
حلت يوم 13 ماي 2026 الذكرى الثانية والخمسون لوفاة زعيم التحرير علال الفاسي، وهي مناسبة وطنية تستحضر سيرة رجل لم يكن مجرد عابر في تاريخ المغرب الحديث، بل كان مهندسًا لوعيه وموجّهًا لبوصلته النضالية والفكرية.
وهو الزعيم السياسي والمفكر الفذ الذي جمع في شخصيته بين صلابة القائد النضالي وعمق المصلح الديني، ليدوّن اسمه كأحد أبرز أعمدة تاريخ المغرب المعاصر.
هندسة الوعي وتأسيس الحركة الوطنية
لم يكن النضال ضد الاستعمار الفرنسي في بداياته منظمًا بالشكل الكافي، وهنا برز الدور المحوري لعلال الفاسي، الذي ساهم بشكل فعال ومباشر في تأسيس النواة الأولى للحركة الوطنية المغربية. فقد أدرك مبكرًا أن مواجهة الاحتلال لا يمكن أن تثمر دون إطار تنظيمي يجمع الطاقات ويؤطر الجماهير، فكان من الملهمين والمهندسين لخطاب المقاومة السياسية والوعي الهوياتي الذي واجه محاولات المسخ الاستعماري.
ولم تنحصر رؤيته الفكرية والنضالية داخل الحدود الجغرافية للمغرب، بل كان يؤمن بوحدة المصير المغاربي؛ وهو ما تجسد عمليًا في كونه عضوًا مؤسسًا للجنة تحرير المغرب العربي بالقاهرة، رفقة ثلة من قادة المقاومة المغاربة، لتنسيق الجهود المشتركة ضد الاستعمار في شمال إفريقيا بأكملها.
نداء القاهرة وإشارة انطلاق العمل المسلح
من المحطات التاريخية الفارقة في مسيرة الزعيم، نضاله من منابر النفي واللجوء. ففي لحظة حرجة من تاريخ المغرب، كان لعلال الفاسي وراء إعطاء إشارة الانطلاق الفعلية لحركة المقاومة المسلحة ضد الاستعمار الفرنسي، عبر “نداء القاهرة” الشهير الذي بثته إذاعة “صوت العرب”. وقد شكّل هذا النداء الشرارة التي أشعلت فتيل المقاومة في المدن والقرى، ومثّل تحولًا استراتيجيًا نقل القضية المغربية من دائرة المطالب السياسية إلى ساحات المواجهة المباشرة.
ولم يكن هذا النداء مجرد خطاب حماسي، بل أعقبه التزام ميداني صارم؛ إذ كان علال الفاسي عضوًا في المجلس الموسع لقيادة جيش التحرير المغربي، مساهمًا في التخطيط والتدبير والتنسيق لعمليات جيش التحرير التي أربكت حسابات الإقامة العامة الفرنسية.
المنطقة الخليفية: ملاذ المقاومة الاستراتيجي
تجلّت العبقرية السياسية والدبلوماسية لعلال الفاسي في قدرته على المناورة واستغلال التناقضات بين القوى الاستعمارية، خاصة فرنسا وإسبانيا. فقد كان له دور بارز في إقناع السلطات الإسبانية بالسماح للمقاومين والفدائيين المغاربة باللجوء إلى المنطقة الخليفية، أي شمال المغرب الخاضع آنذاك للحماية الإسبانية.
وقد وفّرت هذه الخطوة للمقاومة عمقًا استراتيجيًا وممرًا آمنًا، وحمت مئات المقاومين من بطش الاستعمار الفرنسي في المنطقة السلطانية، مما جعل من الشمال قاعدة خلفية لانطلاق العمليات وتخزين السلاح.
خيار الكفاح المسلح في مواجهة المفاوضات
يقود هذا المسار الحافل بالدعم الميداني واللوجستي لجيش التحرير إلى استنتاج تاريخي مفاده أن علال الفاسي كان من أبرز المدافعين عن خيار الكفاح المسلح باعتباره سبيلًا لانتزاع الاستقلال الكامل غير المشروط، انطلاقًا من قناعته بأن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
وقد وضعه هذا التوجه في تباين فكري واستراتيجي مع بعض أعضاء اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، الذين كانوا يميلون إلى خيار المفاوضات السياسية والتسويات الدبلوماسية مع باريس، وهو المسار الذي قاد لاحقًا إلى مفاوضات إيكس ليبان. وبالنسبة لعلال الفاسي، فقد كان السلاح لغة ضغط ضرورية لفرض السيادة الوطنية الكاملة.
المصلح الديني ورائد السلفية التنويرية
إلى جانب النضال السياسي، حمل علال الفاسي مشروعًا فكريًا وإصلاحيًا متكاملًا، جعله واحدًا من أبرز رواد الإصلاح الديني في المغرب والعالم الإسلامي. فمن خلال أطروحته الشهيرة في “النقد الذاتي”، وكتاباته الفقهية والفكرية، حارب الخرافات والبدع والجمود الفكري الذي اعتبره سببًا في تخلف الأمة وخضوعها للاستعمار. كما دعا إلى سلفية تنويرية تستلهم صفاء الإسلام الأول، مع الانفتاح على العلوم والاجتهاد العقلي لمواكبة متطلبات العصر.
وتظل ذكرى وفاة علال الفاسي محطةً لا لاستحضار الماضي فحسب، بل لإعادة قراءة فكر رجل تلاقت في شخصيته مقومات الزعامة السياسية، والجرأة النضالية، والعمق الفكري التجديدي، فكان أحد أبرز صناع الوعي الوطني في المغرب الحديث.



