيني وبينه». وأوضح عشاق أن هذه الواقعة تؤكد أن المؤاخاة لم تكن إجراءً مرحلياً ارتبط بظروف الهجرة، بل تحولت إلى قاعدة راسخة امتد أثرها إلى التنظيم الإداري للدولة الإسلامية.

وفي حديثه عن المسجد، أوضح أن أول مؤسسة أقامها الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة لم تكن مجرد مكان للعبادة، بل مثلت مركز المرجعية الجامعة، حيث اجتمعت فيها وظائف العبادة والتعليم والتشاور والتكافل الاجتماعي واستقبال الوفود وتوجيه الشأن العام. وشدد على أن «المسجد هو قلب العمران النبوي ومركزه»، لأنه احتضن مختلف أوجه الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية للمجتمع الناشئ.

واستشهد في هذا السياق بما أورده المستشرق آدم ميتز في كتابه «الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري»، إذ أبرز أن العلامة الفارقة للمدينة الإسلامية ليست معياراً سياسياً، وإنما وجود المنبر، موضحاً أن المنبر يمثل سلطة الكلمة والبيان والتوجيه، ويجسد المرجعية التي تحدد معايير المجتمع ووجهته، بما يجعل المسجد محوراً أساسياً في بناء العمران الإسلامي.

وفي محور آخر، أبرز عشاق أن صحيفة المدينة نقلت قيم السلم والعدل والمسؤولية المشتركة إلى وثيقة سياسية ملزمة، فحولت المجتمع من تجمعات قبلية إلى جماعة سياسية تحكمها الحقوق والواجبات.

وأشار إلى أن عدداً من كبار الباحثين، من بينهم محمد حميد الله ومونتغمري وات ومايكل ليكر، اعتبروا هذه الوثيقة من أقدم الدساتير السياسية، لأنها أرست نظاماً تعاقدياً تجاوز العصبية القبلية.

وأضاف أن إعلان مراكش سنة 2016 استلهم روح هذه الوثيقة في ترسيخ مفهوم المواطنة التعاقدية، باعتبارها إطاراً لصيانة الكرامة الإنسانية وتدبير التعدد داخل المجتمع.

وأوضح عبد الحميد عشاق أن السيرة النبوية لم تكتفِ بإرساء المبادئ الأخلاقية، بل حولتها إلى منظومة إدارية واقتصادية متكاملة، تقوم على الكفاءة وحسن التدبير، وتستهدف تحقيق المصلحة العامة وترسيخ أسس العمران.

وأشار إلى أن أبا الحسن الخزاعي، في كتابه تخريج الدلالات السمعية على ما كان في عهد رسول الله ﷺ من الحرف والصنائع والعمالات الشرعية، رصد البنية التنظيمية الواسعة التي أرساها النبي صلى الله عليه وسلم، مبيناً أن الكفاية وحسن السياسة شكلا المعيار الأساس في إسناد المسؤوليات والولايات.

وفي هذا السياق، أبرز أن السنة النبوية قامت على تولية الأكفأ والأنفع للمسلمين، مستشهداً بتقديم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص لما امتلكاه من خبرة وكفاءة في القيادة والتدبير، مقابل نهي أبي ذر الغفاري رضي الله عنه عن تولي الإمارة، رغم مكانته وفضله، لأن إدارة الشأن العام تقتضي القدرة وحسن السياسة إلى جانب الصلاح.

وأضاف أن التنظيم الإداري تجلى كذلك في نشأة ديوان الإنشاء، حيث أشار القلقشندي إلى أنه أول ديوان عرفه الإسلام، مستنداً إلى مكاتبات النبي صلى الله عليه وسلم لملوك عصره، ورسائله إلى الولاة، وما أبرمه من عهود ومواثيق وصلح وأمان، وهو ما يعكس وجود جهاز إداري منظم لإدارة شؤون الدولة والعلاقات الخارجية.

وفي مجال التخطيط والإدارة، استشهد الدكتور عشاق بالحديث الذي رواه البخاري عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اكتبوا لي من تلفظ بالإسلام من الناس»، فتم إحصاء نحو ألف وخمسمائة رجل، معتبراً أن هذا التوجيه يمثل أول واجب من واجبات التدبير، ويبرز أهمية المعرفة الإحصائية للسكان في حسن إدارة الدولة واتخاذ القرار.

كما توقف عند البعد الدبلوماسي في السيرة النبوية، موضحاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم أولى عناية خاصة بالعلاقات الخارجية، فأرسل الرسل إلى الملوك، وأبرم المعاهدات، واعتمد المترجمين لتيسير التواصل مع مختلف الأمم. واستشهد في هذا الإطار بزيد بن ثابت رضي الله عنه، الذي كان يكتب للملوك ويقوم بالترجمة للنبي صلى الله عليه وسلم بالفارسية والرومية والقبطية والحبشية، بما يعكس وعياً مبكراً بأهمية اللغات والدبلوماسية في إدارة العلاقات الدولية.

وفي الجانب الاقتصادي، أكد الدكتور عشاق أن مؤسسة الوقف تمثل أحد أبرز تجليات التحول من القيمة إلى النظام، واصفاً إياها بـ “القلب النابض للعمران الإسلامي”، لأنها نقلت الصدقة من مبادرة فردية محدودة إلى مؤسسة دائمة تقوم على استدامة النفع العام، وتسهم في تمويل التعليم والرعاية الاجتماعية والمرافق العامة، وتجسد نموذج “الاقتصاد الأخلاقي” الذي يجمع بين التنمية والعدالة الاجتماعية، ويجعل العمل الخيري جزءاً من البناء المؤسسي للمجتمع.

وتناول عشاق فتح مكة باعتباره نموذجاً فريداً في إدارة القوة، موضحاً أن الرسول صلى الله عليه وسلم، رغم امتلاكه أسباب النصر، لم يحول الفتح إلى وسيلة للانتقام، وإنما جعله مدخلاً لإعادة بناء المجتمع.

وقال إن العفو العام يوم الفتح لم يكن مجرد خلق شخصي، بل قراراً تأسيسياً أعاد توجيه القوة من الانتقام إلى بناء المستقبل، وهو ما جعل القوة نفسها جزءاً من النظام الأخلاقي الذي حكم التجربة النبوية.

السيرة… علم لتحويل الهداية إلى عمران

وفي ختام مداخلته، خلص عبد الحميد عشاق إلى أن السيرة النبوية تقدم خمس أسس كبرى للعمران، تتمثل في تحويل القيم إلى نظم، وأسبقية بناء الإنسان، والتلازم بين التزكية والتنظيم، وربط الكفاءة بالمعنى الأخلاقي، ثم استنباط السنن الكلية للتجربة النبوية بدل الاكتفاء باستنساخ صورها التاريخية.

وأكد أن السيرة ليست مجرد معجم للفضائل، بل علم لتحويل الهداية إلى عمران، حيث تتحول العدالة والرحمة والأمانة والتكافل إلى مؤسسات وقواعد تنظم الحكم، والعلاقات الاجتماعية، والاقتصاد، وإدارة المال، واستعمال القوة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى