
أكد الباحث جمال بامي أن موسوعية ابن رشد لم تكن مجرد تعدد في الاختصاصات والمعارف، بل مشروعاً فكرياً متكاملاً يجمع بين الفلسفة والفقه والطب والفلك ضمن رؤية معرفية تسعى إلى فهم الإنسان والعالم انطلاقاً من العلاقة بين العقل والوحي، مبرزاً أن الفكر الرشدي تأسس على سؤال مركزي يتعلق بكيفية قراءة النص القرآني وفهم انتظام الكون.
وجاءت مداخلة جمال بامي خلال الندوة الوطنية العلمية التي احتضنتها كلية الطب والصيدلة وطب الأسنان بفاس يومي 14 و15 ماي 2026، في موضوع «ابن رشد الطبيب والفيلسوف»، والمنظمة بمناسبة الذكرى المئوية التاسعة لميلاد ابن رشد من طرف كرسي الألكسو لتاريخ الطب بشراكة مع مؤسسة البحث في الفلسفة والعلوم في السياقات الإسلامية ولجنة التراث، بمشاركة باحثين ومتخصصين في الفكر الإسلامي والفلسفة وتاريخ العلوم.
وأوضح الباحث أن المقاربة الإبستمولوجية للفكر الرشدي تقوم على دراسة الشروط التي أُنتجت في إطارها المعرفة عند ابن رشد، مبرزاً أن اختياراته العلمية والمعرفية كانت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً برؤيته للكون والإنسان، وأن موسوعيته لم تكن تجميعاً للعلوم بقدر ما كانت مشروعاً منسجماً للإجابة عن أسئلة وجودية ودينية كبرى.
وفي هذا السياق، توقف بامي عند مفهومي «دليل العناية» و«دليل الاختراع»، اللذين اعتبرهما من أبرز المفاهيم الرشدية وأكثرها نضجاً. فدليل العناية، بحسب عرضه، يقوم على اعتبار أن الموجودات خُلقت لخدمة الإنسان، بينما يهتم دليل الاختراع بإيجاد جواهر الأشياء كالحياة والإدراك. ورأى أن هذين المفهومين يقدمان تصوراً متقدماً في مجال الفلسفة البيئية وأخلاق الأرض، لأنهما يحمّلان الإنسان مسؤولية أخلاقية تجاه الطبيعة والكون ضمن منظومة تتطلب الحفاظ على التوازن والوعي بالعلاقة بين الإنسان والعالم.
كما أبرز المتدخل أن اهتمام ابن رشد بـ أرسطو لم يكن غاية مستقلة، بل وسيلة منهجية لفهم النص القرآني بصورة أعمق، موضحاً أن السؤال المركزي لدى ابن رشد لم يكن «كيف نفهم أرسطو؟» بل «كيف ينبغي أن نقرأ القرآن؟». وفي هذا الإطار استحضر مفهوم «تحنيف أرسطو»، الذي استخدمه عباس محمود العقاد للدلالة على إعادة تأويل الفكر الأرسطي بما ينسجم مع المرجعية الإسلامية ويؤسس للتواصل بين الشريعة والحكمة.
وعلى المستوى العلمي، أبرز جمال بامي موسوعية ابن رشد في مجالي الفقه والفلك، موضحاً أن منهجه الفقهي القائم على الخلاف والتأصيل والكليات مهد لظهور الفكر المقاصدي لدى أبو إسحاق الشاطبي، فيما عكست أبحاثه الفلكية نزعة تجريبية من خلال الربط بين الحساب الرياضي والمشاهدة الميدانية، حيث قام بأرصاد فلكية بمدينة مراكش للتحقق من الفرضيات العلمية السائدة آنذاك.
وأكد الباحث أن فلسفة ابن رشد اتخذت أيضاً طابعاً نضالياً دفاعاً عن حرية الفكر وعالمية العقل، إذ كان يؤمن بأن المعرفة الإنسانية تراكم مشترك بين مختلف الحضارات، وأن العقل البشري واحد في كل زمان ومكان، وهو ما يجسد، بحسبه، نموذجاً متقدماً في الانفتاح على الآخر والإيمان بنسبية الاجتهاد البشري.
كما تطرق بامي إلى التوتر الفكري الذي أحاط بابن رشد خلال حياته، مستحضراً علاقته ببعض خصومه الفكريين، إلى جانب لقائه الشهير بـ ابن عربي، والذي اعتبره لحظة رمزية للحوار بين البرهان العقلي والكشف العرفاني. وأوضح أن ابن رشد، رغم دفاعه عن النظر العقلي باعتباره الطريق العام للمعرفة، لم يرفض التجربة الصوفية بشكل مطلق، لكنه رأى أنها ليست طريقاً عاماً لعامة الناس.
وفي ما يتعلق بالإرث العالمي للفكر الرشدي، أكد المتدخل أن تأثير ابن رشد تجاوز العالم الإسلامي نحو أوروبا اللاتينية، حيث ظهر ما يعرف بـ«ابن رشد اللاتيني»، الذي ترك أثراً عميقاً في الفكر الأوروبي الوسيط والحديث. كما استحضر حضوره في أعمال أدبية وفنية عالمية، من بينها كتابات دانتي أليغييري وخورخي لويس بورخيس وجيمس جويس، فضلاً عن ظهوره بملامحه المغربية وعمامته الأندلسية في لوحة مدرسة أثينا للفنان رافاييل.
واختتم الباحث مداخلته بالتأكيد على أن موسوعية ابن رشد تمثل مشروعاً حضارياً متكاملاً يجمع بين البرهان الفلسفي والتجربة العلمية والاجتهاد الفقهي ضمن رؤية تنطلق من المرجعية القرآنية وتخاطب العقل الإنساني الكوني، بما يجعل الفكر الرشدي حاضراً بقوة في النقاشات الفكرية والفلسفية المعاصرة.



