بشاري من رواق دار الحديث الحسنية: المجتمعات المسلمة مدعوة إلى إسهام حضاري ونموذج إيجابي داخل الفضاءات متعددة الثقافات

استهل محمد بشاري، الأمين العام للمجلس العالمي للمجتمعات المسلمة بأبوظبي، كلمته بالتعبير عن شكره لمؤسسة دار الحديث الحسنية على تنظيم ندوة «المجتمعات المسلمة وتفعيل منظومة القيم» يوم الإثنين 4 ماي 2026، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، مشيداً بأهمية الموضوع وبمشاركة نخبة من الباحثين في تأطير هذا النقاش.
وتوقف في بداية مداخلته عند مفهوم «المجتمعات المسلمة»، موضحاً أن هذا المصطلح يشير أساساً إلى الوجود الإسلامي خارج العالم الإسلامي، وهو مفهوم أثار تاريخياً نقاشاً حول دلالاته، بين من يصفه بـ«أقليات دينية» أو «جاليات» أو «مكونات مجتمعية».
واعتبر أن مصطلح “الأقلية” قد يحمل أحياناً إيحاءات سلبية أو شعوراً بالتهميش، كما أن مصطلح “الجالية” قد يوحي بالجلاء والانقراض. لذلك، يفضل استعمال مفهوم “المجتمعات المسلمة” باعتبارها جزءاً أصيلاً من النسيج الاجتماعي والثقافي للدول التي تعيش فيها.
وأشار إلى أن المسلمين خارج العالم الإسلامي يمثلون كتلة بشرية مهمة، موزعة عبر قارات متعددة، مما يعزز فكرة أنهم ليسوا كيانات هامشية، بل مكونات فاعلة داخل مجتمعاتها.
وانتقل بشاري إلى الشطر الثاني من العنوان المتعلق بالحاجة إلى القيم، مبرزاً أن النقاش ينبغي أن يتجاوز ثنائية الخصوصية والعالمية، نحو تصور تكاملي يربط بين ثلاث دوائر: الخصوصية والعالمية والمشترك الإنساني,
وأكد أن هذه الدوائر ليست متعارضة، بل متكاملة، حيث لا يمكن الانتقال إلى العالمية دون ترسيخ الخصوصية، كما لا يمكن الانغلاق داخل الخصوصية دون انفتاح على المشترك الإنساني.
وأوضح أن خصوصية المجتمعات المسلمة تنبع من مرجعيتها الثقافية والدينية، ومن تراكمها التاريخي، مشيراً إلى أن الثقافة، كما تعرفها منظمة اليونسكو، هي مجموع التراكمات الفكرية والثقافية والفنية والأديان والأعراف. وشدد على أن التفاعل بين الثقافات لا ينبغي أن يُفهم كصراع، بل كتدافع إيجابي يسهم في بناء الحضارة الإنسانية، حيث تتكامل الإسهامات المختلفة لتشكيل رصيد مشترك يخدم الإنسان.
وفي حديثه عن العالمية، أوضح أنها لا تعني الذوبان أو فقدان الهوية، بل تقوم على الاعتراف المتبادل والتعاون بين الثقافات، بما يضمن الحفاظ على الخصوصيات مع الانخراط في مشروع إنساني مشترك.
كما أكد أن المجتمعات المسلمة، خاصة في السياقات الغربية، مدعوة إلى الإسهام في البناء الفكري والثقافي والحضاري، باعتبارها جزءاً من مجتمعات متعددة الثقافات، وهو ما يفرض عليها تقديم نموذج إيجابي يعكس قيمها ويعزز حضورها.
وتطرق بشاري إلى أهمية المشترك الإنساني، معتبراً أن منظومة القيم، حين تنبني على مرجعية أخلاقية منفتحة، يمكن أن تشكل أرضية للتلاقي والحوار والتعاون بين مختلف الثقافات، خاصة في ظل التحديات العالمية الراهنة، من صراعات وحروب وتطرف وفقر وأزمات إنسانية.
وفي سياق تفاعله مع أسئلة الحضور، أثار محمد بشاري جملة من التساؤلات المحورية حول من يمتلك شرعية وكفاءة صياغة القيم في عالم متغير، وطبيعة النموذج المجتمعي القادر على احتضان حوار قيمي حقيقي، خاصة في ظل تصاعد تيارات الانغلاق ونقاء الهوية.
وأكد أن نجاح التعايش يظل رهيناً باحترام القانون وتقديم نموذج قيمي فعلي، مشدداً على أن المجتمعات المسلمة مطالبة ليس فقط بنيل الاعتراف، بل بإثبات جدارتها من خلال سلوك حضاري ومساهمة إيجابية.
كما أبرز أن الإشكال القيمي اليوم معقد ومتشابك، ويستدعي مقاربات علمية رصينة، مع ضرورة تعزيز الفهم المتبادل وتجنب السلوكات التي تغذي الصور النمطية، في أفق ترسيخ تعايش قائم على الاعتدال والتفاعل الإيجابي
ويُذكر أن الندوة عرفت مشاركة محمد المعزوز، الأستاذ الجامعي المتخصص في الأنثروبولوجيا السياسية، فيما تولّى تسيير أشغالها أحمد السنوني، أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بمؤسسة دار الحديث الحسنية. وقد اعتذر نصر محمد عارف، الأكاديمي ومستشار رئيس المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة، عن عدم الحضور لظرف صحي طارئ.



