slidertrendingدراسات

سعيد شبار يكتب عن إشكالية الدين والتدين  – 3/3

إنَّ ثَمَّةَ وَعْياً مُتَزَايِداً بِضَرُورَةِ اسْتِعَادَةِ الإِنْسَانِيَّةِ لِلدِّينِ؛ بَحْثاً عَنِ الْمَعْنَى فِي الْحَيَاةِ، وَطَلَباً لِلْيَقِينِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَعِلَاجاً لِآفَاتِ الْقَلَقِ وَالْحَيْرَةِ وَالِاخْتِلَالَاتِ السُّلُوكِيَّةِ، وَإِجَابَةً عَنِ الْأَسْئِلَةِ الْمَصِيرِيَّةِ الْعَالِقَةِ، وَعَنْ غَايَاتِ الْوُجُودِ وَمَقَاصِدِهِ؛ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَسْتَقِلُّ بِهِ نَظَرُ الْعَقْلِ وَلَا تَطَوُّرُ الْعِلْمِ، وَإِنْ كَانَا يُسْعِفَانِ فِي الْفَهْمِ وَالْمَعْرِفَةِ.


الإيمان ثمرته العمل الصالح، والعبادات ثمرتها استقامة السلوك

إذا تجاوزنا هذه الأطروحات والسجال الدائر فيها وحولها، ولزمنا الأصل التكاملي المقرر فطرة ووجودا بين المثال وتمثله في الواقع من خلال الوسع والمقدور، نجد المنظور الإسلامي يتجاوز هذا الاشكال من مدخل آخر وهو الجمع بين الإيمان والعمل الصالح، وكذلك الجمع بين العبادات وثمراتها في تقويم السلوك، علما أن الإيمان والعبادات مطلقات والعمل والسلوك نسبيان. وأما الجمع بين الإيمان والعمل فهو المقرر في كثير من نصوص القرآن:

«الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ». والسنة العملية كلها بيان لذلك؛ هذا مع ضرورة الانتباه إلى غلو طوائف من المتكلمين حيث كفر بعضهم المسلمين بترك الاعمال أو إتيان المعاصي مثل الخوارج، وحيث فَصل بعضهم بين الإيمان والعمل ولم يجعل لأحدهما تأثيرا في الاخر مثل المرجئة، كما في قولهم بأنه “لا يضر مع إيمان معصية ولا ينفع مع كفر طاعة”؛ ومنهج السلف هنا عدم التكفير وعدم الفصل. فمرتكب المعصية عندهم على أصله من الإيمان لكنه عاص بما ارتكب يتوجب عليه التوبة والاقلاع، وإن مات صار إلى مشيئة الله، على خلاف من زعم أنه إلى النار من المعتزلة والخوارج. والأعمال عند أهل السنة شرط كمال في الإيمان، ملازمة له وليست منفصلة عنه يزيد بها وينقص؛ أي يزيد بالطاعات والأعمال الصالحة وينقص بالذنوب والمعاصي. ويجد هذا أصله

في القران الكريم كما في قوله تعالى: 

﴿إِنَّمَا الْمُومِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتْهُمْ إِيمَٰناٗ وَعَلَىٰ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2]

وَإِذَا مَآ أُنزِلَتْ سُورَةٞ فَمِنْهُم مَّن يَّقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰناٗۖ فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَٰناٗ وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ [التوبة: 125]

﴿قَالُواْ هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُۥ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّآ إِيمَٰناٗ وَتَسْلِيماٗ﴾ [الأحزاب: 22]

﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَٰبَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِيمَٰناٗ﴾ [المدثر: 31]

ولرفع إشكال الجمع بين الإيمان والمعصية، كما في الحديث الشريف في الصحيحين: «لَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ، وَلَا يَسْرِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ» )الحديث( )البخاري كتاب الحدود، باب ما يذَر من الحدود؛ مسلم كتاب الإيمان، باب بيان نقصان الإيمان بالمعاصي ونفيه عن المتلبس بالمعصية على إرادة نفي كماله.” إذ لا يعني ذلك رفع أصل الإيمان الذي يعني الاخراج من الملة، وإنما رفع كماله لدى المتلبس بهذه المعاصي؛ وقال النووي في الحديث: “هذا الحديث مما اختلف العلماء في معناه، فالقول الصحيح الذي قاله المحققون أن معناه: لا يفعل هذه المعاصي وهو كامل الإيمان، وهذا من الألفاظ التي تطلق على نفي الشيء ويراد نفي كماله”؛ وبرر تأويله هذا استنادا إلى نصوص أخرى من القران والسنة تنفي الإخراج من الملة إلا بالشرك أو الجحود والانكار، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِۦ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَّشَآءُ﴾ [النساء: 47]، وحديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم: «مَنْ قَالَ: لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ؛ دَخَلَ الْجَنَّةَ» )في الصحيحين بروايات مختلفة؛ البخاري كتاب الجنائز، باب ما جاء في الجنائز وكان آخر كلامه لا إله إلا الله؛ مسلم كتاب الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا(؛ وحديث عبادة بن الصامت “الصحيح المشهور:” “أنهم بايعوه صلى اللهعليه وسلم على أن لا يسرقوا ولا يزنوا ولا يعصوا..؛ ثم قال لهم صلى الله عليه وسلم: فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن فعل شيئا من ذلك فعوقب في الدنيا فهو كفارته، ومن فعل ولم يعاقب فهو إلى الله تعالى، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه.” كما ذكر “إجماع أهل الحق أن أصحاب الكبائر غير الشرك لا يكفرون بذلك، بل هم مؤمنون ناقصو الإيمان، إن تابوا سقطت عقوبتهم وإن ماتوا مصرين على الكبائر كانوا في المشيئة.” وقال بأن: “كل هذه الأدلة تضطرنا إلى تأويل هذا الحديث وشبهه، ثم إن هذا التأويل ظاهر سائغ في اللغة.”

وذكر النووي تأويلات أخرى مختلفة لعلماء من سلف الأمة في تأويل عدم اجتماع الإيمان

بالمعصية، منها: “أن يكون فَعل [العاصي] ذلك مستحلا له [لفعله]، مع علمه بورود الشرع بتحريمه”، “وقيل يَنزع منه نور الإيمان”، “وقيل يَنزع منه بصيرته في طاعة الله..”؛ ثم قال: “وهذه الأقوال التي ذكرتها في تأويله كلها محتملة، والصحيح في معنى الحديث ما قدمناه أولا والله أعلم.”

وذكر الحافظ ابن حجر في فتح الباري في “كتاب الحدود”، اختيار النووي وقال: “وعلى القول الذي رجحه النووي لا إشكال في شيء من ذلك لأن لنقص الكمال مراتب بعضها أقوى من بعض.” والتمس طائفة أخرى من المعاني والتأويلات لم يذكرها النووي، كلها تؤكد المعنى ذاته. قال: “وحاصل ما اجتمع لنا من الأقوال في معنى هذا الحديث ثلاثة عشر قولا خارجا عن قول الخوارج وعن قول المعتزلة، وقد أشرت إلى أن بعض الأقوال المنسوبة لأهل السنة يمكن رد بعضها إلى بعض.” نذكر منها: قول الطبري أن: «مِنْ أَقْوَى مَا يَحْمِلُ عَلَى صَرْفِهِ [الحديثَ[ عن ظاهره إيجاب الحد في الزنا على أنحاء مختلفة، في حق الحر المحصن والحر البكر وفي حق العبد؛ فلو كان المراد بنفي الإيمان ثبوت الكفر لاستووا في العقوبة، لأن المكلفين فيما يتعلق بالإيمان والكفر سواء. فلما كان الواجب فيه من العقوبة مختلفا، دل على أن مرتكب ذلك ليس بكافر حقيقة.”

قول الخطابي: “كان بعضهم يرويه ولا يشربِ، )بكسر الباء( على معنى النهي، والمعنى: المؤمن لا ينبغي له أن يفعل ذلك، قول ابن بطال: “إن الإيمان هو التصديق، غير أن للتصديق معنيين أحدهما قول والأخر عمل؛ فإذا ركب المصدق كبيرة فارقه اسم الإيمان، فإذا كف عنها عاد إليه الاسم. لأنه في حال كفه عن الكبيرة مجتنب بلسانه ولسانه مصدق عقد قلبه وذلك معنى الإيمان.”

قول ابن حزم، قال ابن حجر: “وأظن أن ابن بطال تلقى ذلك من ابن حزم، فإنه قال: ” المعتمد عليه عند أهل السنة أن الإيمان اعتقاد بالقلب ونطق باللسان وعمل بالجوارح، وهو يشمل عمل الطاعة والكف عن المعصية، فالمرتكب لبعض ما ذكر لم يختل اعتقاده ولا نطقه، بل اختلت طاعته فقط، فليس بمؤمن بمعنى أنه ليس بمطيع، فمعنى نفي الإيمان محمول على الإنذار بزواله ممن اعتاد ذلك لأنه يخشى عليه أن يفضي به إلى الكفر”.

قول المازري أن: “هذه التأويلات تدفع قول الخوارج ومن وافقهم من الرافضة، أن مرتكب الكبيرة كافر مخلد في النار إذا مات من غير توبة، وكذا قول المعتزلة إنه فاسق مخلد في النار؛ فإن الطوائف المذكورين تعلقوا بهذا الحديث وشبهه، وإذا احتمل ما قلناه اندفعت حجتهم.”

قول القاضي عياض: “أشار بعض العلماء إلى أن في هذا الحديث تنبيها على جميع أنواع المعاصي والتحذير منها، فنبه بالزنا على جميع الشهوات، وبالسرقة على الرغبة في الدنيا والحرص على الحرام، وبالخمر على جميع ما يصد عن الله تعالى ويوجب الغفلة عن حقوقه، وبالانتهاب الموصوف على الاستخفاف بعباد الله وترك توقيرهم والحياء منهم.”

قول الطيبي: “يتَمل أن يكون الذي نقص من إيمان المذكور الحياء وهو المعبر عنه في الحديث الآخر بالنور، وقد مضى أن الحياء من الإيمان، فيكون التقدير: لا يزني حين يزني وهو يستحي من الله لأنه لو استحى منه وهو يعرف أنه مشاهد حاله لم يرتكب ذلك.”

ونخلص من هذا إلى أن الإيمان ملازم للعمل ومُوجه، بل مؤثر في جعله صالحا، وأن الإيمان باعتباره تصديقا لا يزول إلا بالجحود والانكار، وأن المعصية تؤثر فيه نقصا وإن لم تلغه أصلا، وأن مرتكبها آثم عاص تتوجب عليه التوبة، وإن مات على ذلك فهو إلى مشيئة الله. وقد أطلنا بهذه النقول لبيان وجوه كشف العلماء عن المعاني والدلالات المختلفة في الحديث، وكذا الفوائد العلمية والتربوية المنطوية فيه. وفي بيان صلة الإيمان بالعمل نجد الامام البخاري يترجم لأحد أبوابه من “كتاب الإيمان”

بقوله: “باب من قال إن الإيمان هو العمل لقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِيٓ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]، وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْـَٔلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ۝ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: 92 – 93]

عن قول لا إله إلا الله”؛ فجعل من “لا إله إلا الله” التي هي عنوان الإيمان عملا، وأن هذا العملهو محل السؤال والجزاء. إذا أضيف إلى هذا أن البخاري في مكان آخر من نفس الكتاب، جعل منها “علما” كذلك، في قوله: “باب العلم قبل القول والعمل، لقوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [محمد: 19] ؛ حيث جعل العلم أساس المعرفة والعمل بشعار التوحيد “لا إله إلا الله”، كي لا يتلبس بضروب من الجهل تضر أو تخل به. يكون بذلك الإيمان والعلم به والعمل به، ركائز أساسية وصلبة في الدين والتدين معا. وفي نفس السياق، أخرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم “سئل أي العمل أفضل؟ فقال: إيمان بالله ورسوله.. )الحديث”( فجعل من الإيمان عملا ومن العمل إيمانا؛ ولهذا أيضا عرف أهل السنة الإيمانبأنه اعتقاد بالجنان وإقرار باللسان وعمل بالأركان أو الجوارح، إذ كلها أعمال سواء تعلقت بالقلب أو اللسان أو الجوارح، وبعضها أصل وبعضها تجل عن ذلك الأصل.

لقد تم التعبير عن العمل في القران الكريم بلفظ العمل وبألفاظ أخرى مثل السعي والكدح والجهد،  كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُۥ وَالْمُومِنُونَ﴾ [التوبة: 106]  ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلِانسَٰنِ إِلَّا مَا سَعَىٰ﴾ [النجم: 38]  ﴿يَٰٓأَيُّهَا الْانسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحاٗ فَمُلَٰقِيهِ﴾ [الانشقاق: 6] وَفِي ذَٰلِكَ ءَايَاتٌ كَثِيرَاتٌ، مِنْهَا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَٰلِحاٗ مِّن ذَكَرٍ اَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُومِنٞ فَلَنُحْيِيَنَّهُۥ حَيَوٰةٗ طَيِّبَةٗ﴾ [النحل: 97] ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْاخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُومِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُوراٗ﴾ [الإسراء: 19]

فالإيمان إذن خلفية العملالاعتقادية، حيث ينبغي أن يستحضره الانسان المكلف في كل قول أو فعل، وذلك أن الله تعالى الذي نؤمن به هو من يأمر بتصريف الاعمال في هذا الاتجاه وبصرفها عن ذلك الاتجاه؛ وهذا أفضل علاج لمظاهر الارجاء الخفي التي تجتاح كثيرا من الناس اليوم بفصلهم للأعمال عن الإيمان.

يلحق بهذا، أن للعبادات التي نؤديها ثمرات ينبغي أن تتجلى في السلوك استقامة وإحسانا، وهي مقاصد وثمرات معلنة ومنصوصة، لكنها لا تتحقق في المتدين لنفس العلة الأصل، أي إشكال الإيمان والعمل. وكما في الآيات والأحاديث، فالصلاة توطد الصلة والتعلق بالله تعالى في مقام التعبد، وتنهى عنالفحشاء والمنكر في مقام المعاملة؛ والصوم إمساك عن الإساءات والمخالفات كما هو إمساك عن الاكل والشرب، أي نصوم عن المباح تعبدا كي نتأهل للصوم عن الحرام معاملة؛ والزكاة طهرة ونماء تزكو بها النفس عطاء لله تعالى، ويصَل بها الانتفاع والتضامن معاملة بين الناس؛ والحج يعلمنا التجرد والافتقار إلى الله تعالى واستعادة حقيقة الوجود الإنساني اعتقادا، ليحصل به التعايش السلمي والامن والتعاون على البر والتقوى معاملة بين الناس. وهكذا سائر الطاعات والقربات، الأصل فيها أنها لله تعالى، والامتداد فيها أنها معاملة مع الناس.

مطلوب في التدين:

ـ الاجتهاد في تحصيل الوعي والمعرفة بأن الإيمان عمل وأن العمل إيمان، فمن يفعل ذلك يتحرى الأعمال الصالحة ويتجنب الفاسدة، ويجدُّ في تحرير نفسه من هواها وحظوظها، وفي محاسبتها باستمرار؛

ـ الاجتهاد في تحصيل ثمرات العبادات في الاستقامة وتحسين السلوك، ومن يفعل ذلك يجعل لطاعاته معنى في حياته، ويجدُّ في تزكية نفسه والسمو بها في مدارج الكمالات؛

ـ الاجتهاد في تحرير العبادات من العادات، بل وفي جعل العادات عبادات، حتى يكون الدين غالبا على الطبع أو التطبع لدى المتدين؛

ـ الاجتهاد في تمثل حقائق الدين حسب الوسع والمقدور من غير غلو وتنطع، والسعي في الارتقاء الدائم في مدارج الدين برفق؛

ـ الاجتهاد في التخلق بأخلاق الدين في كل الأحوال وفي جميع المهام، وتجنب الآفات والمخالفات باعتبار أن الدين أخلاق وأن الأخلاق دين.

ـ الاجتهاد في اعتبار الالتزام بالنظم والقوانين الخادمة لكليات وأصول الدين تدينا وتعبدا تتحقق به المصالح وتندفع به المفاسد، في الأمن والعدل والصحة وغير ذلك.

ـ الاجتهاد في التعرف على آيات الله تعالى في النص وفي الآفاق وفي الأنفس، وعلى العلوم الخادمة لها، فبعضها ييَل على بعض، ويفسح زوايا النظر أكثر كما يمنح فرصا للفهم أسد وأرشد.

فهذه وغيرها، صور اجتهادية من الانسان في التدين، ولهذا نجد بالإضافة إلى صيغ: السعي والعمل والكدح والجهد، صيغا أخرى تحفز على طلب هذا العلو والسمو، من قبيل: المسارعة والاستباق والابتغاء والتنافس، كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَٰتِ﴾ [البقرة: 147] ﴿يُسَٰرِعُونَ فِي الْخَيْرَٰتِ﴾ [المؤمنون: 62]

﴿وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَٰفِسُونَ﴾ [المطففين: 26] ﴿وَسَارِعُوٓاْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٖ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ [آل عمران: 133]  ﴿وَلِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِۦ﴾ [الجاثية: 11]

من خلال هذا المنظور نستطيع معالجة كثير من صور التدين النسبي بالدين المطلق، والتمثل النسبي بالمثال المطلق؛ ونستطيع تجاوز كثير من صور القطيعة أو الإلغاء بينهما. بل ونستطيع وضع حد لكثير من الخصومات والصراعات والآفات، وكل ما لم يكن ممكنا تصور تكامله في منظور الغرب بين المعارف الدينية والدنيوية. فعلوم الدين وعلوم الانسان وعلوم الكون واحدة في هذا المنظور، الذي يجعل منها كلها آيات لله في النص وفي الآفاق وفي الأنفس.

إن هناك وعيا متزايدا بضرورة استعادة الإنسانية للدين، معنى في الحياة، وطلبا لليقين والطمأنينة، وعلاجا لآفات القلق والحيرة والاختلالات السلوكية، وإجابة عن الأسئلة المصيرية العالقة، وعن غايات ومقاصد الوجود…؛ وغير ذلك مما لا يسَم فيه نظر العقل ولا تطور العلم، وإن كانا يسعفان في الفهم والمعرفة. وكل حركات النقد لنموذج الحياة السائد والمهيمن اليوم تصب في هذا الاتجاه وتعززه بشكل أو باخر؛ لكن مشكل التدين يبقى مطروحا على الانسان هل سيحسن تمثل هذه المعاني أم سيبقى مسيئا؟ ومشكل حضورنا فيه أو غيابنا عنه كمسلمين، معنا أتم وأكمل رسالات السماء إلى الانسان، تمثلا واستقامة في أنفسنا وعرضا على غيرنا.

والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

 سعيد شبار، الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى