sliderندوات ومحاضرات

علماء وباحثون يناقشون الأبعاد الشرعية والمقاصدية والتنموية للوقف

انطلقت، صباح الاثنين 8 يونيو 2026، بمقر المجلس العلمي المحلي بالرباط، أشغال الملتقى العلمي الثقافي الثالث عشر، المنظم تحت شعار: «التبرعات في الإسلام وأثرها في تحقيق الحياة الطيبة: الوقف نموذجاً – مقاربة شرعية ومقاصدية وتنموية»، بمشاركة نخبة من العلماء والباحثين والمسؤولين والمهتمين بقضايا الوقف والتنمية.

جلسة افتتاحية بحضور شخصيات علمية وأكاديمية

وافتتحت أشغال الملتقى بتلاوة آيات بينات من الذكر الحكيم، تلاها أداء النشيد الوطني، قبل أن تتوالى الكلمات الافتتاحية لكل من محمد أصبان، رئيس المجلس العلمي الجهوي لجهة الرباط سلا القنيطرة، والعربي المودن، رئيس المجلس العلمي المحلي بالرباط، إضافة إلى كلمة اللجنة التنظيمية التي ألقاها محمد العبدلاوي العلوي، فيما تولى عبد الرزاق تورابي تسيير الجلسة.

وكان من المقرر أن يحضر كل من أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، واليزيد الراضي، الأمين العام للمجلس العلمي الأعلى، وسعيد شبار، الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، غير أنهم اعتذروا عن الحضور لظروف طارئة.

وأكد المتدخلون في كلماتهم على الأهمية المتزايدة لمنظومة التبرعات والوقف باعتبارها إحدى الركائز الأساسية التي أسهمت عبر تاريخ المغرب في بناء مجتمع متضامن ومتراحم، قادر على مواجهة مختلف التحديات الاجتماعية والاقتصادية.

التبرعات والوقف.. منظومة متكاملة لتحقيق التكافل الاجتماعي

وفي كلمته بالمناسبة، أبرز عبد الرزاق تورابي أن منظومة العطاء في الإسلام، بما تشمل عليه من صدقات وتبرعات وأوقاف، تشكل شبكة أمان اجتماعي وثقافي واقتصادي، وتجسد مقاصد الشريعة في حفظ المال والنفس والكرامة الإنسانية، وتسهم في ترسيخ قيم التضامن والتراحم بين أفراد المجتمع.

محسن إكوجيم: الوقف في الإسلام منظومة متكاملة لا مجرد أحكام فقهية معزولة

من جهته، اعتبر محسن إكوجيم، مدير مديرية التتبع بالأمانة العامة للمجلس العلمي الأعلى، أن موضوع التبرعات يكتسي أهمية خاصة لارتباطه بثلاثة أبعاد كبرى تتمثل في تزكية النفس وتحريرها من الشح والأنانية، والإسهام في التنمية من خلال الانتقال من دائرة الاهتمام الفردي إلى خدمة المصلحة العامة، فضلاً عن تعزيز منظومة القيم القائمة على الرحمة والعطاء وتقديم المصلحة الجماعية.

وأشار إلى أن الوقف لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره مجرد أحكام فقهية أو تصرفات مالية، وإنما باعتباره جزءاً من منظومة أخلاقية وتربوية متكاملة تسهم في بناء الإنسان والمجتمع.

محمد أصبان: الوقف آلية حضارية متجددة لخدمة التنمية

وفي كلمة المجلس العلمي الجهوي، أكد محمد أصبان أن اختيار موضوع التبرعات والوقف يأتي بالنظر إلى ما يكتسيه من أهمية علمية ومجتمعية، موضحاً أن الملتقى يروم تعميق البحث في مفهوم التبرعات في الإسلام، وإبراز الخصوصية المغربية للنظام الوقفي، وتجديد النظر الفقهي في تنزيل أحكام الوقف على النوازل المعاصرة.

وأضاف أن الوقف يشكل إحدى أهم المؤسسات الحضارية التي أبدعها الفكر الإسلامي، لما يتيحه من إمكانات كبيرة في مجالات التنمية والتعليم والرعاية الاجتماعية والصحية، مشدداً على ضرورة إعادة الاعتبار له باعتباره رافعة للتنمية المستدامة.

كما استعرض أصبان المكانة المركزية للوقف في التاريخ الإسلامي، مذكراً بأن المسلمين تنافسوا عبر العصور في تأسيس الأوقاف ابتغاء الأجر والثواب، وهو ما أسهم في تمويل العديد من المؤسسات العلمية والخيرية والاجتماعية.

العربي المودن: الوقف من أعظم الصدقات الجارية وأثره يمتد إلى ما بعد حياة الإنسان

أكد العربي المودن، رئيس المجلس العلمي المحلي بالرباط، أن اختيار موضوع التبرعات والوقف في هذا الملتقى العلمي ينبع من الأهمية الكبرى التي تكتسيها هذه المنظومة في تحقيق الحياة الطيبة وترسيخ قيم التكافل والتضامن داخل المجتمع.

وأوضح المودن، في كلمته خلال الجلسة الافتتاحية، أن الوقف يعد من أبرز صور الصدقة الجارية التي يستمر نفعها ويتجدد ثوابها حتى بعد وفاة صاحبها، مستشهداً بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له».

كما استحضر ما أورده الإمام جلال الدين السيوطي في أبياته المشهورة التي عدد فيها الأعمال التي يستمر أجرها بعد وفاة الإنسان، ومن بينها نشر العلم، وغرس النخل، والصدقات الجارية، وحفر الآبار، وإجراء الأنهار، وبناء دور إيواء الغرباء وأماكن العبادة.

إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ لَيْسَ يَجْرِي    عَلَيْهِ مِنْ فِعَالٍ غَيْرُ عَشْرِ
عُلُومٌ بَثَّهَا وَدُعَاءُ نَجْلٍ   وَغَرْسُ النَّخْلِ وَالصَّدَقَاتُ تَجْرِي
وِرَاثَةُ مُصْحَفٍ وَرِبَاطُ ثَغْرٍ    وَحَفْرُ بِئْرٍ أَوْ إِجْرَاءُ نَهْرٍ
وَبَيْتٌ لِلْغَرِيبِ بَنَاهُ يَأْوِي  إِلَيْهِ، أَوْ بِنَاءُ مَحَلِّ ذِكْرِ

وأشار رئيس المجلس العلمي المحلي بالرباط إلى أن تنظيم الملتقى يندرج في إطار تفعيل مضامين الرسالة الملكية السامية التي وجهها أمير المؤمنين الملك محمد السادس إلى المجلس العلمي الأعلى وسائر علماء الأمة، بمناسبة إحياء الذكرى المئوية الخامسة عشرة لمولد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما تضمنته من توجيهات تدعو إلى الاضطلاع بواجب البلاغ وترسيخ القيم الدينية والوطنية.

وأضاف أن هذه المبادرة العلمية تأتي أيضاً في سياق تنزيل مقتضيات خطة «تسديد التبليغ»، واستجابة للتوجيهات الصادرة عن المجلس العلمي الأعلى ووزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، الرامية إلى تعزيز الوعي بأهمية الصدقات والتبرعات والأوقاف في خدمة التنمية وترسيخ قيم التضامن الاجتماعي.

واعتبر المودن أن الوقف ظل عبر التاريخ الإسلامي مؤسسة حضارية رائدة أسهمت في تمويل الأعمال الخيرية والعلمية والاجتماعية، مما يجعل إحياء ثقافته وتطوير آلياته من القضايا ذات الأولوية في ظل التحولات والتحديات الراهنة.

الوقف في الإسلام.. من فعل هامشي إلى ركيزة للعمران الرشيد

وفي كلمة باسم اللجنة التنظيمية، أكد الأستاذ محمد العبدلاوي العلوي أن موضوع التبرعات والوقف من القضايا التي يتجلى فيها جمال الشريعة الإسلامية وعمقها المقاصدي وسبقها الحضاري، مبرزاً أن الإسلام لم يجعل العطاء فعلاً هامشياً في حياة الإنسان، بل جعله دليلاً على صدق الإيمان، وحياة القلب، ومظهراً من مظاهر العمران الرشيد.

وأوضح أن الصدقة والهبة والوصية والوقف وسائر أبواب التبرعات ليست مجرد تصرفات مالية، بل هي منظومة قيمية تنقل المال من دائرة التملك الفردي الضيق إلى أفق النفع العام، ومن منطق الاستهلاك العابر إلى منطق الأثر الباقي، ومن حيازة الأشياء إلى صناعة الخير.

وأضاف أن الوقف يظل من أعظم صور الإحسان أثراً، وأوسعها نفعاً، وأوثقها ارتباطاً بمقاصد الشريعة، باعتباره عطاءً مستمراً ونفعاً متجدداً ومؤسسة حضارية تجمع بين خدمة الدين والدنيا، ورعاية الإنسان وصون كرامته.

وسلطت الكلمة الضوء على الخصوصية المغربية في مجال الوقف، حيث لم يقتصر عبر تاريخه على بناء المساجد والزوايا ودعم التعليم، بل امتد إلى مجالات واسعة من البر والإحسان، من رعاية المحتاجين وإيواء الغرباء وفك الأسرى وتزويج الفقراء، إلى الإنفاق على المرافق العامة كالماء والطرقات، والعناية بالمرضى، بل وحتى الاهتمام بالبيئة والكائنات الحية.

وأشار المتحدث إلى أن هذه الخصوصية تعكس وعياً فقهياً رفيعاً وفهماً مقاصدياً عميقاً وروحاً اجتماعية متجذرة، جعلت من الوقف ممارسة حضارية جماعية تسهم في بناء المجتمع وترسيخ قيم التكافل والتراحم.

كما أبرز أن أهمية هذا الملتقى تكمن في كونه يجمع بين النظرية والتطبيق، وبين التأصيل والتنزيل، وبين استحضار التراث واستشراف المستقبل، من خلال مناقشة الإطار المفاهيمي للتبرعات، والفروق بين الصدقة والهبة والوصية والوقف، إلى جانب إبراز القيم التربوية والأخلاقية المرتبطة بها.

وأضاف أن الملتقى يتناول الوقف بوصفه نظاماً شرعياً ومؤسسياً ذا أحكام ومقاصد وآثار تنموية، مع استحضار التجربة المغربية الرائدة، وفتح آفاق التفكير في علاقته بالتنمية المستدامة، ودوره في دعم التعليم والصحة والبحث العلمي والحماية الاجتماعية والعمل الإنساني.

واختتمت الكلمة بالتأكيد على أن الملتقى يهدف إلى تعميق البحث في مفهوم التبرعات في الإسلام، وإبراز خصوصيته المقاصدية، وتجديد النظر الفقهي في تنزيل أحكام الوقف على النوازل المعاصرة، وترسيخ قيم البذل والتكافل، واستشراف إمكاناته في خدمة التنمية الشاملة، داعياً إلى بلورة رؤية علمية متجددة وتوصيات عملية قابلة للتفعيل.

برنامج علمي يمتد إلى منتصف يونيو

ويمتد برنامج الملتقى من 8 إلى 15 يونيو 2026، متضمناً سلسلة من المحاضرات والندوات العلمية التي يؤطرها علماء وباحثون وأساتذة جامعيون من مؤسسات علمية وأكاديمية مختلفة.

ويهدف المنظمون من خلال هذه التظاهرة العلمية إلى إبراز الأبعاد الشرعية والمقاصدية والتنموية لمنظومة التبرعات في الإسلام، وتعزيز الوعي بالدور الحضاري للوقف في دعم جهود التنمية وتحقيق الحياة الطيبة، فضلاً عن استشراف آفاق تطوير المؤسسة الوقفية بما يستجيب لمتطلبات العصر ويواكب التحولات الاجتماعية والاقتصادية.

نحو تجديد الوعي بأدوار الوقف في المجتمع

ويعكس تنظيم هذا الملتقى الاهتمام المتزايد بإحياء الثقافة الوقفية وإبراز إمكاناتها في الإسهام في معالجة عدد من القضايا المجتمعية، من قبيل محاربة الفقر ودعم التعليم والبحث العلمي والرعاية الصحية والحماية الاجتماعية.

كما يشكل مناسبة علمية لتجديد النقاش حول سبل تفعيل الوقف باعتباره مؤسسة تنموية متجددة تجمع بين المقاصد الشرعية والأبعاد الإنسانية والاجتماعية، وتسهم في بناء مجتمع متضامن يحقق قيم العدل والتكافل والحياة الطيبة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى