sliderندوات ومحاضرات

اليزيد الراضي: خدمة العلماء لقضايا الأمة تقتضي الجمع بين الكفاءة العلمية والاستقامة الأخلاقية والقدرة على التبليغ

أكد العلامة اليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، أن اضطلاع العلماء بأدوارهم في خدمة قضايا الأمة يقتضي الجمع بين الكفاءة العلمية والاستقامة الدينية والأخلاقية والقدرة على التربية والتبليغ والتواصل، مبرزا أهمية تكامل هذه المقومات في تمكين العلماء من الاستجابة لحاجات المجتمع ومواكبة قضاياه.

وأوضح الراضي، خلال درس افتتاحي احتضنته مؤسسة دار الحديث الحسنية، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 بالرباط، في موضوع «علماء سوس وقضايا الأمة»، برسم الموسم الجامعي 2026-2027، أن تناول هذا الموضوع يستدعي الوقوف عند مفهوم العالم ومقوماته، واستحضار حاجة الأمة إلى العلماء، باعتبارهما مدخلين أساسيين لفهم أدوارهم وإسهاماتهم في معالجة القضايا الدينية والاجتماعية والوطنية.

واستهل العلامة الراضي كلمته بالتعبير عن اعتزازه بالمشاركة في هذا اللقاء العلمي، منوها بالمكانة التي تحتلها مؤسسة دار الحديث الحسنية في المشهد العلمي المغربي، وبإسهامها في تكوين العلماء واحتضان البحث العلمي وخدمة المعرفة الشرعية.

وفي تحديده لمفهوم العالم ومقوماته، استحضر الراضي رسالة الفقيه أبي عمران الفاسي إلى يحيى بن إبراهيم الجدالي (ت 430هـ)، مبرزا ما تتضمنه من دلالات بشأن الصفات التي ينبغي أن تتوافر في العالم المؤهل لتعليم الناس القرآن الكريم وشرائع الإسلام وتفقيههم في الدين.

وأوضح أن هذه المقومات تتجسد في ثلاث كفاءات أساسية، تتمثل في الكفاءة العلمية، والكفاءة الدينية والأخلاقية، ثم الكفاءة التربوية والتبليغية والتواصلية، مؤكدا تكامل هذه الأبعاد في بناء شخصية العالم وتمكينه من أداء رسالته على الوجه المطلوب.

وشدد في هذا السياق على مركزية العلم في حياة الأفراد والمجتمعات، بالنظر إلى ارتباط مختلف مجالات الحياة الدينية، من العقيدة والعبادات إلى المعاملات ومعرفة الحلال والحرام، بالتحصيل العلمي والفهم السليم. وأبرز أن العالم لا يستطيع الإسهام في نفع الأمة ما لم يمتلك رصيدا معرفيا كافيا يؤهله لفهم القضايا المطروحة والإرشاد إلى معالجتها.

من جانبه، أكد مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية، عبد الحميد عشاق، أن استضافة العلامة اليزيد الراضي تتيح فتح آفاق جديدة لدراسة صلة فقهاء سوس بقضايا مجتمعهم ونوازله، واستكشاف خصوصية تجربتهم في تاريخ الفقه المالكي بالمغرب.

وأوضح عشاق أن البيئة الاجتماعية في سوس، بما اتسمت به من تنوع في الأعراف والعوائد والقضايا المرتبطة بالحياة اليومية، أسهمت في بروز اجتهاد فقهي وقضائي يستند إلى أصول المذهب المالكي وقواعده، مع مراعاة الوقائع وملابساتها والأعراف والمصالح.

وأضاف أن من أبرز خصائص تجربة فقهاء سوس ارتباط علمهم بحياة الناس وانشغالهم بقضاياهم الواقعية، من خلال النظر في النوازل المتعلقة بالملكية والحيازة والاستحقاق والبيوع والمعاملات الزراعية والأحوال الشخصية، بما يستلزمه ذلك من معرفة بالنصوص الشرعية والقواعد الفقهية، وإدراك للأعراف والأحوال، وموازنة بين المصالح والمفاسد.

واعتبر عشاق أن المدونة النوازلية السوسية تمثل رصيدا علميا وتاريخيا مهما، لا يقتصر على حفظ مسالك الاجتهاد وطرائق الاستنباط، بل يقدم أيضا صورة عن أحوال المجتمع وعلاقاته ومعايشه، بما يجعلها مادة خصبة لدراسة التاريخ الاجتماعي والأنثروبولوجيا الفقهية، وفهم صلة الحكم الشرعي بالعرف والواقع.

كما أبرز الدور الذي اضطلعت به المدارس العتيقة والزوايا ومجالس القضاء والإفتاء في سوس في حفظ هذا التقليد العلمي ونقله عبر الأجيال، من خلال التعليم والإفتاء والقضاء والإصلاح بين الناس، مشددا على أهمية توجيه مزيد من العناية البحثية إلى هذا التراث، عبر تحقيق نصوصه ودراسة مناهج أعلامه واستكشاف ما يختزنه من معارف حول المجتمع وتحولاته.

وفي كلمة تقديمية، سلط أحمد السنوني، نائب مدير المؤسسة المكلف بالبحث العلمي والشراكة والتعاون، الضوء على المسار العلمي للعلامة اليزيد الراضي، مشيرا إلى جمعه بين التكوين الشرعي الأصيل والتحصيل الأكاديمي، واهتمامه بالتراث العلمي والأدبي لمنطقة سوس، ولا سيما جهود توثيق آثار علمائها وإبراز إسهاماتهم في تاريخ المغرب.

وأكد السنوني أن موضوع المحاضرة يكتسي أهمية اجتماعية وسياسية وعلمية، بالنظر إلى الأدوار التي اضطلع بها العلماء في حفظ الثوابت الوطنية، وتعزيز التماسك الاجتماعي، وتبصير الناس بحقوقهم وواجباتهم، والإسهام في خدمة قضايا الأمة وترسيخ قيم التضامن.

كما أبرز أهمية الموضوع في دراسة مناهج العلماء في فهم الوقائع وتنزيل الأحكام الشرعية، معتبرا أن تجربة سوس العلمية تزخر بتقاليد متوارثة تجمع بين أصالة المنهج وحكمة الاجتهاد.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى