slidertrendingندوات ومحاضرات

عبد الحميد عشاق: فقهاء سوس ربطوا الاجتهاد الفقهي بقضايا المجتمع وحاجاته

احتضنت مؤسسة دار الحديث الحسنية، يوم الأربعاء 21 أكتوبر 2026 بالرباط، درسا افتتاحيا ألقاه العلامة اليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، في موضوع «علماء سوس وقضايا الأمة»، وذلك في إطار برنامجها العلمي والثقافي برسم الموسم الجامعي 2026-2027.
وفي كلمة افتتاحية بالمناسبة، رحب مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية، عبد الحميد عشاق، بالعلامة اليزيد الراضي، معتبرا أن استضافته تشكل مناسبة علمية متميزة للاستفادة من تجربة أحد كبار علماء المغرب، ممن جمعوا بين الرسوخ في علوم الشريعة وسعة الاطلاع على التراث المغربي وحسن القيام بأعباء العلم ومسؤولياته.
وأكد عشاق أن موضوع صلة فقهاء سوس بقضايا مجتمعهم ونوازله يكتسي أهمية خاصة، لما يتيحه من آفاق للنظر في تاريخ الفقه المالكي بالمغرب، والوقوف على تجربة علمية متميزة لها خصوصيتها وفرادتها.
وأوضح أن بلاد سوس، بما تضمه من بواد وحواضر وما تعرفه من تنوع في الأعراف والعوائد، شهدت حياة اجتماعية غنية أفرزت قضايا ومنازعات ونوازل متجددة، استدعت من العلماء اجتهادا فقهيا وقضائيا رصينا، يجمع بين الإلمام بأصول المذهب وقواعده، وفهم الوقائع وملابساتها، ومراعاة الأعراف والمصالح.
وأضاف أن منأبرز ما يميز فقهاء سوس ارتباط علمهم بحياة الناس، وقيام اجتهاداتهم على فهم دقيق لأحوال المجتمع وحاجاته ومشكلاته، إذ كانوا على دراية بما يجري في الأسواق، وبصيرين بأعراف الناس وعوائدهم، يعملون على تحرير وقائع النوازل وتنزيل أحكام الشرع عليها بما يحقق العدل، ويرفع الحرج، ويراعي المصلحة.
وأشار إلى أن قضايا الأحداث والملكية والحيازة والاستحقاق والبيوع والمعاملات الزراعية والأحوال الشخصية تقدم شواهد وافرة على هذا الفقه المتصل بحياة الناس، مبرزا أن فقهاء سوس عالجوا هذه النوازل استنادا إلى معرفتهم بالنصوص والقواعد الشرعية، وإلمامهم بالأعراف والأحوال، وقدرتهم على الموازنة بين المصالح والمفاسد.
وفي هذا السياق، أبرز عشاق قيمة المدونة النوازلية السوسية، باعتبارها تحفظ وجوه الاجتهاد ومسالك التفقه، وتقدم صورة حية عن المجتمع في أحواله ومعاشه وعلاقاته. كما تشكل وثيقة نفيسة في التاريخ الاجتماعي، ومادة خصبة لدراسة أنثروبولوجيا الفقه، بما تكشف عنه من مكانة الفقيه داخل المجتمع، وصلات الحكم الشرعي بالعرف والواقع، وأثر الاجتهاد الفقهي في فض الخصومات وإصلاح ذات البين وترسيخ السلم.
وسجل أن مدارس سوس العتيقة وزواياها ومجالس قضائها وإفتائها أسهمت في حفظ هذا التقليد العلمي وتوارثه، وفي الاستجابة لحاجات المجتمع من خلال التعليم والإفتاء والقضاء والإصلاح بين الناس ومواساة ذوي الحاجات، مؤكدا أن الفقه ظل حاضرا في حياة الناس، كما ظلت أحوالهم حاضرة في أنظار الفقهاء واجتهاداتهم.
وشدد مدير دار الحديث الحسنية على أن هذا الرصيد العلمي جدير بأن يحظى بمزيد من عناية الباحثين، من خلال تحقيق نصوصه، ودراسة مناهج أعلامه، واستكشاف ما يختزنه من معرفة بالمجتمع وتحولاته، معتبرا أنه مجال واعد لأبحاث تتكامل فيها مناهج الفقه والتاريخ وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا.
وأضاف أن مؤسسة دار الحديث الحسنية، بحكم موقعها العلمي، مدعوة إلى العناية بهذا الأفق البحثي والإسهام في استكشاف ذخائره وتحقيق كنوزه العلمية.
وفي معرض تقديمه للمحاضر، أكد عشاق أن العلامة اليزيد الراضي من أقدر العلماء على تناول هذا الموضوع، باعتباره أحد أبناء سوس الذين نشؤوا في مدارسها العتيقة وتلقوا العلم على أيدي ثلة من شيوخها، وجمعوا بين هذا التحصيل العلمي والدراسة الجامعية الرصينة والخبرة الممتدة في التدريس والبحث.
كما أبرز إلمام الراضي بتراث سوس وآثار أعلامها، ونفاذه إلى أعماق المشروع العلمي للمؤرخ محمد المختار السوسي، وما بذله هذا الأخير من جهود في إحياء الذاكرة العلمية والحضارية والتراثية لسوس ومكانتها في تاريخ المغرب.
واستحضر عشاق، في هذا الإطار، اهتمام الراضي المبكر بتحقيق التراث، ومنه كتاب «شعر الجشتيميين» وكتاب «الفوائد الجمة في إسناد علوم الأمة» لأبي زيد عبد الرحمن بن محمد التمنارتي، المتوفى نحو سنة 1060هـ/1650م.
وختم مدير دار الحديث الحسنية بالتنويه بالمسار العلمي والمؤسساتي للعلامة اليزيد الراضي، الذي تولى رئاسة المجلس العلمي المحلي لتارودانت، ثم المجلس العلمي الجهوي لسوس ماسة، قبل أن يحظى بالثقة المولوية السامية بتعيينه أمينا عاما للمجلس العلمي الأعلى.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى