sliderندوات ومحاضرات

ملحمة لا تُحصى فصولها”: رؤية أحمد التوفيق لارتباط المغاربة بالنبي ﷺ

احتضن مقر المجلس العلمي الأعلى بالرباط، صباح الأربعاء 13 ماي 2026، أشغال الندوة الوطنية العلمية التي نظمتها الأمانة العامة للمجلس عبر مديرية التبليغ، حول موضوع: «السيرة النبوية مصدراً للعلم والعمل ومرجعاً في القيم والأخلاق»، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين المغاربة.

وخلال كلمة ألقاها أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، أكد أن مداخلته تندرج ضمن مقاربة علمية تربط السيرة النبوية بالتاريخ في أبعاده الماضية والحاضرة والمستقبلية، مبرزاً ما وصفه بـ“الملحمة” التي تعكس تعلق المغاربة بالنبي الكريم ﷺ في أبعادها الوجدانية والسلوكية.

وأوضح الوزير أن للمغاربة ملحمة كبرى في التعلق بالمقام المحمدي الأسمى، تقوم على بذل المهج، وهي ملحمة محبة واستمداد واتباع، محبة لا تُحصى فصولها.

وأشار إلى أن هذا التفاعل التاريخي يمكن مقاربته من خلال خمس فصول كبرى، تعكس تطور حضور السيرة النبوية في المجتمع المغربي.

محبة تُشرّع لا محبة التشيع”

في الفصل الأول، استحضر الوزير مجموعة من الروايات المبكرة التي تتحدث عن صلات رمزية بين المغاربة والعصر النبوي، معتبراً أنها، سواء ثبتت تاريخياً أو بقيت في إطارها الرمزي، تعكس عمق التعلق الروحي المبكر بالمقام المحمدي، وتشكل جزءاً من الذاكرة الدينية الجماعية للمغاربة.

وتندرج ضمن هذه الروايات ما ظل يُتداول إلى غاية القرن السابع للهجرة، قبل أن يتم تدوينه، ومفاده أن وفوداً من بعض القبائل الأمازيغية كانت قد سمعت من طريق بعض أهل الشام بخبر بعثة الرسول الأكرم ﷺ في حياته، فبادرت بإيفاد وفد منها إلى المدينة المنورة للتعرّف عليه، حيث استقبلهم النبي ﷺ، ويُروى ضمن هذا السياق أنه خاطبهم بلغتهم الأمازيغية، وأنهم عادوا من عنده بكتاب، ثم اتفقوا على دفنه في المكان المعروف بسيدي شيكر.

وتضيف هذه الروايات أن المنطقة شهدت لاحقاً إقامة موسم سنوي ارتبط بهذه الذاكرة، كان يحضره عدد كبير من الناس، رجالاً ونساءً، في دلالة على حضور هذا التصور في المخيال الشعبي عبر قرون طويلة.

ومهما يكن من أمر ثبوت هذه الرواية من الناحية التاريخية، فإن قيمتها الأساسية، وفق القراءة التي قدمها الوزير، تكمن في رمزيتها العميقة، باعتبارها تعبيراً عن ما استقر في الوجدان المغربي من تعلق مبكر بالمقام النبوي الشريف، قبل الفتح الإسلامي للمغرب سنة 62 للهجرة، بما يعكس قوة الحضور الرمزي للسيرة النبوية في الذاكرة الجماعية للمغاربة.

أما الفصل الثاني من هذا التعلق قد جاء في سياق القطيعة عام 122 للهجرة مع الخلافة بسبب معاملات فادحة صدرت من بعض ولاة الدولة الأموية، وبعد هذه القطيعة كان المغاربة مهيئين لاستقبال دعوة العلويين المضطهدين لمدة 50 عاماً، وهي دعاية توجت بوصول إدريس بن عبد الله سنة 172 للهجرة وتتويجه أول أمير للمؤمنين، حيث بدأت به في المغرب إمارة أهل البيت مبنية على محبة تُشرّع لا محبة التشيع.

ترسيخ السنة النبوية عبر الدول الأمازيغية

أما الفصل الثالث، فامتدد على مدى خمسة قرون من ازدياد التعلق بالسنة النبوية في عهد الدول الأمازيغية الأربعة التي حكمت بين عهد الشرفاء الأدارسة والشرفاء السعديين. وبيّن التوفيق أنه في عهد المرابطين سأل ولاتها الشيخ باب بكر الطرطوشي الأندلسي نزيل الإسكندرية عن الحديث الشريف الذي جاء في إحدى صيغه:”لا تزال طائفة من أمتي قائمين على الحق في المغرب حتى تقوم الساعة”، فكان جواب الشيخ، والله أعلم، أن المقصود بذلك أهل المغرب لما عُرفوا به من التمسك بالسنة والجماعة.

وأضاف أنه في مطلع عهد الدولة الموحدية، توفي القاضي عياض الذي ألّف كتابه الشهير “الشفا بتعريف حقوق المصطفى”، كما تعزز التعلق بالجناب النبوي من خلال كتاب أبي العباس العزفي السبتي “الدر المنظم في المولد المعظم”، في سياق تجديد الارتباط الوجداني للأمة المغربية بالمصطفى صلى الله عليه وسلم، خاصة مع تزايد الضغط المسيحي على المغرب من الشمال الليبيري في أواخر العهد الموحدي وبداية العهد المريني.

السيرة النبوية في مواجهة التحديات الخارجية

وفي الفصل الرابع تطرق المحاضرة إلى المرحلة المرتبطة بالدولة الرابعة، وهي دولة الوطاسيين، حيث تميز هذا السياق التاريخي بظهور مؤلفات روحية كبرى كان لها أثر بالغ في تعزيز الارتباط بالنبي صلى الله عليه وسلم.

ومن أبرز هذه المؤلفات كتاب أبي عبد الله الجزولي «دلائل الخيرات وشوارق الأنوار في ذكر الصلاة على النبي المختار»، الذي شكل محطة مركزية في الحياة الدينية والروحية بالمغرب.

وأوضح الوزير أن هذا الكتاب لم يكن مجرد مؤلف في الذكر والصلاة على النبي ﷺ، بل حمله المغاربة عبر الأجيال، واستمدوا منه حوافز روحية ومعنوية في مواجهة الغزو البرتغالي، خاصة في سياق الدفاع عن السواحل المغربية المطلة على المحيط الأطلسي، والتحرر من الاحتلالات الأجنبية.

وأضاف أن أثر هذا الكتاب تجاوز الإطار المحلي، إذ ظل يُتلى ويُقرأ في مختلف أنحاء العالم الإسلامي، بما يعكس حضوره المستمر في الثقافة الروحية المرتبطة بالمحبة النبوية.

في الفصل الخامس أشار الوزير إلى أنه تمثل بقيام زعماء المجاهدين الأمازيغ بعد انهيار الدولة الوطاسية باختيار الشرفاء من جديد ليتولوا الإمارة ابتداء من القرن العاشر. وبيّن أن الولاية قبلهم كانت عبر ثلاث دول أمازيغية كبرى واجهت الحروب الصليبية في الأندلس لمدة خمسة قرون، وهو معطى تاريخي قلّما يُتداول على نطاق واسع.

وأضاف أن الأحداث شهدت لاحقاً تصاعد الزحف بعد سقوط الأندلس في اتجاه احتلال المغرب وتنصيره، غير أن الشرفاء الذين تمت بيعتهم، وهم السعديون، تمكنوا من تحقيق انتصار حاسم في معركة وادي المخازن سنة 1678 للميلاد، وهو انتصار اعتُبر، بحسب ما ورد في الكلمة، حماية للمغرب من خطر التنصير، بل وامتداد أثره ليشمل فضاءات أوسع.

وتابع التوفيق أن مرحلة لاحقة شهدت بروز الدولة العلوية ابتداءً من سنة 1668، حيث استمر هذا النموذج القائم على بيعة الشرفاء من الدولتين (السعديين والعلويين)، بما جعلهم يقومون بدور “الأمراء المحايدين” إزاء العصبيات، والحَكَم بين مختلف العناصر الثقافية المكوّنة للمغرب، في إطار نموذج سياسي يسعى إلى ضمان التوازن والوحدة الداخلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى