
تثار قضية لا يزال فيها التباس كبير لدى كثير من الباحثين والدارسين لتاريخ الأديان ولعلم الاجتماع الديني بالخصوص، حيث يذهب هؤلاء إلى أن التمثل بقضي على المثال وأن النسبي يلغي المطلق؛ بمعنى أن مطلقات الدين ومثالاته أو قيمه العليا، لا تبقى كذلك حينما تتحول إلى تدين وتمثل اجتماعي، وحينما تخالط القصور والنسبية البشرية؛ فجمعوا بين نقد التمثل ونقد المثال، وبين نقد النسبي ونقد المطلق. وهذا فيه خلط كبير يفضي إلى الغاء المرجعيات الكلية والأطر المعيارية الموجهة، التي لها صلاحية التقويم والاستدراك.
التكليف بالمقدور والتمثل بحسب الوسع والطاقة
يختلف النموذج المعرفي الإسلامي في مقاربته لهذا الاشكال، إذ يعتمد في تلك الثنائيات مقاربة الوصل بدل الفصل والتكامل بدل التقابل والدمج والتركيب بدل التفكيك؛ إذ صار ممكنا في هذا النموذج تنسيب المطلق وتمثل المثال، وصار ممكنا في الآن نفسه الجمع بين الارتباط بالوجود الأرضي، وبين التشوف والسمو الروحي. فليس مطلوبا من الانسان في هذا المنظور الانقطاع إلى اللذات الأرضية ولا الانقطاع عنها، فكلاهما خروج عن الحالة الإنسانية وانفصال عن الفطرة البشرية؛ ليس مطلوبا منه التماهي مع المطلق أو التطابق مع المثال، ولا التماهي مع ما يدب على الأرض من أنعام ومطابقة وجودها الغريزي.
فالوحي قيم ومكارم أخلاق ترشد الانسان إلى سبل السلام وتهديه للتي هي أقوم في حياته، آيات تسدد السعي والحركة وتحدد الوجهة والقبلة في السير؛ وبدونها يضل الانسان ويشقى، ولهذا فهو مستخلف بحمله لها، ومن ههنا ضرورتها لكنها لا تكفي لوحدها؛ إذ لابد لها من مجال استخلاف وسعي يتحقق فيه وجودها هو هذه الأرض الحاملة للإنسان، والتي سخرها الله له برا وجوا وبحرا ليحقق هذا الوجود المعنوي ويتحقق به. ولهذا فالارتباط بين الدين والدنيا في هذا المنظور وثيق، إذ السعي في الأرض تكليف وابتلاء وتمحيص..، وهو محل الجزاء ثوابا أو عقابا في الآخرة؛ وجاء التذكير القرآني بابتغاء الاخرة دون نسيان الدنيا وبطلب الحسنات فيهما معا؛ كما في قوله تعالى:
﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾ [القصص: 77]
﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [البقرة: .]199
فلا يوجد إذن انقطاع عن الدنيا وتعلق كلي بالغيب، ولا تعلق كلي بالدنيا وانقطاع عن الغيب؛ وهذه المعادلة الصعبة التي على المتدين الاجتهاد في تحقيق توازنه فيها دون غلو أو إفراط أو تفريط، أي الجمع والتحقق بين الوجودين الدنيوي والأخروي.
ولنا أن نفهم هذا البعد في العتاب النبوي الشريف للنفر الثلاثة الذين تقالوا عبادته صلى الله عليه وسلم، فقرروا عدم النوم وعدم الأكل وعدم الزواج؛ وهذا معناه الخروج عن الفطرة البشرية بفهم مغال في التعبد والتدين؛ فردهم عليه الصلاة والسلام عن هذا الغلو والتنطع إلى حال الاعتدال السوية المسنونة في سنته وسيرته، وقال: “فمن رغب عن سنتي فليس مني”، )البخاري: كتاب النكاح، باب الترغيب في النكاح؛ ومسلم: كتاب النكاح، باب استحباب النكاح(؛ أي أن السنة ليست مجرد ادعاء، ولكن اتباع واقتداء وتأس. ويدخل في ذلك كل صيغ النهي عن الغلو والتنطع والتشدد والانبتات، المنافية لروح اليسر في الدين والمخالفة للفطرة والمقدور البشري في التدين. ويكفي أن نستحضر الحديث النبوي الشريف في صحيح البخاري: “إن الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه، فسددوا وقاربوا..، الحديث” )كتاب الإيمان، باب الدين يسر وقول النبي صلى الله عليه وسلم: “أحب الدين إلى الله الحنيفية السمحة.(“
يعطينا النموذج التفسيري الإسلامي حلا لهذا الاشكال في “التكليف بالمقدور” أي التمثل حسب الوسع والطاقة، كما تدل على ذلك الآيات: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ]285، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ]16، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ]7؛ وفي الصحيحين: “إذا أمرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم” )البخاري: كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة، باب الاقتداء بسنن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ مسلم: كتاب الحج، باب فرض الحج مرة في العمر.( ولا بد من التأكيد هنا على أن هذه النصوص، هي نصوص في ضرورة بذل الجهد واستفراغ الوسع والطاقة في التمثل حتى بلوغ درجة من العجز أو المشقة فيصار إلى التخفيف، فـ “المشقة تجلب التيسير” بناء على قوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ]184، ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: .]76
والمراد بذل الوسع أولا قبل التذرع بالكلفة التي تتخذ أحيانا ذريعة للتهاون أو التقصير في أداء الواجبات.
المنظور الإسلامي هنا منسجم مع الفطرة في أصل الِخلقة الجامعة بين قبضة الطين ونفخة الروح، قبضة الطين التي يشترك فيها الانسان مع المخلوقات الأرضية في تصريف الغرائز، ونفخة الروح التي يشترك فيها مع المخلوقات العلوية في السمو والتعالي. تمنعه قبضة الطين من أن يكون علويا محضا، وتمنعه نفخة الروح من أن يكون طينيا محضا؛ وهذه المعادلة والموازنة هي ما ينبغي للإنسان أن يجتهد في التحقق بهما من غير إفراط أو تفريط هنا أو هناك.
إن التدين في هذا المنظور هو مرور المطلق عبر النسبي، أو تشخص المثال المتعالي في حال المتدين الواقعي، ويكون ذلك ببذل الوسع والمقدور كما تقدم؛ وهذه العملية تقع في مراتب وتحفها مزالق، وهي التي قلنا تحتاج إلى معرفة وفقه مواكب.
فمراتبها حسب أقدار وجهود المكلفين، فهي كما يقول الشاطبي واصفا العمل الاجتهادي في تنزيل الحكم على ما يليق به من الأفعال بحسب الحالات: “النفوس ليست في قبول الاعمال الخاصة على وازن واحد كما أنها في العلوم والصنائع كذلك (…) فصاحب هذا التحقيق الخاص هو الذي رزق نورا يعرف به النفوس ومراميها وتفاوت ادراكها وقوة تحملها للتكاليف وصبرها على حمل اعبائها او ضعفها (…) فهو يمَل على كل نفس من أحكام النصوص ما يليق بها بناء على ان ذلك هو المقصود الشرعي في تلقي التكاليف”؛ )انظر الموافقات، .(84-83/3
وأما مزالقها فحسب ما يعتريها من إحسان أو إساءة، ومن خطأ أو صواب، ومن غفلة أوغلبة عادة أو طبع، وغير ذلك من عوارض القصور والنقص البشري؛ وقد يتلبس ذلك بلبس الدين ويقدم على أنه دين. ويبقى المطلق والمثال مرجعين معياريين حاكمين، بهما يكون تقويم اختلالات التمثل والاستدراك على مواطن اللبس والقصور فيها. وسيبقى التمثل جهدا بشريا محفوفا بالأخطاء والمزالق، وما على المتمثل المتدين إلا الاجتهاد في تقويمها وتصويبها باستمرار؛ وفي هذا يندرج معنى الخطأ والاستغفار والتوبة منه، لقوله تعالى:
﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [النساء: ]17،
﴿فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ]41،
﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَىٰ مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ]135؛
وكذلك معنى إتباع السيئة الحسنة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِّنَ اللَّيْلِ ۚ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ۚ ذَٰلِكَ ذِكْرَىٰ لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: .]114
وفي الحديث: “اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن” )جامع الترمذي، أبواب البر والصلة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، باب ما جاء في معاشرة الناس.( وتندرج في ذلك كل صيغ الذكر ومحاسبة النفس التي تقوي الوازع الذاتي، وتجعله أكثر قدرة على فعل الخير وتجنب الشر، وعلى لزوم المعروف وتجنب المنكر، وعلى الاحسان وتجنب الإساءة قدر الإمكان.
التنسيب لا يلغي المطلق والتمثل لا يقضي على المثال
تثار هنا قضية لا يزال فيها التباس كبير لدى كثير من الباحثين والدارسين لتاريخ الأديان ولعلم الاجتماع الديني بالخصوص، حيث يذهب هؤلاء إلى أن التمثل بقضي على المثال وأن النسبي يلغي المطلق؛ بمعنى أن مطلقات الدين ومثالاته أو قيمه العليا، لا تبقى كذلك حينما تتحول إلى تدين وتمثل اجتماعي، وحينما تخالط القصور والنسبية البشرية؛ فجمعوا بين نقد التمثل ونقد المثال، وبين نقد النسبي ونقد المطلق. وهذا فيه خلط كبير يفضي إلى الغاء المرجعيات الكلية والأطر المعيارية الموجهة، التي لها صلاحية التقويم والاستدراك. فكيف نُقَوِّمُ إذن وبماذا إذا هيمنت النسبية وبعدها السيولة الجارفة؟ وكيف يكون مصدر النسبية والقصور مرجعا في الإصلاح والتقويم؟ ولا نتحدث هنا عن تجارب العلم وعن تطور المعرفة؛ فهذه يمكن تقويمها ذاتيا بتجاوز الأخطاء فيها، كما هي المقولة الشهيرة لفيلسوف العلوم غ. باشلار: “تاريخ العلم هو تاريخ أخطاء العلم.” وإنما المراد وجهة العلم والمعرفة، والقيم والغايات الكبرى في الحياة، وتحصيل اليقين والسعادة..، وغير ذلك مما كان محل انتقاد النقاد كما تقدم، ومما هو متجاوز للنسبية والقصور البشري. إلا أن يتوهم الانسان في نفسه صفات الاله كما يدل على ذلك كتاب المفكر الفرنسي لوك فيري “الانسان المؤله والمعنى في الحياة”، حيث يمكن للإنسان استيعاب القيم المطلقة والتحكم فيها.
لم يستوعب هذا الاتجاه هذه الجدلية بين الدين المطلق والتدين النسبي، حينما اعتبر أن المطلق والمثال ينتهي دورهما مع عملية التنسيب والتمثل، أي حينما يتحولان إلى تدين اجتماعي وكأن كل جماعة تصنع دينها وطقوسها التعبدية كما لاحظنا مع إميل دوركايم، دون توجيه أو انقياد لمطلقات متجاوزة. وحتى إن فرضت هذا المطلقات نفسها بشكل أو باخر، فإن النقد الموجه إلى القصور في التدين الاجتماعي يطالها بالأساس، باعتبار ذلك القصور كامنا فيها بالقوة أخرجه التمثل الاجتماعي إلى الوجود بالفعل. نحصل في النهاية على ما يقرره المجتمع في سياقاته التاريخية، وفي تحول بنياته الأخلاقية التي تفرز قيما جديدة تستجيب لواقع الحياة، كما هو واقع السيولة والاستهلاك في الخطاب الحداثي اليوم. ويختلف هذا الاتجاه عن سابقه الذي فصل بين المثال والواقع، فهذا أبقى على المثال وعلى القيم المطلقة ولو عجز عن تمثلها، يستحضرها ولو كشعار عند الحاجة؛ في حين ألغى الثاني المثال والمطلق وعطل وظيفتهما في التقويم، بل وجعل ذلك من إمكانات الفعل الإنساني ذاته.
قلة من الباحثين حاولوا التمييز بين الدين والتدين كما فعل المفكر عبد الجواد ياسين لما تحدث عن “الدين في ذاته”، وعن “الدين في الممارسة الاجتماعية”؛ معتبرا الأول هو الوحي المطلق المتعالي الذي يقع خارج الاجتماع، ومعتبرا الثاني هو التدين أي تجليات هذا المتعالي في الممارسة الاجتماعية. لكننا نجده مع ذلك يعتبر التشريعات الاجتماعية الواردة في النص تمثلات اجتماعية “تحد من فاعلية تمدده في الزمان”، وتحول “دون اعتبار التشريع من جوهر الدين”، )انظر له: الدين والتدين.( ونرى أن ورود أي تشريع اجتماعي في النص، ما لم ينص على خصوصيته، يكتسي إطلاقية النص، تماما كما هو شأن أسباب نزول كثير من الآيات، وهذا أحد معاني إعادة ترتيب الآي والسور على غير نزولها لجعلها ممتدة في الزمان ومستوعبة لأحوال الانسان.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الحقيقة الدينية باعتبارها تقديسا وتطلعا إلى مثال أعلى؛ أو شعورا بالقصور والعجز والحيرة، والبحث عن حلها في المثال المطلق، كل ذلك حقيقة كونية وجودية ملازمة للإنسان؛ وما المدارس والتوجهات الفكرية إلا زوايا نظر مختلفة إلى هذه الحقيقة. وصور تدين الانسان عبر التاريخ والى اليوم كثيرة وكثيفة، حتى إن بعض الأنثروبولوجيين يؤكدون أنه لم توجد جماعة بشرية قط، خلت من أي مظهر من مظاهر التقديس. ولقد أزاح تطور العلم والوعي والنضج العقلي، كثيرا من الصور الخرافية والأسطورية في هذا الاتجاه ولايزال يفعل ذلك.
ونعتقد أن العرض القرآني للحقيقة الدينية، من جهة كونها فطرة في كينونة الانسان وتكريمه لأجلها؛ ومن جهة انبناء، كل حقائقها في عالم الغيب كما في عالم الشهادة على النظر العلمي والعقلي والاستدلال البرهاني؛ ومن جهة اسناد الاختيار إلى الانسان بحرية تامة من غير إكراه بعد البيان؛ ومن جهة بيان سبل الهداية والاستقامة وتحصيل السعادة في الحياة؛ ومن جهة تحميل الانسان مسؤوليته الجزائية بعد ذلك كله. نعتقد أن هذه الخصوصيات، وغيرها، التي تميزت بها رسالة الختم والاصطفاء الكوني، تجعلها في انسجام تام مع حقائق الكون والوجود الإنساني، ومع تطور العلم والمعرفة؛ وإنما تنأى بها التفسيرات والتأويلات يمنة أو يسرة حينما تعرض حقائقها على غير وجهها، مما يتَاج معه إلى مزيد التدقيق والتمحيص. )انظر في هذه المعاني: كتاب الدين لعبد الله دراز؛ وكتاب: روح الدين له عبد الرحمن.(
يتبع



