بنحمزة: النبوة اصطفاء إلهي وليست ثمرة عبقرية أو كسب بشري

استحضر العلامة مصطفى بن حمزة، خلال الحفل العلمي والتربوي الذي نظمته مؤسسة دار الحديث الحسنية، يوم الخميس 8 أكتوبر 2026 بالرباط، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، جملة من حقوق النبي محمد ﷺ على أمته، متوقفاً عند مكانته في العقيدة والشريعة، وخصائص النبوة والرسالة المحمدية، وما تقتضيه محبة الرسول ﷺ وتعظيمه من معرفة بسيرته وشمائله والاقتداء بهديه.
وأوضح بن حمزة، في محاضرته الموسومة بـ«تأملات في حقوق المصطفى ﷺ على أمته»، أن الحديث عن حقوق الرسول ﷺ ليس أمراً مستحدثاً، وإنما هو موضوع أصيل في مؤلفات الشمائل والسيرة، مشيراً في هذا السياق إلى كتاب «الشفا بتعريف حقوق المصطفى» للقاضي عياض، الذي جعل من حقوق النبي ﷺ موضوعاً مستقلاً بالبحث والتأصيل.
وأشار إلى أنه أعد في هذا الموضوع بحثاً مطولاً يقع في إحدى وأربعين صفحة، وأن ما قدمه خلال هذا اللقاء لم يكن سوى جزء منه، معرباً عن عزمه إتاحة البحث في صيغة مكتوبة للاستفادة منه.
حقوق المصطفى ﷺ ومسؤولياته في أداء الرسالة
وتوقف العلامة بن حمزة عند مفهوم «الحقوق» في علاقته بالنبي ﷺ، مبيناً أن استحضار حقوق الرسول على أمته ينبغي ألا يحجب الجهة الأخرى المرتبطة بما تحمله الرسول نفسه من أعباء ومسؤوليات في أداء الرسالة.
وأوضح أن النبي ﷺ قام بما كلفه الله به من تبليغ الوحي، والدعوة، والهداية، والنصح، وتحمل في سبيل ذلك صنوفاً من المشاق والأذى، مستحضراً عدداً من الآيات القرآنية التي تصور حجم المسؤولية التي اضطلع بها الرسول ﷺ في تبليغ رسالة ربه وإقامة الحجة على الناس.
ومن هذا المنطلق، أبرز أن الحديث عن حقوق المصطفى ﷺ يستدعي في المقابل استحضار عظمة ما قام به في سبيل أمته، وما تحمله من أجل إيصال الرسالة، وهو ما يجعل معرفة هذه الحقوق جزءاً من الوفاء لمقام النبوة والرسالة.
الإيمان بالرسول ومعرفة مقامه
وعدّد بن حمزة جملة من الحقوق الأساسية للرسول ﷺ، في مقدمتها: الإيمان به نبياً ورسولاً، ومعرفة مقامه ومكانته، وإدراك عظمة شأنه، والتعرف على خصائصه التي اختصه الله بها، ثم تعظيمه وتوقيره وطاعته.
وأكد أن الإيمان بالنبي ﷺ لا يقتصر على مجرد الاعتراف التاريخي بوجوده أو الإقرار بأنه شخصية عظيمة، وإنما يقوم على التصديق بنبوته ورسالته، ومعرفة منزلته كما قررتها العقيدة والشريعة.
وفي هذا السياق، شدد على أن النبوة اصطفاء إلهي وليست نتيجة لقدرات بشرية مكتسبة، ولا ثمرة لعبقرية أو تفوق عقلي أو رياضة روحية أو مجاهدة يمكن للإنسان أن يبلغ بها مرتبة النبوة. وبيّن أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يختار رسله، وأن النبوة منحة واصطفاء رباني، مستحضراً في هذا الإطار الفرق بين مفهومي النبوة والرسالة، ومؤكداً أن كل رسول نبي، بينما لا يلزم أن يكون كل نبي رسولاً.
حضور النبي ﷺ في القرآن والسنة
وتوقف العلامة بن حمزة عند الطريقة التي حضر بها النبي ﷺ في القرآن الكريم، مبرزاً أن القرآن تحدث عنه بأسمائه وصفاته وضمائره، كما قرر وجوب طاعته واتباعه والرجوع إليه.
وأوضح أن القرآن لم يجعل طاعة الرسول ﷺ أمراً ثانوياً، بل قرنها بطاعة الله في مواضع متعددة، ودعا المؤمنين إلى الرجوع إلى الله والرسول عند الاختلاف، وهو ما يدل على المكانة المركزية التي تحتلها السنة النبوية في فهم الدين وتطبيقه.
وأشار إلى أن وفاة النبي ﷺ لا تعني سقوط وجوب الرجوع إلى هديه، وإنما يصبح الرجوع إليه من خلال سنته وما ثبت من أقواله وأفعاله وتقريراته، مؤكداً أن محاولة الفصل بين القرآن والرسول ﷺ أو تجاوز السنة بدعوى الاكتفاء بالقرآن تؤدي إلى إفراغ الرسالة من جانب أساسي من جوانبها التطبيقية والبيانية.
وفي هذا السياق، حذر من بعض الدعوات الرامية إلى فصل الإسلام عن السنة النبوية، أو التعامل مع النبوة باعتبارها مرحلة تاريخية يمكن تجاوزها، مبرزاً أن علاقة الأمة برسولها ﷺ تستمر موصولة من خلال الإيمان به، وتعظيمه، ومعرفة سنته، والاقتداء بهديه.
عظمة النبي ﷺ في الشهادة التاريخية
وانتقل بن حمزة إلى الحديث عن عظمة النبي محمد ﷺ من زاوية أخرى، تتمثل في الشهادات التي صدرت عن عدد من غير المسلمين من مفكرين وكتاب وشخصيات غربية، ممن توقفوا عند الأثر الاستثنائي الذي أحدثه الرسول ﷺ في التاريخ الإنساني.
وأوضح أن الاستشهاد بمثل هذه الشهادات لا يعني أن المسلمين في حاجة إليها لإثبات مكانة نبيهم أو صحة رسالته، لأن ذلك ثابت عندهم بالإيمان والوحي؛ وإنما تكمن أهميتها في أنها تكشف—من خارج دائرة الإيمان الإسلامي—حجم التأثير التاريخي الذي أحدثته الشخصية المحمدية والرسالة التي جاء بها.
واستحضر في هذا السياق كتاب «المائة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيراً في التاريخ» للكاتب الأمريكي مايكل هارت، الذي وضع النبي محمداً ﷺ في المرتبة الأولى تقديراً لحجم تأثيره الديني والدنيوي الاستثنائي، فضلاً عن شهادات أخرى صادرة عن شخصيات وفلاسفة اعترفوا بفرادة التجربة المحمدية وتأثيرها العميق في مسار الحضارة الإنسانية.
خصوصية الرسالة المحمدية وخاتميتها
وأبرز العلامة بن حمزة أن من أهم ما ينبغي استحضاره عند الحديث عن حقوق المصطفى ﷺ معرفة خصائص الرسالة المحمدية، وفي مقدمتها عالميتها واستمرارها وخاتمية النبوة. وأوضح أن الرسالات السابقة ارتبطت في تاريخها بأقوام وأزمنة وأمكنة محددة، بينما جاءت الرسالة المحمدية ذات أفق إنساني عالمي.
وتوقف عند قوله تعالى: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40]، مبرزاً أن ختم النبوة يمثل خصوصية أساسية للرسالة المحمدية تقتضي حفظها واستمرار صلاحيتها للناس عبر الأزمنة كافة.
الاصطفاء الإلهي وحفظ الرسالة
وفي سياق حديثه عن خصوصية الرسالة، تناول بن حمزة بعض التحولات التي طرأت على الرسالات السابقة نتيجة التأويلات والصراعات البشرية التي غيرت مسارات بعض المفاهيم العقدية عبر التاريخ (كالجدل الآريوسي في المسيحية الأولى). وأكد أن إبراز هذا البعد التاريخي يهدف إلى بيان منة الله على هذه الأمة بحفظ رسالتها الخاتمة بنصها وسنتها من كل تحريف.
معرفة الشمائل والسيرة طريق أداء الحقوق
وأكد بن حمزة أن معرفة حقوق المصطفى ﷺ لا يمكن أن تكتمل دون الإحاطة بسيرته وشمائله وخصائصه؛ لأن محبة الرسول وتعظيمه لا تنفصلان عن معرفة شخصيته الكريمة وهديه وطريقته في التعامل مع الناس. ودعا، في ختام محاضرته، إلى تعميق الاشتغال العلمي على السيرة والشمائل المحمدية، ليس باعتبارهما مادة تاريخية فحسب، وإنما لكونهما مدخلاً أصيلاً لفهم مقاصد الرسالة وتنزيل الهدي النبوي في واقع الحياة



