

بينما كان الشعب المغربي يعيش أجواء الاحتفال بعيد العرش، ويتابع خطاب جلالة الملك محمد السادس عبر القنوات التلفزية والإذاعية، كانت مدينة سبتة المحتلة والمناطق الشمالية تشهد مشهداً موازياً يحمل دلالات: تدافعاً بشرياً عارماً أمام بوابات العبور نحو الضفة الأخرى.
لم يكن الحدث مجرد محاولة جماعية للهجرة غير النظامية، بل بدا، في كثافته وتوقيته وزخمه الرقمي، حدثاً مفصلياً متعدّد الأبعاد.
سارع البعض إلى تفسير ما حدث من زاوية أخلاقية وأسرية، وربطه آخرون بفشل السياسات العمومية في إنتاج تنمية ترابية متوازنة، فيما ذهبت قراءات أخرى إلى اعتباره نتيجة مباشرة لاختلالات في تدبير ملف الهجرة داخل إسبانيا والاتحاد الأوروبي. غير أن خطورة الحدث لا تكمن فقط في أعداد العابرين أو في حجم التدافع، بل في كونه يكشف عن تحولات عميقة في مفهوم الحدود، وفي طبيعة التعبئة الاجتماعية، وفي هشاشة البنيات الوسيطة التي كانت، في السابق، تمتص التوترات الاجتماعية قبل تفاقمها.
على المستوى المحلي، برز خطاب تقليدي يربط الظاهرة بانهيار البنية الأسرية وتراجع منظومة القيم، محملاً الأسر مسؤولية عجزها عن ضبط مسارات أبنائها وتوجيه اختياراتهم. هذا التفسير، وإن كان يعكس قلقاً اجتماعياً مشروعاً، يبقى قاصراً إذا تحوّل إلى إدانة أخلاقية مبسطة؛ فالهجرة غير النظامية ليست دائماً نتيجة خلل تربوي، بقدر ما هي، في كثير من الأحيان، تعبير صريح عن انسداد الأفق الاجتماعي والاقتصادي والنفسي.
في المقابل، ركزت قراءة أخرى على فشل السياسات الحكومية في تحقيق الإدماج الاجتماعي، وتوفير فرص اقتصادية عادلة، وإنتاج تنمية يستفيد منها الجميع. هذه المقاربة أكثر قدرة على فهم الظاهرة في امتدادها البنيوي، لأنها تربط الهجرة بالبطالة، والفقر، والهشاشة، والتهميش الحضري، وضعف الثقة في المؤسسات. غير أنها بدورها تظل ناقصة إذا اختزلت المسألة في البعد الاقتصادي وحده؛ فالجيل الجديد لا يتحرك فقط بدافع الحاجة المادية، بل أيضاً بدافع المقارنة الدائمة، وتضخم التوقعات، والشعور بأن المستقبل المحلي لم يعد قادراً على منافسة الصورة المتخيلة عن أوروبا.
إن ما جرى في سبتة لا يمكن قراءته بوصفه تمرداً اجتماعياً بالمعنى الكلاسيكي، ولا مجرد موجة هجرة عابرة، بل هو أقرب إلى انفجار رمزي لجيل يعيش على تخوم الواقع والافتراض؛ بين حيّ مهمش في مدينة مغربية، وصورة لامعة عن الحياة الأوروبية تتدفق بلا انقطاع عبر الشاشات الذكية.
تكشف الوجوه التي انتشرت عبر المنصات الرقمية عن حضور قوي لجيل جديد، يمكن وصفه بأنه امتداد محلي لما يُعرف عالمياً بـ “جيل Z” هذا الجيل لا يتحرك وفق آليات التنظيم السياسي التقليدي، ولا ينتظر بالضرورة خطاباً حزبياً أو نقابياً أو جمعوياً ليعبّر عن غضبه أو رغبته في المغادرة. إنه جيل سريع التعبئة، هش التنظيم، شديد التأثر بالصورة، وقادر على تحويل واقعة محدودة إلى موجة جارفة بفضل السرعة الفائقة لتداول المحتوى.
هنا تظهر إحدى السمات المركزية للتحول الاجتماعي الراهن: تراجع الإيمان بالمجهود الجماعي، وصعود ثقافة النجاة الفردية. لم يعد الشباب ينتظر إصلاحاً عمومياً طويل الأمد، ولا يثق دائماً في القنوات المؤسسية للتعبير والمطالبة، بل أصبح يبحث عن منفذ مباشر ولو كان محفوفاً بالخطر. ومن هذه الزاوية، تتحول الهجرة من قرار اقتصادي إلى موقف نفسي وسياسي غير معلن، عنوانه: “الانسحاب من المجال المحلي بدلاً من محاولة تغييره”.
يضاف إلى ذلك غياب بنية تنظيمية قوية على الأرض قادرة على التقاط الغضب الاجتماعي وتحويله إلى مطالب واضحة. فحين تضعف الأحزاب، وتتراجع الوسائط المدنية، وتنكمش النقابات، وتسيطر النخب التكنوقراطية على مساحات القرار، تتعطل قنوات الصعود من الأسفل إلى الأعلى. ومع تعطّل هذه القنوات، لا يختفي التوتر، بل يبحث عن مسارات بديلة أكثر اندفاعاً.
في هذا الفراغ التنظيمي، تجد شبكات الهجرة السرية بيئة ملائمة لتكثيف نشاطها؛ فهي لا تخلق الرغبة في الهجرة من العدم، بل تستثمرها، وتنظمها، وتحوّل الإحباط الفردي إلى حركة جماعية. كما أن وسائل التواصل السريعة وفّرت لهذه الشبكات بنية دعائية غير مركزية، تسمح بتداول الإشارات، وتضخيم الروايات، وبناء رموز مؤثرة في وقت قصير.
لقد تحولت صورة “فتاة العرائش”، على سبيل المثال، إلى أيقونة رقمية متداولة، لا بسبب مضمونها الواقعي فحسب، بل لأنها اختزلت، في عين المتلقي، قصة جيل كامل يبحث عن مخرج. ومثل هذه الصور لا تتحرك وحدها في الفضاء العام، بل كثيراً ما تتدخل الكتائب الإلكترونية، والحسابات الموجهة، وشبكات التأثير، لإعادة تأطيرها عاطفياً وسياسياً، وتحويلها من مشهد إنساني مجرد إلى أداة ضغط وتعبئة وتضليل.
من زاوية أخرى، ثمة من يرى أن المشكلة، في أحد أبعادها، إسبانية داخلية قبل أن تكون مغربية؛ فقرارات القضاء الإسباني المتعلقة بعدم الإعادة الفورية لبعض المهاجرين، أو بتقييد شروط الطرد المباشر، قد تُفهم من قبل المرشحين للهجرة باعتبارها نافذة قانونية يمكن استغلالها. وفي عالم تتحرك فيه المعلومة بسرعة، لم يعد المهاجر غير النظامي معزولاً عن البنية القانونية الأوروبية، بل أصبح أكثر وعياً بالاختلافات بين الأنظمة القضائية، وأكثر قدرة على دمجها في حسابات العبور.
هذا لا يعني أن القضاء يشجع الهجرة، ولا أن المؤسسات الإسبانية تتعمد إنتاج الفوضى، لكنه يعني أن كل مرونة قانونية، حين تُقرأ في سياق هشاشة اجتماعية وضغط حدودي، قد تتحول إلى عامل جذب موضوعي.
وعلى المستوى الأوسع، يمكن القول إن ما يجري في سبتة يعكس تناقضاً أوروبياً عميقاً؛ فمن جهة، قد تجد إسبانيا نفسها مضطرة إلى إدارة الملف بقدر من المرونة بحكم الجغرافيا، والتاريخ، والارتباط اليومي بالحدود الجنوبية للمتوسط. ومن جهة أخرى، يتجه المزاج الأوروبي العام نحو مزيد من التشدد في سياسات الهجرة، تحت ضغط صعود التيار اليميني والمناهض للأجانب، وتزايد القلق بشأن قدرة الدول الأوروبية على استيعاب موجات جديدة. هذا التناقض يجعل إسبانيا عالقة بين منطقين: منطق الدولة الحدودية التي تعرف أن الصدام المفتوح قد يفاقم الأزمة، ومنطق الاتحاد الأوروبي الذي يطالب بضبط صارم للحدود الخارجية.
ولا يمكن فصل الحدث أيضاً عن السياق الإقليمي العام؛ فقد قرأ بعض المراقبين ما جرى في ضوء التوترات الدورية بين المغرب وإسبانيا، خصوصاً في ظل تحولات الموقف الإسباني من قضايا المنطقة، وعلاقة مدريد بكل من الرباط والجزائر. كما أن زيارة رئيس الحكومة الإسبانية إلى الجزائر، في لحظة إقليمية دقيقة، أعادت إحياء التكهنات حول وجود أزمة صامتة أو رسائل دبلوماسية غير مباشرة تبادلها الأطراف.
وإلى حدود اللحظة، بغض النظر عن محاولات الفهم المقدمة، يبدو أن التدخل الميداني اتسم بقدر من الهدوء والحذر، وأن عدد الضحايا ظل محدوداً مقارنة بما كان يمكن أن يحدث في حالة الصدام المباشر. هذا المعطى مهم، لأنه يشير إلى وجود إدراك لدى الأطراف المعنية بأن العنف عند الحدود قد يحول أزمة هجرة إلى أزمة سياسية وحقوقية وإعلامية واسعة النطاق.
كما يظهر أن هناك نوعاً من التفاهم العملي على معالجة الملف تدريجياً، من خلال السماح بدرجة معينة من المرونة في الدخول، مقابل قبول لاحق بترتيبات الإعادة. غير أن هذا التوازن يظل هشاً، لأنه يعتمد على قدرة البيروقراطيات المعنية على ضبط الملفات، وتحديد الهويات، واتخاذ قرارات الإرجاع، دون خلق احتقان جديد.
وتظل هناك عوامل ضاغطة قد تغير مجرى الأمور في أي لحظة: أولها بطء المنظومة القانونية والجمركية والإدارية في التعامل مع أعداد كبيرة من المهاجرين، وثانيها قدرة شبكات الهجرة السرية على استغلال أي تراخٍ أو فراغ في ضبط الحدود لتسريع نقل المزيد من المرشحين للهجرة نحو الشواطئ الأخرى، وثالثها السياق الأوروبي المتوتر، حيث يزداد الضغط على الحكومات لإظهار الحزم أمام الرأي العام، خصوصاً مع صعود الخطابات المناهضة للهجرة.



