sliderآراء

الصَّوْلَجَانُ وَالفَضِيلَةُ:  حَتْمِيَّةُ الأَخْلَاقِ فِي عَهْدِ المَلِكِ مُحَمَّدٍ السَّادِسِ (3)- بقلم محمد جلماد

إن الفحص المشترك للمبادرات الداخلية والخارجية يسلط الضوء على انسجام عقدي في السياسة الملكية. ورغم أن الواقعية السياسية والإكراهات الجيوسياسية تفرض أحيانًا اختيارات استراتيجية صارمة، فإن عمل الملك محمد السادس يظهر إرادة مستمرة لتموقع المغرب كدولة-جسر، قادرة على ترجمة القيم الأخلاقية للإسلام والمعايير الكونية لحقوق الإنسان إلى سياسات عمومية ملموسة ومبادرات إغاثة شاملة.

الفصل الخامس: البراغماتية الإنسانية: تنزيل الوازع الأخلاقي في السياسات الوطنية والدولية

إذا كانت الأخلاق تهيكل الفكر السياسي والخطاب لدى صاحب الجلالة الملك محمد السادس – حفظه الله – فإنها تكتسب كامل قوة تأثيرها من خلال الأفعال المباشرة والملموسة، على الصعيدين الوطني والدولي. ويتُرجم هذا الانتقال من الخطاب إلى الممارسة عبر عقيدة ميدانية يمكن وصفها بـ “البراغماتية الإنسانية”.

ويكشف تحليل هذه المبادرات كيف تترجم القيم الكونية للكرامة والتضامن واحترام الغير على أرض الواقع من خلال مشاريع ملكية مباشرة.

أولًا: تجليات الأخلاق الملكية في المغرب

على الصعيد الداخلي، تطبع أعمال العاهل الكريم إرادة راسخة لقطع دابر العمودية التجريدية للسلطة، من أجل إرساء أخلاقيات القرب والإنصاف.

 أخلاقيات القرب والكرامة الاجتماعية:  منذ بداية عهده، جسد جلالة الملك أخلاقيات التضامن من خلال الانخراط الشخصي في إطلاق ومتابعة أعمال “مؤسسة محمد السادس للتضامن”. وليست عملية “مرحبا” السنوية (لاستقبال المغاربة المقيمين بالخارج) والحملة الوطنية للدعم في شهر رمضان مجرد آليات للمساعدة، بل هما منظومتان عقلانيتان تهدفان إلى صون كرامة الفئات المعوزة. وبالمثل، فإن مبادرة إحداث مراكز للشباب في وضعية إعاقة ذهنية (مثل المركز الوطني محمد السادس للمعاقين بسلا) أو فضاءات التجارة التضامنية (الأسواق التضامنية) تعكس أخلاقيات التمكين: أي منح الفرد وسائل تحقيق كرامته ذاتيًا بدلاً من إبقائه في حالة اعتماد واتكال.

ويتيح تحليل مبادرات جلالة الملك محمد السادس، من منظور الأخلاق والقيم الإنسانية الكونية (كالكرامة والتضامن والتسامح والعدالة الاجتماعية)، وضع شبكة قراءة لهذه الحكامة الملكية المهيكلة حول مبادئ كبرى يمكن تعدادها كالآتي:

الكرامة الإنسانية وحقوق المرأة: إصلاح المدونة: على مستوى قيم المساواة والكرامة، يظل العمل الأكثر تميزًا هو إعادة صياغة مدونة الأسرة. فهذا الإصلاح الذي قُدّم عام 2004 (والذي يشكل موضوع توجيهات ملكية جديدة للمراجعة أُطلقت مؤخرًا للتكيف مع تطورات المجتمع)، قد غيّر بشكل عميق الوضع القانوني للمرأة في المغرب برَفَع السن القانوني للزواج إلى 18 سنة، وأخضع التعدد لقيود قضائية صارمة. وفي خطبه السامية، يصيغ جلالة الملك هذا التطور لا كقطيعة، بل كتوفيق أخلاقي: يوازن بين المبادئ الكونية لحقوق الإنسان وقراءة تقدمية مقاصدية للفقه الإسلامي.

التضامن الاجتماعي: الدولة الاجتماعية والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية: تترجم أخلاقيات التضامن ومحاربة الهشاشة من خلال أوراش سوسيو-اقتصادية كبرى، وفي مقدمتها “المبادرة الوطنية للتنمية البشرية” التي أُطلقت عام 2005، والموجهة لمحاربة الفقر متعدد الأبعاد في العالم القروي والأحياء الحضرية الهامشية، فضلاً عن تعميم الحماية الاجتماعية. ومؤخرًا، يندرج تنزيل التغطية الصحية الإجبارية الشاملة والتعويضات العائلية المباشرة في سياق منطق الحق في الصحة والأمن الاقتصادي للجميع، مكرسًا مفهوم “الدولة الاجتماعية” الذي يرد كثيرًا في خطب العرش..

 أخلاقيات الصحة للجميع:  تستحق أهمية المسألة الصحية التفاتة خاصة؛ ففي الرؤية السياسية لجلالة الملك محمد السادس – حفظه الله – لا تُعامل الصحة كمتغير اقتصادي بسيط أو خدمة إدارية، بل كحق إنساني أساسي وغير قابل للتصرف. وتعمل الأخلاق هنا كبوصلة موجهة: تفرض أن يكون كل إصلاح جوهري مدفوعًا بحتميات الكرامة الإنسانية، والعدالة الاجتماعية، والتضامن الوطني.

وتتجسد أخلاقيات المسؤولية والرعاية هذه ميدانيًا من خلال ثلاثة أوراش هيكلية كبرى:

1. تعميم الحماية الاجتماعية: يشكل تنزيل التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لعموم المغاربة المشروع الاجتماعي الأكثر طموحًا في عهد السير الملكي؛ بهدف القطع مع ثنائية نظام كانت فيه جودة العلاج ترتبط بمستوى الدخل. ويجسد تعميم هذا التأمين مفهوم العدالة التوزيعية، ضامنًا ولوج الفئات الهشة تاريخيًا أو العاملة في القطاع غير المهيكل إلى نفس سلة العلاجات التي يستفيد منها أجراء القطاعين العام والخاص.

2. توسيع نظام “تضامن“: بالنسبة لملايين المواطنين الذين كانوا يستفيدون سابقًا من نظام المساعدة الطبية ، تتحمل الدولة أداء اشتراكاتهم. وتكمن الأخلاق هنا في رفض الإحسان العمومي لفائدة إدماج هؤلاء المواطنين في منظومة حقوق كونية وكريمة.

3. تأهيل البنيات التحتية والإنصاف المجالي: تقتضي الأخلاقيات الصحية ألا يحدد مكان ولادة المواطن أو إقامته فرص شفائه. ومن ثم، أعطى جلالة الملك دفعة قوية لإعادة صياغة الخريطة الصحية المغربية من خلال تدشين مراكز استشفائية جامعية جهوية، وتأهيل مستوصفات القرب، ونشر الوحدات الطبية المتنقلة المرتبطة بالأقمار الاصطناعية، بما يضمن حدًا أدنى من الكرامة الصحية في كل مكان من التراب الوطني 1.

  التسامح والتعددية الثقافية:  بصفته أميرًا للمؤمنين، يتجلى الموقف الأخلاقي لجلالة الملك بقوة في حرية العبادات والتعايش بين الأديان. وقد كرس دستور 2011 الهوية المغربية المتعددة الروافد، ذاكرًا صراحة مكوناتها العربية الإسلامية، والأمازيغية، والصحراوية الحسانية، وروافدها الإفريقية، والأندلسية، والعبرية، والمتوسطية. وتدين الخطب الملكية (مثل خطاب مراكش التاريخي عام 2016 حول حقوق الأقليات الدينية في العالم الإسلامي) التطرف بشكل نسقي. وتشمل المبادرات الملموسة ضمان حرية ممارسة العبادة لأتباع الديانات السماوية الثلاث، المسلمين والمسيحيين واليهود، وإعادة تأهيل التراث اليهودي المغربي (البيع والمقابر)، وإحداث معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات، الذي يروج لإسلام الوسطية والاعتدال.

الإيثار والمسؤولية الشاملة:  تترجم هذه المبادئ على مستوى سياسة الهجرة والمناخ. فخارج الحدود الوطنية، يبرز محوران الانخراط في القيم الكونية؛ ففي عام 2013، أحدث المغرب تحولاً جذريًا بإطلاق سياسة وطنية للهجرة واللجوء، مكنت من تسوية وضعية عشرات الآلاف من المهاجرين من جنوب الصحراء. وكثيرًا ما أدان جلالة الملك، لا سيما خلال قمم الاتحاد الإفريقي، المقاربات الأمنية الصرفة للمهجر، داعيًا إلى مقاربة إنسانية. ومن جهة أخرى، وعبر مشاريع ضخمة مثل مجمع “نور” للطاقة الشمسية بورزازات واستراتيجية طموحة للانتقال نحو الطاقات المتجددة، تربط خطب المغرب في قمم المناخ المتتالية بين العدالة المناخية والحق في التنمية لدول الجنوب.

 التدبير الأخلاقي للأزمات الكبرى:  يظهر التفاعل الأخلاقي بجلاء في لحظات الأزمات؛ ويوضح ذلك مثالان حديثان:

    جائحة كوفيد-19: كان المغرب من أوائل دول الجنوب التي أقرت حجرًا صحيًا صارمًا، مع إحداث صندوق خاص لتدبير الجائحة فورًا بناءً على تعليمات ملكية، مول مساعدات مباشرة للعاملين في القطاع غير المهيكل. ولقد سادت هنا أخلاقيات حماية الحياة على حساب العقائد الميزانياتية.  

زلزال الحوز (2023): أظهر حضور جلالة الملك في الميدان، والنشر الفوري للقوات المسلحة الملكية للإغاثة، ووضع برنامج استعجالي لإعادة إعمار المساكن المدمرة، أخلاقيات المسؤولية المباشرة في مواجهة محن المواطنين.

ثانيًا: على الصعيد الدولي: دبلوماسية التضامن الفاعل

في الخارج، تمتاز الدبلوماسية المغربية التي يقودها جلالة الملك محمد السادس – نصره الله – بمفهوم “التضامن الفاعل”، رافضة رهن المساعدات الإنسانية بمقابل سياسي مباشر. وبعيدًا عن كونها مجرد أداة نفوذ جيوسياسي، تروم هذه المقاربة تقديم التعبير الملموس عن القيم الكونية (قدسية الحياة، الكرامة الإنسانية، الأخوة) في مواجهة أزمات العيش، أو النزاعات المسلحة، أو الكوارث الطبيعية.

أ- نشر المستشفيات الميدانية للقوات المسلحة الملكية:

يتجلى التعبير الأسمى للأخلاق الإنسانية المغربية في المستشفيات الطبية-الجراحية الميدانية للقوات المسلحة الملكية، التي تُنشر بقرار ملكي في مناطق النزاع أو الكوارث الطبيعية. وسواء في مخيم “الزعتري” بالأردن لعلاج اللاجئين السوريين، أو في النيجر، ومالي، وجنوب السودان، وبيروت عقب انفجار المرفأ، تقدم هذه البنيات ملايين الخدمات الطبية المجانية، مجسدة أخلاقيات الأخوة الإنسانية الكونية.

ب- الالتزام الراسخ تجاه القضية الفلسطينية:

بصفته رئيسًا للجنة القدس، تتجاوز أعمال جلالة الملك إعلانات المبادئ؛ فمن خلال وكالة بيت مال القدس الشريف، يمول المغرب بشكل موصول المدارس والمستشفيات وبرامج السكن لدعم صمود سكان المدينة المقدسة. وخلال الأزمات الإنسانية الحادة في غزة، يأمر جلالة الملك بانتظام بنشر مساعدات طبية وغذائية مكثفة (تُنقل عبر مسارات برية غير مسبوقة)، مؤكدًا أن أخلاقيات إغاثة المدنيين يجب أن تتعالى على العوائق الجيوسياسية.

ج- التنمية المشتركة في إفريقيا جنوب الصحراء:.

تستند السياسة الإفريقية للمغرب، المكللة بعشرات الجولات الملكية، إلى رفض منطق الهيمنة والنفعية الضيقة. ويتجسد هذا المنحى الأخلاقي للشراكة المنصفة في إلغاء ديون الدول الإفريقية الأقل نموًا في مطلع الألفية، ومنح آلاف المنح الدراسية للأطر الإفريقية، وتقاسم الخبرات الزراعية (لا سيما عبر مجموعة المكتب الشريف للفوسفاط لضمان الأمن الغذائي للقارة). وقد تجسد تضامن المملكة مع دول القارة بشكل جلي خلال جائحة كوفيد-19؛ حيث أمر جلالة الملك بإقامة جسور جوية لإرسال معدات طبية وأدوية صُنعت في المغرب إلى أكثر من عشرين بلدًا إفريقيًا شقيقًا، في وقت كان فيه الشمال يحتكر أنانيًا موارده الخاصة.

ومن جهة أخرى، يقود المغرب تحت الحافز الملكي، ومن خلال مجموعة  المكتب الشريف للفوسفاط سياسة لتزويد وإهداء الأسمدة الملاءمة للتربة الإفريقية (لا سيما في إثيوبيا، ونيجيريا، وكينيا، وغانا). وتكتسي الغاية الإنسانية هنا طابعًا هيكليًا: مساعدة القارة على الانعتاق من التبعية للمساعدات الغذائية الدولية عبر تأمين إنتاجها المعيشي الذاتي.

وفي إفريقيا دائمًا، وفيما يتعلق بأخلاقيات الكرامة الإنسانية، وبينما تشهد أوروبا وحوض المتوسط أزمة هجرة كبرى تطبعها مقاربات أمنية وإغلاق الحدود، أحدث المغرب تحولاً أخلاقيًا كبيرًا بتوجيه مباشر من جلالة الملك؛ إذ أطلق جلالته سياسة وطنية للهجرة واللجوء جديدة كليًا، مكنت خلال سنتي 2013-2014 من التسوية الإدارية لوضعية عشرات الآلاف من المهاجرين غير النظاميين، المنحدرين أساسًا من إفريقيا جنوب الصحراء. وخلال قمم الاتحاد الإفريقي – حيث يُعتبر جلالته رائدًا في قضايا الهجرة – أدانت الخطب الملكية نسقيًا تجريم المهاجرين، داعية إلى ربط تدبير تدفقات الهجرة العالمية باحترام الحقوق الأساسية والكرامة، محولة المغرب من مجرد بلد عبور إلى أرض استقبال وضيافة.

د- تعزيز الحوار بين الثقافات في أوروبا، صيانة الذاكرة وتدبير الكوارث:

رغم أن العلاقات مع أوروبا تظل اقتصادية وأمنية بالأساس، فإن عمل جلالة الملك محمد السادس – نصره الله – يضفي عليها بُعدًا إنسانيًا قويًا يرتكز على التعددية الروحية، وكرامة الجالية، ورعاية حسن الجوار.

إشاعة إسلام إنساني ووسطي:  في مواجهة تصاعد التوترات الهوياتية والتطرف في أوروبا، يحرص العمل الملكي على تفكيك خطاب الكراهية عبر مساهمة المملكة في تكوين الأطر الدينية. وبالفعل، يستقبل “معهد محمد السادس لتكوين الأئمة المرشدين والمرشدات” عشرات الوعاظ والمرشدات الوافدين من أوروبا (لا سيما فرنسا وإسبانيا)، ويركز البرنامج على الملاءمة بين ممارسة العقيدة الإسلامية والقيم الكونية للمواطنة، والتعايش، وحقوق الإنسان.

 أخلاقيات الذاكرة والتعددية الثقافية:  أطلق جلالة الملك ودعم ماليًا مشاريع هامة للذاكرة الثقافية في أوروبا والمغرب، بهدف تثمين الرافد العبري للهوية المغربية. وتبرز الخطب والرعاية الملكية في تظاهرات بباريس وبروكسل ولشبونة بشكل نسقي أخلاقيات الغيرية والحماية التاريخية التي حظي بها المواطنون من الطائفة اليهودية تحت رعاية السلطنة المغربية (لا سيما في مواجهة نظام فيشي).

التعاون والتآزر الجواري خلال الكوارث الطبيعية:  في مناسبات متعددة، وخلال موجات الجفاف الحاد التي تسببت في حرائق ضخمة بشبه الجزيرة الإيبيرية، سخر المغرب بأمر ملكي طائراته لإخماد النيران لتقديم يد العون لفرق الإغاثة الإسبانية والبرتغالية. ويكرس هذا العمل أخلاقيات المسؤولية البيئية والتضامن المجالي العابر للقارات.

إن الفحص المشترك للمبادرات الداخلية والخارجية يسلط الضوء على انسجام عقدي في السياسة الملكية. ورغم أن الواقعية السياسية والإكراهات الجيوسياسية تفرض أحيانًا اختيارات استراتيجية صارمة، فإن عمل جلالة الملك محمد السادس – حفظه الله – يظهر إرادة مستمرة لتموقع المغرب كدولة-جسر، قادرة على ترجمة القيم الأخلاقية للإسلام والمعايير الكونية لحقوق الإنسان إلى سياسات عمومية ملموسة ومبادرات إغاثة شاملة. وبذلك، يضع جلالة الملك المغرب لا كمتفرج في النظام الدولي، بل كفاعل-جسر تتركز دبلوماسيته على تخفيف المعاناة الإنسانية، دون تمييز عِرقي أو ديني أو جغرافي.

  المساهمة في إعادة إعمار كاتدرائية نوتردام دي باري:  تشكل المساعدة التي قدمها جلالة الملك محمد السادس – نصره الله – لإعادة إعمار كاتدرائية نوتردام بباريس، إثر الحريق المهول في 15 أبريل 2019، نموذجًا بارزًا لدبلوماسيته الروحية والإنسانية.

ويمتاز هذا العمل القوي ببعده الرمزي، حيث يندرج في الاستمرارية المباشرة لدور العاهل الكريم كأمير للمؤمنين ورؤيته للحوار بين الأديان. وفور وقوع الكارثة، حرص جلالة الملك على أن يساهم المغرب ملموسًا في زحم التضامن الدولي؛ وهكذا، في 18 أبريل 2019 (أي بعد ثلاثة أيام فقط من الحريق)، تباحث سفير المغرب بفرنسا آنذاك، شكيب بنموسى، مباشرة مع رئيس أساقفة باريس، المونسنيور ميشيل أوبيتيت، وأبلغه بقرار المملكة تقديم مساهمة مالية مخصصة لإعادة إعمار الكاتدرائية، بناءً على التعليمات الملكية السامية.

وإلى جانب الدعم المادي، نقل الدبلوماسي المغربي رسائل المؤازرة والمواساة والأخوة من جلالة الملك باسم الشعب المغربي كافة، إزاء تضرر هذه التحفة الفنية القوطية التي تعد رمزًا لتاريخ فرنسا ومحجًا روحيًا للملايين عبر العالم.

وبالنسبة للمراقبين والسلطات الدينية، تكتسي هذه المساهمة المغربية أبعادًا أخلاقية جوهرية:

 1. ضمان حماية دور العبادة:  بصفتة أميرًا للمؤمنين، لا ينظر جلالة الملك محمد السادس إلى رسالته الروحية كأمر مقتصر على الأمة الإسلامية فحسب؛ بل تذكر هذه الالتفاتة بالالتزام الأخلاقي المشترك بين الديانات التوحيدية الكبرى لاحترام وصيانة التراث المقدس للإنسانية جمعاء، مهما كانت هويته المذهبية.

 2. مواكبة استمرارية زيارة البابا فرنسيس (2019): جاء هذا الزخم بعد أسابيع قليلة من الزيارة التاريخية للبابا فرنسيس للمغرب (مارس 2019) بدعوة من جلالة الملك. وخلال عبارات الشكر التي صاغها رئيس أساقفة باريس، ربط هذا الأخير صراحة بين الهبة الملكية ونجاح تلك الزيارة البابوية، واصفًا إياها بالرمز القوي للروابط الأخوية القائمة بين المغرب وفرنسا، وبين المسلمين والمسيحيين.

 3. تكريس الوفاء بالتبادل الثقافي:  في مصادفة رمزية، أعلن المغرب في الأسبوع نفسه عن مساهمة مالية وتقنية (عبر إيفاد صناع تقليديين ومهندسين معماريين) لترميم فضاءات بالمسجد الأقصى بالقدس الشريف؛ وهي مبادرات متزامنة تجسد رؤية شاملة لإنقاذ التراث العالمي.

وخلال الحفل الرسمي لإعادة فتح الكاتدرائية في دجنبر 2024، مَثَّل صاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد جلالة الملك في باريس. وجسد حضور سموه في الفناء، حيث استقبله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى جانب العشرات من رؤساء الدول، استمرارية الصداقة العريقة بين المغرب وفرنسا والاحترام العميق الذي يكنه المغرب للذاكرة والهوية الثقافية الفرنسية.

الفصل السادس: أخلاقيات العفو والإنصاف: العفو الملكي كتركيب وتكامل بين صرامة القانون والرحمة الروحية

إن مبادرة العفو الملكي، التي تُمنح بشكل راتب ومستمر بمناسبة الأعياد الدينية (عيد الفطر، عيد الأضحى، المولد النبوي الشريف) والوطنية (عيد العرش، ثورة الملك والشعب، عيد الاستقلال)، لتشكل تجسيدًا بارزًا للأخلاقيات التطبيقية في عمق ممارسة السلطة داخل الملكية المغربية.

فأبعد من كون العفو مجرد اختصاص دستوري أصيل (كرسه الفصل 58 من الدستور)، فإن هذا العمل يجسد تركيبًا حيًا وتكاملاً بين العدالة القانونية، والرحمة الروحية، والغاية الأسمى المتمثلة في إعادة الإدماج الاجتماعي.

  الأبعاد المفاهيمية والروحية للعفو:

   يستمد العفو الملكي مشروعيتة من مرجعية أخلاقية مزدوجة تطبع المبادرة السامية لجلالة الملك:

   فمن جهة، هناك البُعد الروحي أو أخلاقيات الرحمة والصفح*؛ فبصفته أميرًا للمؤمنين، يفعل جلالة الملك خاصية أساسية من خصائص الحكامة الإسلامية، وهي التوازن بين صرامة القانون وإقامة العدل من جهة، وسمو الرحمة والعفو من جهة أخرى. فالعفو لا يأتي ليعارض المؤسسة القضائية، بل ليضفي عليها بُعدًا إنسانيًا؛ يذكر بأن العقوبة ليست غاية في ذاتها، وإنما هي وسيلة للإصلاح والتهذيب، ومتى ما أنتجت أثرها المتوخى، أمكنها أن تتنحى لتفسح المجال للصفح والغفران.

   ومن جهة ثانية، هناك البُعد الزمني الذي ينطوي على تجديد العهد الوطني؛ إذ إن الارتباط النسقي للعفو بالأعياد الوطنية والدينية ليس وليد الصدفة، فهذه المحطات ترمز لتماسك الأمة والتحامها. ومن خلال تمديد الرعاية الملكية والرحمة لتشمل السجناء خلال هذه الاحتفالات، يتيح جلالة الملك لهؤلاء مشاطرة الفرحة الجماعية واستعادة كرامتهم كمواطنين. فهو عمل من أعمال المصالحة يُعيد إدماج الفرد الهامشي في الجسد الاجتماعي.

 تطبيقات ملموسة أو الأوجه المتعددة لأخلاقيات العفو:

   يكشف تحليل لوائح العفو الملكي المتتالية عن أن المستفيدين يتم استهدافهم بناءً على منطق أخلاقي قوامه الإنصاف، ومراعاة الهشاشة، وتوفير فرص المستقبل.

أخلاقيات مراعاة الهشاشة: النساء، الأحداث، والسجناء المرضى:

تمنح معايير الاستفادة من العفو الملكي أولوية ثابتة للفئات الأكثر هشاشة داخل الفضاء السجني؛ حيث تستفيد بانتظام النساء الحوامل أو اللواتي يتحملن مسؤولية أطفال، والأحداث، والمسنون، أو الأشخاص المصابون بأمراض مستعصية وثقيلة، من تدابير العفو الكلي أو المماثلة في تخفيض العقوبة. وهنا، يرجح الوازع الإنساني على الحسابات الصارمة للمدد السجنية.

أخلاقيات الفرصة الثانية: الطلبة والسجناء المستحقون:.

يكافئ العفو الملكي في أحايين كثيرة السجناء الذين أبانوا عن سلوك نموذجى وانخرطوا بجدية في برامج التكوين أو محو الأمية التي تشرف عليها المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج . فمن خلال الإفراج عن سجين حصل على شهادة البكالوريا أو شهادة جامعية داخل زنزانته، يزكي العمل الملكي السامي جهود التقويم والإصلاح، محولاً السجن إلى فضاء للانتقال الأخلاقي والعبور نحو الاستقامة.

أخلاقيات الانفراج والتهدئة: العفو عن السجناء لاعتبارات سياسية أو مجتمعية:

في مناسبات متعددة، وبمناسبة الأعياد الوطنية الكبرى، شمل العفو الملكي أشخاصًا محكومين في سياق حركات اجتماعية، أو صحفيين ومثقفين. ويندرج هذا الاستعمال للعفو في إطار أخلاقيات التهدئة والتوافق السياسي؛ حيث يمارس الساهر الكريم حقه الأسمى في التحكيم لطي صفحات التوتر وتحصين السلم الأهلي.

وفي الختام، إن العفو الملكي لا يضعف سلطة الدولة بأي حال من الأحوال، بل يرسخها في مشروعية أسمى: مشروعية سلطة عادلة متبصرة حين تعاقب، لكنها تتسامى وتبلغ أوج رفعتها حين تعفو وتصفح.

محمد جلماد – دكتور في القانون العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى