
تسعى هذه المقالة إلى دراسة النشأة الدينية والتنظيم السياسي الإداري والأسس الاقتصادية والإشعاع الفكري لهاتين الإمبراطوريتين، قبل تحليل آليات أفول كل منهما، واقتراح قراءة مقارنة، في ضوء الإطار النظري الذي وضعه ابن خلدون، للديناميكية الدورية التي حكمت صعودهما ثم انهيارهما. وسنسعى في الختام إلى إثبات أن المرابطين والموحدين لم يكونا مجرد قوسين سلاليين عابرين، بل كانا أداتين لدمج مبكر لشمال إفريقيا وغرب إفريقيا في منظومة تبادل عابرة للقارات، استبقت إلى حد بعيد أشكال العولمة الاقتصادية والدينية اللاحقة.

مقدمة
طالما أخضعت الكتابة التاريخية المتعلقة بالمغرب العربي في العصر الوسيط دراسةَ السلالات الأمازيغية لأطر تفسيرية مستعارة من تاريخ إسبانيا الإسلامية أو من العالم العربي المشرقي، فاختزلت المرابطين (القرنان الحادي عشر والثاني عشر) والموحدين (القرنان الثاني عشر والثالث عشر) في مجرد قوة عسكرية مساعدة هبّت لنجدة الأندلس المهددة. غير أن الكتابة التاريخية الأحدث، وعلى رأسها أعمال بوريزي وغويرغات (Buresi & Ghouirgate, 2021)، تدعو على العكس إلى اعتبار هاتين السلالتين مشروعين إمبراطوريين قائمين بذاتهما، وُلدا في الفضاء الصحراوي الأطلسي وقادرين، كلٌّ في دوره، على إعادة تشكيل التوازنات السياسية والدينية والاقتصادية لمجال يمتد من المحيط الأطلسي إلى طرابلس، ومن الساحل الإفريقي إلى شبه الجزيرة الأيبيرية.
تسعى هذه المقالة إلى دراسة النشأة الدينية والتنظيم السياسي الإداري والأسس الاقتصادية والإشعاع الفكري لهاتين الإمبراطوريتين، قبل تحليل آليات أفول كل منهما، واقتراح قراءة مقارنة، في ضوء الإطار النظري الذي وضعه ابن خلدون، للديناميكية الدورية التي حكمت صعودهما ثم انهيارهما. وسنسعى في الختام إلى إثبات أن المرابطين والموحدين لم يكونا مجرد قوسين سلاليين عابرين، بل كانا أداتين لدمج مبكر لشمال إفريقيا وغرب إفريقيا في منظومة تبادل عابرة للقارات، استبقت إلى حد بعيد أشكال العولمة الاقتصادية والدينية اللاحقة.
ويزداد مبرر هذا المنهج المقارن حين نلاحظ أن السلالتين، وإن فصل بينهما أقل من قرن واختلفتا في جوانب عقدية جوهرية، تُظهران تماثلات بنيوية لافتة: نشأة هامشية انطلاقًا من حركة إصلاح ديني حملتها قبائل جبلية أو صحراوية، وتشكّل تماسك جماعي قادر على إسقاط سلطة قائمة، ثم تحوّل تدريجي لهذا التماسك إلى جهاز دولة مركزي، فتفكك هذا التماسك ذاته تحت وطأة الاستقرار الحضري والتنافسات الداخلية. وهذا التماثل البنيوي بالذات هو ما يدعو إلى توظيف الإطار النظري الذي صاغه ابن خلدون بعد سقوط الموحدين بقرن ونصف، ما دام هذا الأخير قد اتخذ من السلالات البربرية بالمغرب الوسيط موضوعًا مفضلًا لدراسته.
1. الصحراء بوصفها مصهرًا سياسيًا: نشأة الحركة المرابطية
خلافًا لتصوّر لا يزال شائعًا يجعل من الصحراء مجرد منطقة عازلة بين المغرب وإفريقيا جنوب الصحراء، شكّل هذا الفضاء، منذ العصر الوسيط المبكر، متصلًا اقتصاديًا واجتماعيًا واسعًا تنظّمه شبكات القوافل الرابطة بين مناطق الذهب السودانية والمدن التجارية في شمال إفريقيا. وفي قلب هذا المتصل، وتحديدًا داخل الحلف الصنهاجي الذي يضم قبائل لمتونة وجدالة ومسوفة، نشأت في القرن الحادي عشر الحركة المرابطية، التي تسميها المصادر العربية بـ”المرابطين”، أي الذين اعتزلوا في رباط لينصرفوا إلى التعبد والإعداد العسكري (Messier, 2010). ويؤكد ميسييه (Messier, 2010) أن هذه الحركة لا يمكن اختزالها في مجرد تمرد قَبَلي: فهي مشروع إصلاح ديني حملَه وعيٌ حادّ بضرورة تطهير الممارسات الإسلامية المحلية التي كانت، في نظر روادها، مثقلة بأعراف ما قبل الإسلام.
وكان لدور المصلح عبد الله بن ياسين في هذا المسعى أثر حاسم. فقد تلقى بن ياسين تكوينًا في الفقه المالكي، وشرع، عقب عودته من الصحراء الغربية، في دعوة صارمة تدعو قبائل صنهاجة إلى العودة الحرفية إلى نص القرآن والسنة. ويبيّن تحليل ميسييه (Messier, 2010)، في دراسة صارت كلاسيكية، أن مفهوم الجهاد الذي وظّفه بن ياسين وخلفاؤه شهد، طوال تاريخ الدولة المرابطية، تطورًا دلاليًا مرّ بعدة مراحل: فقد كان الجهاد يُفهم أولًا على أنه سعي إلى الاستقامة الشخصية، ثم غدا حربًا على سكان الصحراء الذين اعتُبروا وثنيين، ثم حملة على مسلمي المغرب “المنحرفين”، وبخاصة في سجلماسة، قبل أن يتحول، عند التدخل في الأندلس، إلى حرب مقدسة ضد الممالك المسيحية الإيبيرية. ويشهد هذا التحول على المرونة الأيديولوجية للحركة المرابطية، القادرة على تكييف خطابها التبريري بحسب السياقات المتعاقبة لتوسعها.
ويتمثل أحد أبرز إسهامات هذه المرحلة التأسيسية في تحويل ائتلاف قَبَلي مفكك إلى بنية سياسية عسكرية منضبطة. فالرباط، بعيدًا عن كونه مجرد خلوة روحية، كان يعمل كبوتقة تنصهر فيها تضامنات جديدة تتجاوز الانقسامات القَبَلية التقليدية — وهي آلية يمكن، استباقًا، تقريبها من مفهوم “العصبية” الخلدوني، ذلك التماسك الجماعي الذي يجعله ابن خلدون المحرّك الأساسي لنشوء الدول في مجتمعات المغرب (Martinez-Gros, 2006). وهذا التماسك المتشكل حديثًا هو ما سيمكّن المرابطين من تجاوز الإطار الصحراوي الصرف لحركتهم والانطلاق نحو الشمال.
ولا يزال التحديد الدقيق لموقع الرباط التأسيسي موضع نقاش تاريخي، ذلك أن المصادر المرابطية نفسها، وقد كُتبت لاحقًا تحت تأثير السردية السلالية الرسمية، تميل إلى إضفاء طابع أسطوري على أصول الحركة وفق نمط مستوحى من الهجرة النبوية. وتتكرر ظاهرة إعادة البناء السردي هذه، بعد بضعة عقود، في الذاكرة الموحدية: فقد بيّن فرومهرز (Fromherz, 2005)، بخصوص كهف ابن تومرت بإيغلي، أن الطوبوغرافيا المقدسة المرتبطة بأصول الحركة الموحدية تستجيب أقل لدقة جغرافية منها لضرورة تبريرية دينية، إذ كان مؤرخو الموحدين الحاجيوغرافيون يسعون إلى مطابقة مسار مؤسسهم بمسار النبي. وتدعو هذه الملاحظة إلى قراءة نقدية للمصادر السلالية، التي لا يمكن اعتبارها روايات محايدة للأحداث، بل ينبغي فهمها كأدوات لبناء أيديولوجي في خدمة السلطة القائمة.
ويستحق اختيار المذهب المالكي مرجعًا فقهيًا حصريًا أن يُعاد وضعه في سياقه الأوسع، سياق مغرب القرن الحادي عشر، حيث كانت لا تزال تتعايش، بشكل متبقٍّ، تيارات إباضية خارجية في بعض المناطق الجبلية والصحراوية، إلى جانب ممارسات دينية توفيقية موروثة من طبقات ما قبل الإسلام. وبفرض أرثوذكسية مالكية موحدة على كامل أراضيهم، لم يكتفِ المرابطون إذن بإصلاح الأخلاق، بل قاموا بعملية توحيد ديني حقيقي لمغرب أقصى، تفسّر بصمتها الدائمة هيمنة المذهب المالكي في المغرب والجزائر وتونس المعاصرة.
2. يوسف بن تاشفين وبناء الإمبراطورية المرابطية
مثّلت قيادة يوسف بن تاشفين نقطة التحول التي جعلت الحركة المرابطية تنتقل من مشروع إصلاح ديني إلى مشروع إمبراطوري متكامل. وقد غدت مراكش، التي تأسست نحو سنة 1070، بسرعة مركزًا عصبيًا للدولة الجديدة، وهو خيار جغرافي استراتيجي يتيح التحكم في آن واحد في المنافذ الأطلسية وممرات الأطلس وطرق الصحراء (Abitbol, 2014). ويُظهر أبيتبول (Abitbol, 2014) كيف أن توحيد المغرب وضم غرب الجزائر والسيطرة على المحاور الرئيسية العابرة للصحراء حوّلت، في غضون بضعة عقود، حركة اتحادية إلى دولة إقليمية متماسكة، ذات عاصمة وإدارة وجيش دائم.
ويشكّل التدخل المرابطي في الأندلس، الذي طلبه أمراء ممالك الطوائف المهددة بتقدم الممالك المسيحية في شمال شبه الجزيرة، لحظة مفصلية في هذا التاريخ الإمبراطوري. وتجمع الكتابة التاريخية على تقديم الانتصار الذي حققه يوسف بن تاشفين في الزلاقة سنة 1086 على قوات ألفونسو السادس ملك قشتالة باعتباره أحد المنعطفات العسكرية الكبرى في تاريخ الغرب الإسلامي الوسيط (Histoire-pour-tous, s.d.). ولم تكتفِ هذه المعركة بإيقاف الزحف القشتالي، بل أخّرت لعقود عدة ما ستسميه الكتابة التاريخية الإسبانية لاحقًا “الاسترداد” (Reconquista). غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن أهمية هذا الانتصار لا تقتصر على عملية إنقاذ ظرفية: فسرعان ما تحول التدخل المرابطي إلى ضم مباشر لممالك الطوائف الأندلسية، التي عُزل حكامها تدريجيًا، لاعتبارهم شديدي التواطؤ مع القوى المسيحية وبعيدين عن الأرثوذكسية المالكية، وذلك لصالح إدارة تابعة مباشرة لمراكش.
وقد أحدث هذا الضم تحولًا جذريًا في جغرافيا السلطة المرابطية، التي غدت، بحكم الواقع، إمبراطورية ثنائية القارة تُحكم من عاصمة شمال إفريقية، وهو وضع لم يكن له سابق في تاريخ الغرب الإسلامي حتى ذاك الحين. وظلّ الولاة المعينون في المدن الأندلسية الكبرى — إشبيلية وغرناطة وقرطبة — تابعين من حيث المبدأ لسلطة مراكش، لكن المسافة الجغرافية والخصوصيات المحلية الأندلسية، الموروثة عن عدة قرون من الاستقلال الأموي ثم استقلال الطوائف، حدّت بنيويًا من المدى الفعلي لهذا التمركز. ويشير أبيتبول (Abitbol, 2014) في هذا الصدد إلى أن أحد مفارقات السيطرة المرابطية بالأندلس يكمن في أن السادة الجدد، القادمين من عالم صحراوي ريفي إلى حد بعيد وقليل التحضر، وجدوا أنفسهم على رأس مدن هي من أرقى مدن حوض المتوسط في العصر الوسيط، وهذا التفاوت الثقافي غذّى، على مر العقود، استياءً متزايدًا لدى النخب الأندلسية المثقفة تجاه ما اعتبرته إدارة خشنة وغريبة عن أعرافها الحضرية.
3. الركائز البنيوية للقوة المرابطية
تقوم متانة الصرح المرابطي على تضافر عدة ديناميكيات متكاملة تكاد الكتابة التاريخية الحديثة تُجمع على عزلها. الركيزة الأولى دينية وفقهية: إذ تستند السلطة المرابطية بشكل منهجي إلى علماء المذهب المالكي، الذين تشكّل موافقتهم شرط شرعية الحاكم. ويمنح هذا التحالف بين السلطة السياسية وهيئة العلماء المالكيين الدولةَ المرابطية أساسًا أيديولوجيًا متينًا، غير أنه يحدد أيضًا، كما سيتضح لاحقًا، حدودها: فبتفضيل صرامة فقهية على حساب أي تأمل كلامي، تعرّض النظام المرابطي نفسه لانتقاد من سيأخذ عليه، كابن تومرت، شكلانيةً خاوية من الجوهر الروحي.
أما الركيزة الثانية فاقتصادية. فالسيطرة على طرق الذهب الرابطة بين مملكتَي غانة وتكرور السودانيتين ومراكز التبادل بالمغرب تمثّل موردًا حاسمًا لتمويل الجهاز العسكري والإداري المرابطي. وقد وثّقت الأبحاث الأثرية المنجزة بموقع سجلماسة، وهي المحطة الشمالية لطريق الذهب ونقطة الوصل بالعالم المتوسطي، الطريقةَ التي أعاد بها المرابطون تنظيم هذه التجارة العابرة للصحراء وتكثيفها، مع إعادة توجيه بعض المسارات نحو مناطق أكثر خضوعًا لسيطرتهم المباشرة (Metropolitan Museum of Art, s.d.). وتذكّر دراسة متحف متروبوليتان للفنون المخصصة لتجارة الذهب العابرة للصحراء بأن التجار العرب العاملين، منذ القرن الثامن، انطلاقًا من مدن كسجلماسة كانوا يشترون الذهب من السكان البربر، مموّلين بذلك تدفقًا قافليًا سنويًا يربط اقتصادات البحر المتوسط، التي كانت تعاني عجزًا بنيويًا في الذهب، باقتصادات السودان الغربي التي كانت تتوفر عليه بوفرة (Metropolitan Museum of Art, s.d.). ولم يقتصر نفع اقتصاد الذهب هذا على الدولة المرابطية وحدها: فقد أسهم أيضًا في نشر الإسلام تدريجيًا داخل مجتمعات الساحل، إذ كانت الشبكات التجارية وسيلة لترسيخ الدين قبل أي غزو عسكري.
أما الركيزة الثالثة فعسكرية: فالجيش المرابطي، المكوَّن من فِرَق صحراوية مطبوعة بأساليب القتال الخاصة بالمناطق القاحلة، إضافة إلى فِرَق أندلسية ومغربية أُدمجت مع توالي الفتوحات، يضمن حماية حدود متسعة للغاية، من أطراف الصحراء إلى ثغور الأندلس. وأما الركيزة الرابعة فإدارية: فرغم أن الدولة المرابطية لم تبلغ قط درجة المركزية التي ستتسم بها الإمبراطورية الموحدية، فقد طوّرت مؤسسات قادرة على تدبير، ولو بصعوبة، إقليم بمساحة لم يسبق لسلالة صحراوية المنشأ أن حكمته.
وتضاف إلى هذه الركائز الأربع أبعادٌ ثقافية وأدبية أهملتها الكتابة التاريخية التي تُغلّب الجوانب العسكرية والدينية للسيطرة المرابطية. فالأبحاث المخصصة للشعر البلاطي بفاس في العهدين المرابطي والموحدي — وهو حقل درسه منذ النصف الأول من القرن العشرين مستشرقون فرنسيون اشتغلوا على المصادر العربية المغربية المنشورة في مجلة “هسبيريس” — تُظهر أن الحقبة المرابطية، رغم الصورة الصارمة التي تُلصق عادةً بهذه السلالة، شهدت ازدهارًا ملحوظًا في إنتاج الشعر البلاطي، عزّزه تدفق الأدباء الأندلسيين على مراكش وإشبيلية هربًا من عدم الاستقرار السياسي في ممالك الطوائف. وهذا التداخل بين النخب المثقفة الأندلسية والمغربية، الذي بدأ في العهد المرابطي، يمهّد بذلك للانصهار الفكري الأكثر كثافة الذي ستعرفه الإمبراطورية الموحدية، والذي سيحمل، كما سنرى، مسيرة مفكر من طينة ابن رشد.
4. الهشاشة الداخلية والنقد الديني: نشأة الحركة الموحدية
كل بناء إمبراطوري يحمل في طياته بذور مساءلته الذاتية، ولم تشذّ الإمبراطورية المرابطية عن هذه القاعدة. ففي مطلع القرن الثاني عشر، تضافرت عدة عوامل لإضعاف الصرح: إثراء النخبة الحاكمة، الذي اعتبره جزء من الرأي الديني ابتعادًا عن المثال الزهدي التأسيسي؛ وتعقّد البنية البيروقراطية للإدارة؛ وقبل كل ذلك، ظهور حركة احتجاج ديني جديدة، في جبال الأطلس الكبير، حملها محمد بن تومرت.
فبعد أن تلقى تكوينًا في المشرق في أوساط التيارات الكلامية الأشعرية، وتأثر بفكر الغزالي، عاد ابن تومرت إلى المغرب نحو 1117-1120 حاملًا عقيدة تتمحور حول التأكيد المطلق على وحدانية الله، أي التوحيد، ومنه اشتُقّ اسم الحركة الموحدية ذاته، “الموحّدون”، أي الذين يعلنون وحدانية الله (Encyclopédie Universalis, s.d.-a). وقد أثبت فليتشر (Fletcher, 1991)، في دراسة صارت كلاسيكية، أن خصوصية اللاهوت الموحدي تكمن بالضبط في اعتماده المنهجي على المنطق العقلي لتأسيس الحقائق الدينية، وهو ما يميّزه بوضوح عن الحرفية الفقهية المالكية السائدة في العهد المرابطي. وهذا اللاهوت القائم على البرهان العقلي يتيح لابن تومرت أن يطوّر نقدًا مباشرًا للنظام المرابطي، الذي يتهمه بالانزلاق إلى التقليد، أي المحاكاة العمياء للآراء الفقهية الراسخة، على حساب علاقة مباشرة ونقدية بالمصادر النصية (Grokipedia, s.d.). وبحسب هذا النقد، فإن اعتماد علماء المالكية على مدونات كـ”المدونة” لسحنون قد جمّد الفكر الديني في شكلانية عقيمة، عاجزة عن استعادة حيوية التوحيد الأصلي.
وقد أبرز كورنيل (Cornell, 1987) من جهته البعد الأخلاقي لعقيدة ابن تومرت، التي تربط بإحكام بين المسؤولية الفردية للمؤمن والفعل الجماعي للأمة، جاعلةً من الالتزام الديني شرطًا مسبقًا لا غنى عنه لأي إصلاح سياسي. وهذا الربط بين المطلب اللاهوتي والتعبئة السياسية هو ما يتيح لابن تومرت أن يوحّد قبائل مصمودة بالأطلس الكبير حول مشروع روحي وقتالي في آن معًا. وبعد وفاته بتنمل سنة 1130، كان تلميذه عبد المؤمن هو من تولى مهمة الانتقال بالحركة الدينية الأصلية إلى تحويلها إلى مشروع إمبراطوري واسع النطاق (Fromherz, 2010).
5. عبد المؤمن وبناء الإمبراطورية الموحدية
ابتداءً من سنة 1147، وهي السنة التي شهدت الاستيلاء على مراكش من آخر ممثلي المرابطين، شرع الموحدون في بناء واحدة من أوسع الإمبراطوريات التي عرفتها إفريقيا في العصر الوسيط، امتدت من المحيط الأطلسي إلى طرابلس، وضمّت، إلى جانب المغرب العربي بأكمله، جزءًا كبيرًا من الأندلس. ويشدد فرومهرز (Fromherz, 2010) على أن هذا التوسع الترابي رافقه تحول مؤسسي كبير: فبقطعه مع النظام الجماعي للمجالس الذي أسسه المهدي ابن تومرت، ضمن عبد المؤمن انتقال السلطة وراثيًا إلى ذريته، واتخذ لقب الخلافة “أمير المؤمنين”، رافضًا صراحة أي تبعية عباسية (Encyclopédie Universalis, s.d.-a). وتُمثّل هذه الخطوة الانتقال من حركة كاريزمية، قائمة على السلطة الشخصية للمهدي، إلى دولة سلالية ذات مؤسسات دائمة.
وبلغت الإدارة الموحدية درجة من المركزية تفوق بكثير ما كان عليه الحال عند أسلافها المرابطين. فقد اندمجت مناصب الولاة الإقليميين والدوائر الضريبية والشبكات العسكرية بشكل أوثق في سلسلة قيادة موحدة، ما أتاح تدبيرًا أكثر فعالية لإقليم كانت مساحته، في ظل نظام أقل مركزية، ستُشجّع على التفتت المبكر (Buresi & Ghouirgate, 2021). غير أن هذه المركزية لم تُلغِ تمامًا التوترات البنيوية الموروثة عن الحقبة التأسيسية: إذ تشير الموسوعة اليونيفرساليس إلى استمرار، طوال القرن الثاني عشر، تنافسات بين الشيوخ المنحدرين من المجالس الموحدية الأولى، وعلى رأسهم سلالة أبي حفص عمر، وبين “السادة”، أفراد الأسرة الخليفية نفسها، ناهيك عن التوترات الناجمة عن إدماج فِرَق عربية من شرق المغرب نُقلت إلى المغرب والأندلس كقوات مساندة، وشكّل اضطرابها عاملًا متكررًا في تغذية النزاعات الداخلية (Encyclopédie Universalis, s.d.-a).
5 مكرر. المرابطون والموحدون: قراءة مقارنة لأنماط الحكم
وراء التسلسل الزمني للأحداث، تتيح القراءة المقارنة لأنماط الحكم المرابطي والموحدي فهمًا أدق لطبيعة التحولات المؤسسية التي أحدثتها السلالة الثانية. يقوم النظام المرابطي على تمفصل مرن نسبيًا بين السلطة الأميرية، التي مارسها ورثة يوسف بن تاشفين، وأرستقراطية قَبَلية صنهاجية تحتفظ باستقلال عسكري واقتصادي كبير في الولايات الصحراوية. وهذا النموذج، الذي يمكن وصفه بالاتحادي أو الكونفدرالي قبل أوانه، يفسح مجالًا واسعًا للتضامنات القَبَلية في توزيع المسؤوليات الإدارية والعسكرية، إذ كان الأمير يتصرف بوصفه حكمًا أعلى بين الأنساب أكثر منه حاكمًا مطلقًا بالمعنى الذي ستفهمه به السلالة الموحدية.
أما النظام الموحدي فقد أحدث، على العكس، قطيعة ملحوظة باستبداله المنطقَ الكونفدرالي ببنية خلافية شديدة التراتبية، تدّعي سلطة الحاكم فيها، المعروف الآن بأمير المؤمنين، أنها ذات طبيعة دينية مباشرة لا مجرد طبيعة قَبَلية. ويُظهر بوريزي وغويرغات (Buresi & Ghouirgate, 2021) أن هذه المركزية المتزايدة رافقها إرساء إدارة مالية أكثر انتظامًا، تستند إلى مسح أدق للأراضي الزراعية وإلى جباية أكثر انتظامًا للضرائب التجارية في كبريات مدن الإمبراطورية. وهذا التطور المؤسسي، الذي يُقرّب النموذج الموحدي من نماذج الخلافات المشرقية الكلاسيكية، لا ينبغي أن يحجب استمرار منطق التمثيل القَبَلي الموروث عن الحقبة التأسيسية داخله: فمجلس العشرة، ثم مجلس الخمسين، اللذان أسسهما ابن تومرت نفسه لإشراك أهم قبائل مصمودة في تدبير الحركة، ظلّا، بعد اختفاء المهدي بزمن طويل، يؤديان دورًا استشاريًا غير رسمي، وإن كانت السلطة القرارية الفعلية تتركز أكثر فأكثر بين يدي الأسرة الخليفية ومحيطها المقرّب.
وهذا التوتر بين منطق قَبَلي استشاري ومنطق خلافي مركزي يشكّل، كما سنرى لاحقًا في ضوء الإطار الخلدوني، أحد أهم المفاتيح التفسيرية لعدم الاستقرار الذي أصاب الإمبراطورية الموحدية ابتداءً من مطلع القرن الثالث عشر: فكلما ابتعدت سلطة سلالية عن آليات التمثيل القَبَلي التي أتاحت صعودها، ازداد تعرضها لخطر انقلاب هذه القاعدة القَبَلية نفسها عليها أو انفكاكها عن مشروعها الإمبراطوري.
6. الإشعاع الفكري والعلمي للإمبراطورية الموحدية
إذا كانت الإمبراطورية الموحدية تتميز بقدرتها على المركزية الإدارية، فإنها تتميز أيضًا بازدهار فكري لافت تجاوز مداه حدود المغرب بكثير ليترك أثرًا دائمًا في الفلسفة الأوروبية الوسيطة. فقد تميّز البلاط الموحدي، وبخاصة في عهد أبي يعقوب يوسف، برعاية نشطة للعلوم والطب والفلسفة، ممتدًا بذلك في الإرث الثقافي لإسبانيا الطوائف الذي ورثته الإمبراطورية الموحدية جزئيًا بعد فتحها للأندلس (Lesclesdumoyenorient, s.d.).
وفي هذا السياق تبرز شخصية أبي الوليد محمد بن رشد، المعروف في الغرب باسمه اللاتيني “أفيروس”. وُلد ابن رشد بقرطبة سنة 1126 لأسرة من فقهاء المالكية رفيعة النسب، ووصل، بفضل وساطة الفيلسوف ابن طفيل، وزير الخليفة أبي يعقوب يوسف، إلى أعلى دوائر البلاط الموحدي (Oumma.com, s.d.). وعُيّن قاضيًا بإشبيلية ثم قاضي الجماعة بقرطبة، كما تولى منصب الطبيب الخاص للخلفاء الموحدين، جامعًا بذلك بين وظائف الفقيه والمتكلم والطبيب والفيلسوف (Wikipédia, s.d.-a). ويكمن أبقى إسهام له في شروحه المنهجية للمتن الأرسطي، التي أنجزها بطلب من الخليفة أبي يعقوب يوسف نفسه، الحريص على امتلاك شرح واضح للفلسفة اليونانية (Philosophes.org, s.d.). وهذه الشروح، التي تُرجمت إلى اللاتينية والعبرية منذ القرن الثالث عشر، سيكون لها أثر كبير في المدرسية الأوروبية، ما يجعل من ابن رشد إحدى الشخصيات المحورية في نقل الفكر الأرسطي إلى الغرب اللاتيني.
غير أنه لا ينبغي المبالغة في تمثيل العلاقة بين السلطة الموحدية والأوساط الفلسفية كعلاقة مثالية بحتة. فتذكّرنا نكبة ابن رشد في عهد أبي يوسف يعقوب المنصور، سنة 1195، حين أُهين الفيلسوف علنًا ونُفي إلى لوسينا قبل أن يُرد إليه اعتباره جزئيًا، بأن الاستقبال الذي حظي به التأمل العقلي كان رهينًا بتوازنات سياسية وبضغوط مارستها أوساط الفقهاء التقليديين، المعادية لكل صيغة فلسفية تُعتبر تخريبية للأرثوذكسية الدينية (450.fm, s.d.). وهذا التوتر بين العقلانية الفلسفية والصرامة اللاهوتية، بعيدًا عن أن يكون شذوذًا معزولًا، يجتاز مجمل التاريخ الفكري الموحدي ويشهد على تعايش منطقين للتبرير قد يتناقضان أحيانًا داخل جهاز دولة واحد: منطق التوحيد العقلاني الأصلي الذي حمله ابن تومرت، ومنطق أكثر محافظة تمثّله الأوساط الفقهية الحريصة على الحفاظ على سلطتها المعيارية.
ويستحق دور ابن طفيل في هذا المشهد الفكري أن يُبرز بذاته، تجاوزًا لدوره كوسيط لدى الخليفة لصالح ابن رشد. فابن طفيل، وزير الخليفة أبي يعقوب يوسف وطبيبه الخاص، هو أيضًا صاحب القصة الفلسفية “حي بن يقظان”، التي تصوّر طفلًا ينشأ وحيدًا في جزيرة مقفرة ويصل، بمجرد الملاحظة العقلية للطبيعة، إلى حقائق ميتافيزيقية يؤكدها الوحي لاحقًا (Oumma.com, s.d.). وهذا العمل، الذي سيمتد أثره حتى الأدب الأوروبي في عصر الأنوار، يوضح كيف شكّل البلاط الموحدي، في عهد أبي يعقوب يوسف بخاصة، فضاءً للإنتاج الفكري تتغذى فيه الفلسفة واللاهوت العقلاني والعلوم الطبيعية بعضها من بعض. وقد نال الطب النصيب ذاته من الازدهار: فقد موّل الخلفاء الموحدون، حرصًا منهم على الإحاطة بأطباء أكفاء، تكوين واستقرار أطباء بارزين في مراكش وإشبيلية وقرطبة، امتدادًا لتقليد طبي أندلسي جسّدته، قبل الحقبة الموحدية، شخصيات كابن زهر، الذي تلقى ابن رشد نفسه تكوينه الطبي على يديه (Medarus, s.d.).
ولا يمكن فصل هذه الحيوية العلمية والفلسفية عن بعدها المؤسسي: فالمكتبات التي شُيّدت بقرطبة ومراكش، والمغذّاة بمجموعات موروثة عن عهد الطوائف ثم أُثريت باقتناءات خليفية، أتاحت لعلماء البلاط الموحدي الاطلاع على متن من النصوص اليونانية والفارسية والأندلسية يفسّر إلى حد بعيد خصوبة هذه الحقبة الفكرية. وأتاحت الهيبة الاجتماعية المرتبطة بالعلم لعلماء من أصل متواضع، كما كان حال ابن تومرت نفسه في البداية، الوصول إلى أعلى مراتب السلطة، وهو وضع يتباين بوضوح مع العلاقة الأكثر نفعية التي كان يقيمها المرابطون مع علمائهم المالكيين.
7. التراث المعماري تعبيرًا عن السلطة الإمبراطورية
تشكّل المنجزات المعمارية الموحدية أحد أبرز الشواهد وأكثرها ديمومة على قوة هذه السلالة. فمسجد الكتبية بمراكش، الذي شيّده عبد المؤمن فوق أنقاض القصر المرابطي عقب الاستيلاء على المدينة سنة 1147، يجسّد طرازًا يتميز بصرامة الخطوط وضخامة الحجوم (Kronobase, s.d.). وهذا الطراز الموحدي، الذي نجده أيضًا في صومعة حسان بالرباط، وخيرالدا إشبيلية، وقصبة الأوداية، يتميز برفض الزخرفة المفرطة لصالح جمالية مبسّطة، منسجمة مع مطلب الصرامة اللاهوتية الذي حملته الحركة التأسيسية. وهذا الاختيار الجمالي ليس محايدًا: فهو يترجم، في الحجر، إرادة القطيعة مع ما كان الموحدون يعتبرونه إفراطًا زخرفيًا وتراخيًا أخلاقيًا مرتبطين بالحقبة المرابطية المتأخرة.
وتلعب هذه المعالم، إلى جانب وظيفتها العبادية، دورًا جيوسياسيًا بارزًا بتأكيدها، في الفضاء الحضري لكبريات عواصم الإمبراطورية — مراكش والرباط وإشبيلية —، الحضورَ الملموس لسلطة خليفية موحدة. وسيؤثر الطراز المعماري الموحدي تأثيرًا دائمًا في السلالات التي خلفت الموحدين بالمغرب، وبخاصة المرينيين، وكذا في بني نصر بغرناطة بالأندلس، ما يضمن لهذا الطراز امتدادًا يتجاوز بكثير مدة الحياة السياسية للسلالة التي أطلقته.
8. الاندماج الاقتصادي العابر للصحراء ونشر الدين
فضلًا عن منجزاتهما السياسية والمعمارية والفكرية، لعب المرابطون والموحدون دورًا حاسمًا في اندماج القارة الإفريقية اقتصاديًا، ممددين ديناميكيات تجارية سابقة على ظهورهما ومكثّفين إياها. فطرق القوافل الرابطة بين تمبكتو ووالاتة وسجلماسة ومراكش وفاس شكّلت، منذ العصر الوسيط المبكر، شرايين تجارة دولية تنتظم حول الذهب والملح والعبيد والمنسوجات والخيول والمخطوطات (Blackpast.org, s.d.). وتذكّر دراسة متحف متروبوليتان للفنون بأن ازدهار مملكة غانة القديمة يرتبط ارتباطًا مباشرًا ببدايات تجارة الذهب العابرة للصحراء منذ القرن الخامس، وأن هذا الاقتصاد القافلي يربط، من القرن السابع إلى القرن الحادي عشر، اقتصادات المتوسط الباحثة عن الذهب باقتصادات السودان الغربي التي كانت تتوفر عليه بوفرة، مقابل تزويدها بالملح الذي كانت تفتقر إليه (Metropolitan Museum of Art, s.d.). وتوضح سيطرة المرابطين على مراكز استراتيجية كأوداغست، وهو مركز تجاري سابق تابع لمملكة غانة استرجعه المرابطون نحو 1050، كيف كان التوسع السياسي المرابطي مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بمنطق تجارة الذهب (Wikipédia, s.d.-b).
ولم يقتصر هذا الاقتصاد العابر للصحراء على تداول السلع: فقد كان أيضًا وسيلة لنشر الإسلام تدريجيًا داخل مجتمعات السودان. فشبكات التجار والفقهاء المالكيين المرافقين للقوافل أسهمت في ترسيخ ثقافة دينية متعلمة في مدن كوالاتة وتمبكتو، ممهدةً الطريق لعملية أسلمة أكثر انتظامًا ستميز، في القرون اللاحقة، إمبراطوريتَي مالي ثم سونغاي السودانيتين الكبريين. وبترسيخ المذهب المالكي مرجعًا فقهيًا مهيمنًا وبتطوير مؤسسات علمية قادرة على تكوين أطر دينية محلية، أسهم المرابطون ثم الموحدون بذلك، بشكل غير مباشر لكن دائم، في أسلمة مناطق واسعة من الساحل الإفريقي، وفق طرائق سلمية إلى حد بعيد تستند إلى الشبكات التجارية أكثر من استنادها إلى الغزو العسكري المباشر.
وتجد الأبعاد الرمزية لهذه المركزية الاقتصادية والدينية شاهدًا صارخًا في الاستخدام الذي مارسته السلطة الموحدية لبقايا مرتبطة بذاكرة الخلافة الأموية بقرطبة. فقد بيّن بينيسون (Bennison, 2007) كيف حرص السلاطين الموحدون على امتلاك المصحف المعروف بـ”مصحف عثمان”، وهو مخطوط مبجّل يُنسب إلى الخليفة الثالث للإسلام، انتقل منذ العهد الأموي الأندلسي، سعيًا إلى ترسيخ شرعيتهم الخليفية عبر انتساب رمزي إلى كبريات سلالات الإسلام الكلاسيكي. ويوضح هذا الفعل من انتزاع تراثي كيف سعت السلطة الموحدية إلى ربط سلطتها اللاهوتية الجديدة، القائمة على توحيد ابن تومرت العقلاني، برموز استمرارية سلالية موروثة عن العالم الأموي، ضمن استراتيجية تبرير دينية وسياسية معًا تتجاوز بكثير الإطار المغربي الصرف.
وعلى الصعيد الاقتصادي البحت، رافق الازدهارَ الحضري الذي عرفته مراكش وفاس وإشبيلية وتلمسان في ظل السيطرة المرابطية ثم الموحدية تنوعٌ في الأنشطة الحرفية — النسيج والدباغة والصياغة — تغذّت جزئيًا من المواد الأولية المستوردة من الساحل عبر القوافل العابرة للصحراء. وأسهمت هذه الديناميكية الحضرية في جعل مغرب أقصى قطبًا اقتصاديًا من الدرجة الأولى على مستوى غرب حوض المتوسط، قادرًا على منافسة المدن التجارية الإيطالية التي بدأت، في الفترة نفسها، تطوّر شبكاتها التجارية الخاصة نحو شمال إفريقيا، وبخاصة عبر الفنادق (المحلات التجارية) التي أقامها تجار من بيزا وجنوة ومرسيليا في مدن كسبتة منذ القرن الثالث عشر (Wikipédia, s.d.-c).
9. أفول الموحدين: العقاب وتفكك الإمبراطورية
جاء المنعطف الحاسم في أفول القوة الموحدية يوم 16 يوليوز 1212، في معركة العقاب (Las Navas de Tolosa)، حين ألحق تحالف يضم ممالك قشتالة وأراغون ونافارا المسيحية، معززًا بفِرَق من الصليبيين القادمين من عدة ممالك أوروبية، هزيمةً ساحقة بقوات الموحدين بقيادة الخليفة محمد الناصر (Encyclopédie Universalis, s.d.-b). وقد جاءت هذه المواجهة بعد عقد من الهدن التي انتُهكت: فمنذ 1211، كان الناصر قد حشد جيشًا كبيرًا للاستيلاء على حصن سلبطرة المسيحي، ما أثار ردَّ فعل مشترك من ملوك شبه الجزيرة الإيبيرية، الذين تمكنوا للمرة الأولى من تجاوز خلافاتهم السلالية بدفع من البابا إنوسنت الثالث (Herodote.net, s.d.).
وتتجاوز تبعات هذه الهزيمة الإطار العسكري الصرف بكثير. فبحسب تحليل الموسوعة اليونيفرساليس، تمثّل هزيمة العقاب انهيار القوة الموحدية بالأندلس وتفتح الطريق أمام الهجوم الحاسم للممالك المسيحية على جنوب شبه الجزيرة الإيبيرية (Encyclopédie Universalis, s.d.-b). وتنهار أسطورة عدم قابلية الموحدين للهزيمة، التي بُنيت بصبر منذ انتصارات الخليفة المنصور في الأرك سنة 1195، في يوم واحد، محدثةً أزمة شرعية عميقة للسلطة الخليفية. وترافق هذه الهزيمة العسكرية تفتتٌ سياسي متزايد: تتضاعف الثورات الإقليمية، ويؤكد الولاة المحليون استقلاليتهم تدريجيًا، وتتفاقم التوترات بين مختلف فصائل الأرستقراطية الموحدية — الشيوخ والسادة والفِرَق العربية — ما يعجّل بتفكك السلطة المركزية (Wikipédia, s.d.-d).
ويفتح هذا التفتت الطريق أمام ظهور سلالات إقليمية تتقاسم، خلال القرن الثالث عشر، الإرث الترابي الموحدي: يفرض المرينيون سيطرتهم تدريجيًا بالمغرب، ويستقر الزيانيون بتلمسان، بينما يرث الحفصيون إفريقية حول تونس. وهذه السلالات الثلاث، وإن انحدرت مباشرة أو بشكل غير مباشر من المصهر الموحدي، تتميز بتفتت سياسي دائم للمغرب العربي، واضعةً حدًا للوحدة الإمبراطورية التي حققها المرابطون ثم الموحدون كل في دوره (Wikipédia, s.d.-e).
10. قراءة خلدونية لدورة السلالات الأمازيغية
يقترح المؤرخ والعالم الاجتماعي ابن خلدون، الذي صاغ مقدمته بعد سقوط الموحدين بقرن ونصف، إطارًا نظريًا خصبًا بشكل لافت لتفسير المسار الدوري لهاتين السلالتين. ويتمثل المفهوم المركزي في تحليله، أي “العصبية”، في ذلك التماسك الجماعي الذي يتيح لجماعة قَبَلية أن تستولي على السلطة، لكنه يميل إلى التحلل بمجرد ترسّخ هذه السلطة، تحت تأثير الاستقرار الحضري والإثراء وتعقّد الإدارة (Martinez-Gros, 2006). وينطبق هذا الإطار التفسيري بتماثل لافت على مسار الدولة المرابطية: فقد نشأت هذه الأخيرة من التماسك الزهدي للرباط الصحراوي، ثم بدأت عصبيتها الأصلية تتآكل مع استقرار نخبها بمراكش وتآلفها مع رفاهية الحياة الحضرية الأندلسية، ما فتح الطريق أمام الاحتجاج الموحدي.
ويتكرر النمط ذاته، بحدّة مماثلة، في الحالة الموحدية نفسها: فتماسك قبائل مصمودة بالأطلس الكبير، الذي حرّكته عقيدة ابن تومرت الصارمة، يتيح فتح الإمبراطورية، لكن هذا التماسك يتفكك بدوره، خلال القرن الثالث عشر، تحت تأثير التوترات الداخلية بين الشيوخ والسادة التي سبقت الإشارة إليها، وكذا تحت وطأة مركزية إدارية كانت، رغم فعاليتها، تميل إلى إرخاء الصلة المباشرة بين الحاكم وقاعدته القَبَلية الأصلية. ويحلل ابن خلدون نفسه، في كتابه العبر المخصص لتاريخ البربر، هذه الديناميكية باعتبارها قانونًا شبه كوني للتاريخ السياسي المغربي، حيث يعمل الدين محفّزًا قويًا للعصبية، قادرًا على توحيد تضامنات قَبَلية متفرقة مؤقتًا حول مشروع متعالٍ، قبل أن يُذيب اعتيادُ السلطة تلك الحماسة الأولى (Wikipédia, s.d.-f). وهكذا، بعيدًا عن كونهما حادثين معزولين في التاريخ، يجسّد صعود المرابطين ثم الموحدين وأفولهما، وفق هذه القراءة، نمطًا متكررًا سيجد تجسيدًا جديدًا مع المرينيين أنفسهم، ثم مع السلالات الشريفية التي ستخلفهم.
11. البعد الحضاري: المرابطون والموحدون في التاريخ الإفريقي الشامل
إن اختزال المرابطين والموحدين في مجرد حلقات سلالية عابرة يعني تجاهل البعد الحضاري لإرثهما. فهاتان الإمبراطوريتان تثبتان، كلٌّ بطريقتها، قدرة المجتمعات الأمازيغية على إنتاج أشكال دولتية مركزية، وتطوير مؤسسات دينية وفقهية متطورة، وتشجيع العلوم والفنون، وإقامة جسور دائمة بين إفريقيا والمتوسط وأوروبا. ويشكّل الاندماج الاقتصادي العابر للصحراء الذي عمّقاه، ونشر المذهب المالكي السلمي في الساحل الذي شجّعاه، ودور نقل الفلسفة اليونانية إلى أوروبا اللاتينية الذي أدّاه البلاط الموحدي عبر شخصية ابن رشد، شواهد على إفريقيا وسيطة كانت فاعلة بامتياز في التاريخ الإنساني الشامل، قبل التوسع الاستعماري الأوروبي بزمن طويل.
ويدعو هذا التاريخ أيضًا إلى إعادة النظر في التسلسل الزمني المعتاد للعولمة، الذي كثيرًا ما يُربط بالاكتشافات الأوروبية الكبرى للقرن الخامس عشر وحدها. فالشبكات القافلية الرابطة بين تمبكتو ومراكش، والدوائر الفكرية الرابطة بين قرطبة وفاس ثم باريس عبر الترجمات اللاتينية لأعمال ابن رشد، والطرق العسكرية الرابطة بين سجلماسة وإشبيلية، تشهد على اندماج مبكر ومتعدد الأوجه للفضاء الإفريقي المتوسطي، لعبت فيه السلالات الأمازيغية دور وسيط ومبادر أكثر فاعلية بكثير مما توحي به الروايات المتمركزة حول أوروبا للتاريخ الوسيط.
خاتمة
يكشف التاريخ المقارن للمرابطين والموحدين عن مسارين متماثلين بنيويًا لكن متمايزين تاريخيًا: مسار حركة إصلاح ديني صحراوية، حملها زهد الرباط وحرفية المذهب المالكي، أفسحت المجال لحركة إصلاح لاهوتي جبلية، حملها عقلانية التوحيد الموحدي. وفي الحالتين، أتاح التماسك القَبَلي الأولي — هذه العصبية التي تضعها النظرية الخلدونية في صميم كل ديناميكية سلالية مغربية — تشكّل إمبراطوريتين بامتداد ترابي هائل، قبل أن يتحللا تحت وطأة اقتران الاستقرار الحضري وإثراء النخب والتوترات الداخلية داخل جهاز السلطة. غير أن هاتين الإمبراطوريتين تتركان إرثًا يتجاوز بكثير انهيارهما ذاته: فالمذهب المالكي الذي رُسّخ في كامل المغرب العربي ونُشر حتى الساحل، والتراث المعماري الذي لا يزال يشكّل حتى اليوم المشهد الحضري لمراكش والرباط وإشبيلية، والإرث الفلسفي لابن رشد الذي سيروي طويلًا الفكر المدرسي الأوروبي، تشكّل جميعها آثارًا ملموسة لحضارة أمازيغية وسيطة طموحة وعالمة ومندمجة تمامًا في التيارات الكبرى للتاريخ المتوسطي والإفريقي. وهكذا يظل المرابطون والموحدون، بعد أكثر من ثمانية قرون على زوالهم، على حد تعبير بوريزي وغويرغات (Buresi & Ghouirgate, 2021)، شاهدين على قدرة بربرية على الجمع بين الإيمان والقوة السياسية والحيوية التجارية والإشعاع الفكري، وهو ما لا يزال درسه ينير التحولات السياسية المعاصرة بالمغرب العربي.
وأخيرًا، تجدر الإشارة إلى أن هذا التاريخ المقارن ليس تمرينًا في علم الآثار المحض. فالطريقة التي تربط بها السلالتان بين الإصلاح الديني والتعبئة القَبَلية والمشروع الإمبراطوري تقدّم نموذجًا مدرسيًا للتحليل المقارن لديناميكيات الشرعية السياسية في المجتمعات المغربية قبل الحديثة، وهي ديناميكيات نجد أصداءها، في أشكال متحولة، في حركات الإصلاح الديني والسياسي التي ستجتاز المغرب العربي في القرون اللاحقة، وصولًا إلى العصر الحاضر. وبهذا المعنى، لا تندرج دراسة المرابطين والموحدين في باب التاريخ الوقائعي المحض فحسب: بل تشكّل ركيزة لا غنى عنها لكل من يريد فهم المنطق العميق الذي شكّل، على المدى الطويل، الهوية السياسية والدينية المتعددة للمغرب العربي، من الصحراء إلى الأطلس، ومن الأطلس إلى الأندلس.
المراجع
Abitbol, M. (2014). Les Almoravides. Dans Histoire du Maroc (p. 55-71). Perrin.
Bennison, A. K. (2007). The Almohads and the Qur’an of ‘Uthman: The legacy of the Umayyads in the twelfth-century Maghrib. Al-Masaq: Journal of the Medieval Mediterranean, 19(2), 131-154.
Buresi, P., & Ghouirgate, M. (2021). Histoire du Maghreb médiéval : XIe-XVe siècle. Armand Colin.
Cornell, V. J. (1987). Understanding is the mother of ability: Responsibility and action in the doctrine of Ibn Tūmart. Studia Islamica, (66), 71-103.
Encyclopédie Universalis. (s.d.-a). Almohades. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.universalis.fr/encyclopedie/almohades/
Encyclopédie Universalis. (s.d.-b). Bataille de Las Navas de Tolosa (1212). تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.universalis.fr/encyclopedie/bataille-de-las-navas-de-tolosa/
Fletcher, M. (1991). The Almohad tawhid: Theology which relies on logic. Numen, 38(1), 110-127.
Fromherz, A. J. (2005). The Almohad Mecca: Locating Igli and the cave of Ibn Tumart. Al-Qantara, 26(1), 175-190.
Fromherz, A. J. (2010). The Almohads: The rise of an Islamic empire. I.B. Tauris.
Histoire-pour-tous. (s.d.). Bataille de Las Navas de Tolosa (1212). تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.histoire-pour-tous.fr/batailles/3005-la-bataille-de-las-navas-de-tolosa-1212.html
Herodote.net. (s.d.). 16 juillet 1212 : Le roi d’Aragon triomphe à Las Navas de Tolosa. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.herodote.net/16_juillet_1212-evenement-12120716.php
Kronobase. (s.d.). Chronologie : Almoravides. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://kronobase.org/chronologie-categorie-Almoravides.html
Lesclesdumoyenorient. (s.d.). Averroès. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.lesclesdumoyenorient.com/Averroes.html
Martinez-Gros, G. (2006). Ibn Khaldûn et les sept vies de l’Islam. Actes Sud/Sindbad.
Medarus. (s.d.). Averroès (Ibn Rushd) 1126-1198. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.medarus.org/Medecins/MedecinsTextes/averroes.html
Messier, R. A. (2010). The Almoravids and the meanings of jihad. Praeger.
Metropolitan Museum of Art. (s.d.). The trans-Saharan gold trade (7th-14th century). في Heilbrunn Timeline of Art History. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.metmuseum.org/essays/the-trans-saharan-gold-trade-7th-14th-century
Oumma.com. (s.d.). Ibn Rochd (Averroès), l’homme de tous les savoirs. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://oumma.com/ibn-rochd-averroes-lhomme-de-tous-les-savoirs/
Philosophes.org. (s.d.). Averroès (1126-1198) : Le grand commentateur d’Aristote et la synthèse de la raison universelle. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://www.philosophes.org/biographies/averroes-1126-1198-le-grand-commentateur-et-passeur-de-la-philosophie-aristotelicienne/
Urvoy, D. (1998). Ibn Rushd (Averroes). Routledge.
450.fm. (s.d.). Averroès : Le philosophe de Cordoue qui influence la franc-maçonnerie. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://450.fm/2025/01/20/averroes-le-philosophe-de-cordoue-qui-influence-la-franc-maconnerie/
Wikipédia. (s.d.-a). Averroès. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://fr.wikipedia.org/wiki/Averro%C3%A8s
Wikipédia. (s.d.-b). Trans-Saharan trade. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://en.wikipedia.org/wiki/Trans-Saharan_trade
Wikipédia. (s.d.-c). Almohades. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://fr.wikipedia.org/wiki/Almohades
Wikipédia. (s.d.-d). Bataille de Las Navas de Tolosa. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://fr.wikipedia.org/wiki/Bataille_de_Las_Navas_de_Tolosa
Wikipédia. (s.d.-e). Bataille de Las Navas de Tolosa. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://fr.wikipedia.org/wiki/Bataille_de_Las_Navas_de_Tolosa
Wikipédia. (s.d.-f). Ibn Khaldoun. تاريخ الاسترجاع: 13 يوليوز 2026، من https://fr.wikipedia.org/wiki/Ibn_Khaldoun
محمد اشتاتو، أستاذ جامعي، مستشار ومحلل سياسي متخصص في الشؤون الدولية



