slidertrendingآراء

من تداول المعلومات إلى صناعة المعروف: نحو فلسفة إسلامية للتواصل – بقلم زكرياء سحنون

أضحى الإنسان المعاصر يعيش في بيئة متخمة بالبيانات والتقنيات إثر التطور المتسارع في وسائل الإعلام والاتصال وتصدّر المنصات الرقمية للمشهد. ورغم وفرة أدوات الاتصال وسهولة الوصول إلى المعلومات، بات التعايش أكثر تعقيداً؛ حيث أدت كثافة التدفق المعلوماتي إلى انحسار التواصل الإنساني الحقيقي وتعميق العزلة.


يقدّم الإسلام نموذجاً تواصلياً وإعلامياً يستند إلى رؤيةٍ معرفية (إبستمولوجية) مغايرة للنموذج المادي الغربي، إذ يروم بناء الإنسان في أبعاده الأخلاقية والوجودية، لا مجرد شحنه بالبيانات. وتتأسس الرسالة الاتصالية في هذا النموذج على قيم الصدق، والإنصاف، والتنزه التام عن التضليل بكل أشكاله، جاعلةً من الأمانة ركيزة الخطاب.

ومن هذا المنطلق، يرتقي المنظور الإسلامي بالاتصال من مستوى “المعلومات” – بوصفها مجرد تدفقات وبيانات شبكية محايدة -إلى مرتبة “المعروفات”، مستنداً إلى أصلٍ تواصلي جوهري يقوم عليه “التعقيل الإسلامي”، وهو مبدأ “التعارف” الذي يحرر التواصل من منطق الصراع والاستهلاك إلى فضاء التلاقي والتكامل الإنساني. ويتجلى هذا المقصد الأسمى في محكم التنزيل، حيث يقول الله عز وجل في سورة الحجرات: “يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ “.  [1].»

وبالرجوع إلى الأصل اللغوي لمفردة ” تعارف”، نجد أن الفعل الرباعي «تعارف» مشتق من الفعل الثلاثي “عَرَفَ”، الذي يفيد معنى الارتفاع والبروز و التباين ، بما يقتضي ثباتًا واستمرارًا في الإدراك، سواء تعلق الأمر بمعنى معنوي، كإدراك وجود الأشياء وتمييزها، أم بأمر مادي محسوس، كالتعرّف إلى الروائح والآثار الدالة على الأشياء والأفعال. ومن هذا الأصل اللغوي اشتُقَّ لفظ “المعروف”، الذي يطلق على ما استحسنته النفس وأدركته خيرًا، واطمأنت إليه، وهو في مقابل “المنكر”.  وقد أشار لسان العرب إلى هذا المعنى، فجعل المعروف جامعًا لكل ما تعرفه النفس من الخير وتميل إليه وتطمئن له.

          ويرى الصالحي أن المعنيين للتعارف (المعروف والمعرفة ) ممكنان وغير متناقضين، وبالإمكان الأخذ بهما معا، ويقول: “إن فعل المعروف يستخدم فيه حصرا صيغة الفعل الرباعي “تعارف” على وزن تفاعل، ذلك لأن فعل المعروف يفترض ضمنا أنه سيكون متبادلا وليس من جهة لدن واحد، في حين أن فعل الإدراك والمعرفة يستخدم معه الثلاثي والرباعي “عرف” (علي بن حمد الصالحي ، 2012 ).

وهكذا فإن الخطاب القرآني هو دعوة صريحة إلى المعروف أي “العمل الحسن المتبادل كل منهما لصالح الآخر” (علي بن حمد الصالحي، 2012)، بل إن وجود الأمة مرتبط بضرورة الالتزام بالمعروف حيث يقول سبحانه وتعالى: ” وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”  سورة آل عمران، الآية 104. فرسالة الأمة هي أن تدعو إلى الخير وتآمر بالمعروف وتنهى عن المنكر.

          وبذلك يحكم مبدأ التعارف العلاقات بين جماعات الناس (شعوبا وقبائل) في إطار جماعة سياسية كبرى وتنتهي مرجعية المعروف إلى الناس أنفسهم، “حيث يتحدد مضمونها بأبعاد موضوعية وتقديرات الأطراف المفترض أنها حرة”، كما يشير إلى ذلك علي بن حمد الصالحي.

          وهذه الدعوة إلى المعروف هي ملزمة للجميع وكيف ما كانت الظروف ولو كانت ظروف الحرب والاقتتال، حيث يقول سبحانه: “وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِين”سورة الحجرات، الآية 9..

          ويشدد الخطاب القرآني على تحريم الاعتداء، ويحذر من مساوئ الأخلاق المنكرة؛ كالبغي، والسخرية، والتنابز بالألقاب، وسوء الظن، والتجسس، والغيبة، والظلم، وهي رذائل تقوض أواصر المجتمع وتورث البغضاء والشحناء. وفي المقابل، يدعو النص القرآني – بصيغتي الأمر والترغيب، ومنطوق الخطاب ودلالته- إلى التزام مكارم الأخلاق المقابلة، من إقامة القسط، وحفظ الكرامة، والستر، والتناصح بالمعروف. وتتويجاً لهذا الميثاق الأخلاقي، يؤكد القرآن الكريم على أصالة الرابطة الجامعة بين أبناء المجتمع الإيماني، إذ يقول سبحانه وتعالى في سورة الحجرات:  “إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ° يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَن يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚإِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَّحِيمٌ”.

          ويضيف الخطاب القرآني بأن “الاختلاف” بين الناس ليس من أجل أن يبغي بعضهم على بعض، بل من أجل أن يتعارفوا ويتبادلوا العمل الصالح المسمى “معروفا” حيث يقول سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ” سورة الحجرات، الآية 13.

          ونستخلص من هذه الأهمية التي يوليها الإسلام إلى التعارف والمكانة التي يحظى بها المعروف بأن نعيد النظر في مفهوم الاستزادة غير المحدودة من المعلومات ومفهوم المعلومة المجردة اللذين اصطبغا بهما النموذج المعرفي الغربي المادي للاتصال، حيث أنه “ليس كل زيادة في المعلومات مطلوبة ولا كل معلومة محايدة”  (طه عبد الرحمن، 2026).

          وهكذا يقتضي مبدأ التعارف في المنظور الإسلامي، بأن نتوقف على التسابق المحموم من أجل الظفر بأكبر قدر من المعلومات والسباق نحول اقتناء أحدث تقنيات الاتصال (التسلح الاتصالي). كما يتطلب تحقق التعارف “أن ترجع المعلومة إلى وضعها الظرفي المحدود حتى لا تنقلب على الإنسان، فتلقي به في مهلكة قد تكون شرا من مهلكة أسلحة الدمار الشامل” (طه عبد الرحمن 2006).

          أضحى الإنسان المعاصر يعيش في بيئة متخمة بالبيانات والتقنيات إثر التطور المتسارع في وسائل الإعلام والاتصال وتصدّر المنصات الرقمية للمشهد. ورغم وفرة أدوات الاتصال وسهولة الوصول إلى المعلومات، بات التعايش أكثر تعقيداً؛ حيث أدت كثافة التدفق المعلوماتي إلى انحسار التواصل الإنساني الحقيقي وتعميق العزلة.

          من هنا، يستوجب التعامل مع هذا الفيض المعلوماتي تمثّلَ منظومةٍ أخلاقية تتجاوز منطق “المعلومات المجردة”. وهي آدابٌ يوجزها الفيلسوف طه عبد الرحمن في اشتراط: “ألّا نجمع ولا نولّد ولا نختزن إلا ما يعود بالخير على متلقّيه”. ومن شأن هذا التأطير القيمي أن يعالج الاختلالات الهيكلية التي كرّستها المنصات الرقمية: من تفشٍّ للأخبار المضللة، وإحكامٍ لآليات الرقابة والتوجه السلوكي، وانتهاكٍ سافر لخصوصية الأفراد عبر استثمار بياناتهم لأغراض نفعية سياسية وتجارية.

           وعليه، يغدو لزاماً أن تتأسس الرسالة الاتصالية على مبادئ الأمانة والنزاهة، متعاليةً عن نزعات الإثارة والتوظيف الدعائي، لتتوجه إلى العقل بالمعرفة الموثقة لا إلى الغرائز بالاستثارة الحسية (بلعقروز، 2015).

          يقول الله عزوجل في سورة البقرة: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ﴾ سورة البقرة، الآية 263

 مراجع

  1. علي بن حمد الصالحي: الخطاب السياسي في القرآن السلطة والجماعة ومنظومة القيم (بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2012).
  2. طه عبد الرحمن: روح الحداثة (المغرب: المركز الثقافي العربي، 2006، الطبعة الأولى).
  3. عبد الرزاق بلعقروز، “الحداثة الفائقة ومظاهر انفصال الاعلام المعاصر عن القيمة”، إسلامية المعرفة (بيروت: السنة الحادية والعشرون، العدد 81، صيف 2015)

زكرياء سحنون

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى