مولود السريري يستعرض أسباب اختيار أهل الغرب الإسلامي للمالكية والأشعرية والتصوف الجنيدي

استعرض العلامة مولود السريري الجنيدي، خلال أشغال المؤتمر العلمي الثاني حول الهوية الدينية الذي تحتضنه مدينة زليتن الليبية أيام 12 و13 و14 شتنبر 2026، أسباب اختيار أهل الغرب الإسلامي للمذهب المالكي في الفقه، وطريقة الإمام الحسن الأشعري في علم الكلام، وطريقة الجنيد في التصوف والتربية والتزكية، وما يترتب عن هذا الاختيار من ثمرات اجتماعية تعود على المجتمع بالألفة والتماسك والتوجيه نحو ما فيه الخير في الدنيا والآخرة.
اختيار المذهب بين الموروث والاختيار العلمي
وأوضح السريري أن تفسير هذا الاختيار بكونه مجرد موروث أو نتيجة لأمر سياسي ينبغي استبعاده، داعياً إلى البحث عن أسبابه في ذات هذه المذاهب ومقوماتها العلمية، مشيراً إلى أن أهل العلم الذين اختاروا المذهب المالكي إنما اختاروه لما رأوه فيه من متانة البناء، وحسن سبك الأدلة، ووضوح طرق استخراج الأحكام.
وأكد أن تمسك أهل العلم بهذا المذهب لم يكن لمجرد أنهم ورثوه، وإنما لما اكتشفوه من ثمرات علمية في دراسته، وفي مقدمتها تكوين الملكة الفقهية، التي تتجلى في جملة من الصناعات والقدرات العلمية.
وأوضح، في هذا السياق، أن من أبرز هذه الملكات التحليل الفقهي للجزئيات، والتوجيه الدلالي، والتوجيه العلي، والتخريج على القواعد الأصولية والفقهية، وتحقيق المناط.
وفي ما يتعلق بالتحليل الفقهي للجزئيات، أشار السريري إلى أنه يقوم على دراسة دقيقة تمكن الفقيه من تصنيف الأوصاف وتمييز ما هو مؤثر مما ليس كذلك، وبناء الأحكام على ما يقتضيه النظر الفقهي الصحيح. كما أبرز أهمية التوجيه الدلالي، موضحاً أن الاستدلال بالألفاظ على الأحكام لا يكتمل بمجرد معرفة ظاهر اللفظ، وإنما يقتضي بيان وجه دلالته على الحكم، وتمييز المعاني المحتملة وترجيح بعضها وفق القواعد العلمية.

وتوقف كذلك عند التوجيه العلي، وما يتطلبه من معرفة مراتب الأدلة والعلل، والتمييز بين ما هو معتبر شرعاً وما هو ملغى، معتبراً أن ضعف هذه الملكات قد يؤدي إلى اضطراب في تعليل الأحكام.
كما تناول أهمية التخريج على القواعد، الذي وصفه بأنه من أصعب الصناعات العلمية، لكونه يقتضي معرفة القواعد المختلفة وإدراك القاعدة الغالبة في كل جزئية، حتى لا يُلحق الفرع بقاعدة مع وجود قاعدة أخرى أولى بإدراجه تحتها.
وفي السياق نفسه، أكد أن تحقيق المناط يحتاج إلى الدراية بالحقائق والمفاهيم، حتى يكون تنزيل الحكم على الوقائع قائماً على تصور صحيح ودقيق للموضوع محل الحكم.
واعتبر السريري أن هذه الملكات التي يكتسبها دارس الفقه المالكي تجعله أكثر قدرة على إدراك مظاهر الاضطراب في الاستدلال الديني، وتمكنه من التمييز بين المناهج العلمية المنضبطة وبين ما وصفه بالفوضى في التعامل مع النصوص والأحكام.
علم الكلام: تأصيل للنظر العقلي وتمييز قوة الأدلة
وانتقل المحاضر إلى الحديث عن الصناعة الكلامية، موضحاً أنها تتيح للدارس معرفة مبادئ النظر في الأمور العقلية، وتعيين الأدلة التي ينبغي اعتمادها في بناء المعارف، فضلاً عن تقويم نتائج النظر ومقابلة الأصول بالأصول.
وأشار إلى أن دراسة علم الكلام تمكن من معرفة كيفية مقارنة أصول المدارس الكلامية المختلفة، وتقويم الاستدلالات الواردة فيها، معتبراً أن امتلاك هذه الصناعة يجعل الدارس أكثر قدرة على التمييز بين قوة الأدلة وضعفها، وعلى مواجهة التصورات التي تقوم على ضعف النظر أو قصور التصور.
التصوف الجنيدي: تربية للنفس وحماية من الانحرافات
وفي ما يتعلق بالتصوف، أوضح السريري أن طريقة الجنيد في السلوك والتربية والتزكية تقوم على بناء الإنسان على نحو يجعله يتقي المحرمات ويأتي بالمأمورات، وتهدف إلى تطهير النفس وإبعاد الصفات الخسيسة عنها.
وحذر، في هذا السياق، من إدخال تصورات وممارسات دخيلة على مجال التزكية، معتبراً أن المنهج الذي رسمه أئمة هذا المسلك يمثل حماية للإنسان من الانحرافات التي قد تنشأ عن خلط التزكية بتصورات ومعتقدات لا تمت إلى المنهج السني بصلة.
القوة البرهانية وثمرات المذاهب في العقول والقلوب
وخلص السريري إلى أن هذه الأسباب العلمية والعقلية والبرهانية كانت من العوامل التي دفعت إلى اختيار هذه المذاهب والاستمرار عليها، مؤكداً أن بقاء الاختيار لا يعني الجمود، وإنما يقتضي دراسة الأصول والقواعد والملكات والعلوم والصناعات التي تقوم عليها، بما يمكن الدارس، في نهاية المطاف، من التصرف باستقلال علمي.
وأشار إلى أن دارس الفقه قد يبلغ درجة الاجتهاد التي تمكنه من النظر في المسائل والتصرف فيها بما يرضي الله تعالى، كما يمكن للدارس في علم الكلام أن يقبل ما يراه صحيحاً ويرد ما لا يراه كذلك، والأمر نفسه في مجال السلوك والتزكية.
وأكد أن اختيار هذه المذاهب، في نظره، لم يكن قائماً على مجرد فرض سياسي، وإنما على قوتها البرهانية وحجيتها، وعلى الثمرات التي تقدمها للعقول والقلوب، بما يساعد على فهم جوانب من الشريعة والمعتقد وتزكية النفس.
وحدة الاختيار المذهبي دعامة للألفة والتماسك
وفي الجانب الاجتماعي، شدد السريري على أن وحدة الاختيار المذهبي تسهم في تحقيق الألفة داخل المجتمع، إذ يظل الاختلاف بين أتباع هذه المذاهب اختلافاً في كيفية النظر والاجتهاد، لا اختلافاً في الدين، بينما يؤدي تشتت الناس بين التصورات والمذاهب غير المنضبطة إلى إضعاف المعرفة الدينية، خصوصاً عندما يتصدى غير المتخصصين لإنشاء تصورات دينية جديدة واستقطاب الأتباع حولها.
ودعا، في ختام مداخلته، طلبة العلم إلى الاستماع إلى مختلف الآراء وقراءتها وتمحيصها، مؤكداً أن مواجهة ما يطرح من أفكار لا تكون إلا بالعلم والدراسة والتثبت، والرجوع إلى أهل الاختصاص، بما يحفظ المعرفة الدينية من الاضطراب ويصون المجتمع من أسباب التفرق.



