عشاق يدعو إلى قراءة جديدة للسيرة النبوية تستجيب لأسئلة العصر

قال مدير مؤسسة دار الحديث الحسنية، عبد الحميد عشاق، إن ذكرى مرور خمسة عشر قرنا على ميلاد الرسول محمد ﷺ تتيح فرصة لـ«استئناف النظر في سيرته واستكشاف ما تفتحه من أبواب العلم والعمل»، داعيا إلى تجديد البحث في السيرة النبوية، وتطوير سبل تقريبها إلى مختلف فئات المجتمع، والتفكير في موقعها ضمن التحولات التي يشهدها عالم المعرفة، ولا سيما في ظل صعود الخوارزميات والذكاء الاصطناعي.
وأوضح الدكتور عشاق، في كلمة خلال الحفل العلمي والتربوي الذي نظمته مؤسسة دار الحديث الحسنية، صباح يوم الخميس 8 أكتوبر 2026، بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف لعام 1448هـ، أن هذه الذكرى تكتسي أهمية خاصة في ضوء العناية التي خص بها أمير المؤمنين الملك محمد السادس هذه المناسبة، والدعوة إلى مزيد من التعريف بالسيرة بما يراعي حاجات الناس ويناسب مدارك الشباب وسائر فئات المجتمع.
وأكد أن مؤسسة دار الحديث الحسنية، باعتبارها مؤسسة تحمل اسم الحديث وترعى درسه، معنية بأن تتساءل عما يمكن أن تؤسسه هذه الذكرى من عمل علمي، مشددا على أن قيمة الذكرى لا تنتهي بانتهاء المناسبة، وإنما تكمن في ” ما تورثه من آثار”.
وفي هذا السياق، طرح مدير المؤسسة ثلاثة أسئلة اعتبرها منطلقا لاستقبال «قرن جديد من درس السيرة»، يتعلق أولها بنوعية البحث الذي تحتاج إليه السيرة النبوية اليوم، وثانيها بكيفية تقريبها إلى الناس على اختلاف مداركهم، فيما يتصل السؤال الثالث بالمكان الذي يمكن أن تعده لها المؤسسات العلمية في “عالم الخوارزميات والذكاء الاصطناعي”.
وأشار الدكتور عشاق إلى أن الأمة ورثت في مجال السيرة «علما غزيرا في المغازي والشمائل والدلائل ونقد الروايات واستنباط العبر»، مؤكدا أن هذا التراث لا يزال يزخر بما يستحق التحقيق والدرس. غير أنه شدد، في المقابل، على أن «العلم بما وقع لا يستنفد ما في السيرة من معنى»، موضحا أن لكل عصر أسئلته التي يمكن أن تكشف عن معان جديدة في هذا التراث.
وفي هذا الصدد، استحضر عددا من القضايا التي تشغل الإنسان المعاصر، من قبيل الإنسان والأسرة والهوية والانتماء والهجرة والاختلاف والحرية والعدالة والحرب والسلم والبيئة والعيش المشترك، فضلا عن وضع الإنسان في عالم تعيد التقنية تشكيل علاقاته ومداركه.
واعتبر أن هذه القضايا جميعها تستدعي «إمعان النظر في السيرة النبوية واستكناه حكمتها في بناء الإنسان وتدبير الاجتماع وإقامة العمران»، بما يقتضي، بحسبه، قراءة تصل الوقائع بأسبابها، والتصرفات بمقاصدها، وتكشف عن السنن التي انتظمت بها «الخبرة النبوية» في مختلف أحوالها. وأكد أن هذا التجديد في البحث يقتضي الإفادة من علوم الإنسان والاجتماع واللغة، إلى جانب علوم الحديث والتاريخ والفقه، مع ضرورة رعاية النصوص والسياقات وإحكام قواعد الفهم والاستنباط.
السيرة النبوية ومختلف فئات المتلقين
وانتقل عشاق إلى مسألة أخرى تتصل بكيفية إيصال المعرفة السيرية إلى الجمهور، مؤكدا أن العلم «لا يبلغ غايته حتى يحسن أداؤه وتبليغه»، وأن الناس يختلفون في مداركهم وطرائق تلقيهم.
وأوضح أن «للطفل مدخله، وللشاب سؤاله، وللباحث مطلبه»، كما أن من يأتي إلى السيرة من خارج الثقافة العربية يحتاج إلى سبيل آخر للوصول إليها، معتبرا أن تقريب السيرة يقتضي «فقه المخاطب» ومعرفة ما يلائم مداركه ويربط العلم بحاجاته وأسئلته.
وقال في هذا الصدد إن «المسالك شتى والمورد واحد»، وإن المعرفة متوافرة اليوم، غير أن التحدي يكمن في «إقامة معناها وحسن تبليغها».
الذكاء الاصطناعي يطرح سؤال السيرة التي ستتعلم منها الآلة
وفي أبرز محاور كلمته، توقف عشاق عند التحول الذي أحدثته الخوارزميات والذكاء الاصطناعي في طرق إنتاج المعرفة وطلبها وتداولها، مؤكدا أن هذا التحول يطرح سؤالا «لا يحتمل التأخير» حول طبيعة السيرة التي ستتعلم منها الآلة. ولفت إلى أن المحتوى المتاح في الفضاء الرقمي متفاوت، وأن مراتب الروايات قد تختلط فيه، كما تتفاوت قيمة المصادر، فضلا عن اقتطاع نصوص كثيرة من سياقاتها.
وأمام هذه التحديات، شدد مدير دار الحديث الحسنية على الحاجة إلى مرجع رقمي علمي موثوق للسيرة النبوية، يميز مراتب أخبارها، ويربط وقائعها بسياقاتها، ويهيئ للشاب والباحث مادة علمية محررة وموثوقة.
وأكد أن الرهان في هذا المجال «أعظم وأكبر من رقمنة الكتب»، لأنه يتعلق بسؤال مكان السيرة في «معرفة العالم الجديد» وفي «معرفة العالم القادم”.
من الاحتفاء بالذكرى إلى مبدأ عمل علمي
وخلص الدكتور عشاق إلى أن هذه الآفاق الثلاثة، والمتمثلة في تجديد البحث في السيرة، وإحكام سبل تبليغها، وتهيئة أسباب حضورها في مستقبل المعرفة، يجمعها مقصد واحد يتمثل في تجديد حضور السيرة النبوية في البحث والمعرفة.
ودعا، في هذا الإطار، المراكز البحثية إلى جعل ذكرى مرور خمسة عشر قرنا على المولد النبوي «مبدأ عمل علمي متكامل»، تلتقي فيه التخصصات، وتتحول فيه الأسئلة إلى بحوث ومشاريع وموارد للنظر والدرس. واعتبر أن من شأن ذلك أن يجعل الذكرى “مبدأ إنجاز وفاء للسيرة النبوية وأداء لبعض حقها علينا”.
وكانت مؤسسة دار الحديث الحسنية قد نظمت، بهذه المناسبة، حفلا علميا وتربويا تضمن، إلى جانب كلمة مديرها، محاضرة لعضو المجلس العلمي الأعلى العلامة مصطفى بن حمزة بعنوان «تأملات في حقوق المصطفى ﷺ على أمته»، ومداخلة للأستاذ طارق طاطمي حول «الدرس السيري بمؤسسة دار الحديث الحسنية: خصائصه وآفاقه»، فضلا عن فقرة أدبية حول الشعر المغربي في مدح الجناب النبوي، وسرد طلبة المؤسسة أحاديث مختارة في الشمائل النبوية، واختتم بتوزيع الجوائز على الفائزين في مسابقة الشمائل النبوية.



