slidertrendingآراء

إمارة المؤمنين: تفرد مغربي (6) – بقلم محمد جلماد

إن دور ملك المغرب، بصفته أميراً للمؤمنين، يتجاوز الإطار السياسي الصرف ليندرج في سياق واجب ديني يتجسد في رسالة روحية وحمائية عميقة، قوامها ضمان طمأنينة الأمة وقوتها.


الأجهزة الأمنية في خدمة الأمن الروحي

منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين عام 1999، يحتل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين -حفظه الله-، مكانة مركزية باعتباره المهندس الفاعِل الرئيسي والمدبر الأول للتحولات الكبرى التي يشهدها المغرب. وتترجم مبادرات جلالته رؤى استراتيجية وتوجيهات واعدة تضمن الأمن الروحي والمادي لشعبه، وتكفل بالتالي الاستقرار السياسي، التنمية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يختم العاهل المغربي خطابه الملكي، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه المنعمين، بآية كريمة من سورة قريش : « فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ».

وحقاً، فإن دور ملك المغرب، بصفته أميراً للمؤمنين، يتجاوز الإطار السياسي الصرف ليندرج في سياق واجب ديني يتجسد في رسالة روحية وحمائية عميقة، قوامها ضمان طمأنينة الأمة وقوتها.

كفالة الرفاه الاقتصادي والاجتماعي :

في الأخلاق والتقاليد الإسلامية، يُعتبر ولي الأمر ومسؤول الأمة مسؤولاً عن رفاهية سائر أفراد المجتمع، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة وعوزاً. وطالما التزم ملوك المغرب عبر التاريخ بتأدية هذه الأمانة والنهوض بها، من خلال تحمل مسؤولية تدبير الموارد والإشراف على سياسات الأمن الغذائي لضمان الاكتفاء الذاتي، فضلاً عن تدبير شؤون الأوقاف والزكاة لتحقيق توزيع عادل للثروات، وصولاً إلى استجابتهم الفورية والتفاعلية في مواجهة الأزمات، خاصة خلال فترات الجفاف أو الهزات الاقتصادية، لحماية الساكنة من الهشاشة الغذائية.

ووفاءً لهذا الموروث الروحي العريق، وبالرغم من توالي سنوات الجفاف وتفاقم الأزمات الدولية، حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- على بناء اقتصاد وطني تنافسي تمكن من الحفاظ على معدل نمو هام ومنتظم خلال السنوات الأخيرة.

وتحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله-، انخرط المغرب في تحول هيكلي عميق، جعل من ثنائية ” الاقتصاد والاجتماع ” لُبَّ الاستراتيجية الوطنية. ويقود صاحب الجلالةُ هذه الدينامية باعتباره المحرك الفعلي لها، من خلال إطلاق أوراش كبرى في مجالات البنية التحتية -مثل ميناء طنجة المتوسط أو مركب ” نور” للطاقة الشمسية- وهي الأوراش التي بَوَّأت البلاد مكانة متميزة كمنصة لوجستيكية وطاقية عالمية.

ومع ذلك، فإن هذه الرؤية لا تنحصر في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية الصرفة؛ بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الاجتماعية. فمن خلال مبادرات كبرى كـ ” المبادرة الوطنية للتنمية البشرية “، ومؤخراً تعميم الحماية الاجتماعية، يحرص صاحب الجلالة على أن يكون التقدم الاقتصادي شاملاً ودامجاً لجميع الفئات. والهدف هنا واضح جلياً: تحديث الآلية الإنتاجية للمملكة مع الحفاظ على كرامة المواطنين والحد من الفوارق المجالية والترابية.

وحسب الأستاذ م. شطاطو، فإن التركيز الذي جاء في الخطاب الملكي بتاريخ 29 يوليو 2025 على « الاقلاع الصناعي غير المسبوق »، يترجم إرادة ملكية راسخة لوضع المغرب في مصاف القوى الصناعية الصاعدة. إن الإشارة إلى تضاعف الصادرات الصناعية منذ عام 2014، لا سيما في ” المهن العالمية “، تكشف عن استراتيجية ناجعة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ويندرج هذا التوجه في إطار استمرارية السياسات القطاعية التي أُطلِقت منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لاسيما مخطط التسريع الصناعي 2014-2020 والاستراتيجية الوطنية للتسريع الصناعي 2021-2030. كما أكد جلالة الملك -نصره الله- أن قطاعات السيارات، الطيران، الطاقات المتجددة، الصناعات الغذائية، والسياحة، أصبحت تشكل رافعة أساسية للاقتصاد المغربي الصاعد، سواء من حيث جلب الاستثمارات أو خلق فرص الشغل. ويعكس هذا رغبة ملكية في تنويع الروافد الاقتصادية للحد من التبعية للقطاعات التقليدية وتطوير ميزات تنافسية في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

وفي سياق حرص جلالته على تحديث البنيات التحتية وفقاً للمعايير العالمية، أعطى جلالته مؤخراً انطلاقة أشغال تمديد خط القطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، إلى جانب سلسلة من المشاريع الكبرى في مجالي الأمن المائي والغذائي.

ورغم المؤشرات الإيجابية والنجاحات الاقتصادية الشاملة، فقد قدم الخطاب الملكي الصادر في 30 يوليو 2025 تشخيصاً دقيقاً وصريحاً للفوارق المجالية التي لا تزال قائمة في المغرب. حيث أعلن جلالته بكل صراحة ووضوح: « إنه لمن المؤسف أن نرى أن بعض المناطق، خاصة في العالم القروي، لا تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، جراء نقص البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية. وهي وضعية لا تعكس بتاتاً رؤيتنا للمغرب الذي نريده اليوم. كما أنها لا تترجم الحجم الحقيقي للجهود التي نبذلها لتعزيز التنمية الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية. فالحقيقة أنه لا مكان، لا اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين ». وتعكس هذه الكلمات وعياً حاداً بحدود نموذج التنمية المرتكز على الأقطاب الحضرية، وتعبر عن إرادة سياسية قوية للحد من التفاوتات المكانية.

وإيماناً من جلالته بضرورة تحسين ظروف عيش المواطنين، أولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- دائماً عناية خاصة للنهوض بالتنمية البشرية، لاسيما من خلال تعميم الحماية الاجتماعية وتقديم الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المستحقة والمستوفية لشروط الاستهداف. وقد ظهرت ثمار هذه الجهود جلياً؛ حيث تراجع مستوى الفقر متعدد الأبعاد بشكل ملموس على الصعيد الوطني، منتقلاً من 11.9% عام 2014 إلى 6.8% عام 2024. كما تجاوز المغرب في عام 2025 عتبة دليل التنمية البشرية ، ليرتقي ضمن فئة الدول ذات ” التنمية البشرية المرتفعة “.

ولا بد من التأكيد على أن الرأسمال البشري قد وُضِع من لدن جلالة الملك في صدارة الأولويات الوطنية، ليصبح بلا شك أحد أبرز الأوراش الرمزية والمهيكلة للعقد الحالي؛ ورشٌ تميز أساساً بتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية، ومواصلة محاربة الهشاشة والإقصاء في المناطق القروية والحضرية الهشة عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فضلاً عن إصلاح قطاعي التعليم والصحة من خلال تأهيل المنظومة الصحية الوطنية (إحداث مستشفى جامعي في كل جهة )، وإعادة هيكلة المدرسة العمومية لتعزيز تكافؤ الفرص.

 كما أعلن صاحب الجلالة عن عزمِه الراسخ على إحداث طفرة حقيقية ونقلة نوعية في مجال التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، والانتقال من المقاربات الكلاسيكية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة قوامها التنمية الترابية المتكاملة، بهدف تمكين جميع المواطنين من جني ثمار التقدم والتنمية. وفي هذا الصدد، حدد الخطاب الملكي أربعة ركائز أساسية للبرامج الجديدة للتنمية الترابية، وهي:

أولاً :  النهوض بالتشغيل، من خلال تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية، وإرساء مناخ ملائم لريادة الأعمال والاستثمار المحلي.

ثانياً :  تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية، ولا سيما التربية والتعليم والرعاية الصحية، بما يحفظ كرامة المواطنين ويرسخ العدالة المجالية.

ثالثاً:  اعتماد نموذج تدبيري استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تفاقم الإجهاد المائي والتغيرات المناخية

رابعاً:  إطلاق مشاريع التأهيل الترابي المتكامل، في انسجام تام مع المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها على الصعيد الوطني .

ومن جهة أخرى، أمر صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- بإعداد وصياغة النموذج التنموي الجديد  وصادق عليه، وهو بمثابة خارطة طريق في أفق عام 2035؛ ويروم هذا النموذج وضع المغرب على مسار نمو شامل ومستدام، متمحوراً حول أربعة محاور رئيسية:

تحول الاقتصاد:  عبر التنويع، التنافسية، الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال.

الرأسمال البشري:  من خلال تجويد منظومة التربية والتعليم، والصحة، ونظام التكوين.

الإدماج الاجتماعي:  عبر تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، تعزيز تكافؤ الفرص، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية.

التنمية الترابية:  من خلال تثمين المؤهلات المحلية وتعزيز الحكامة الجهوية.

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن الرؤية الملكية تندرج أيضاً ضمن منظور وأبعاد دولية، يتجلى أبرز معالمها في التنظيم المشترك لـكأس العالم 2030، والذي يشكل حافزاً ومحركاً أساسياً لتسريع وتيرة الاستثمارات في البنيات التحتية الرياضية، السياحية، ووسائل النقل والمواصلات.

المديرية العامة للأمن الوطني في طليعة مكافحة الانحرافات الإيديولوجية ودرع في مواجهة عدم الاستقرار:

يكفل صاحب الجلالة الملك -نصره الله- استقرار العبادة والنظام العام. ومن خلال حماية حرية ممارسة الشعائر الدينية مع تعزيز إسلام الوسطية والاعتدال، يعمل جلالته على الوقاية من التيارات المتطرفة التي قد تهدد السلم الأهلي. ويُنظر إلى هذا الأمن باعتباره الركيزة الأساسية و التي لا غنى عنها لكل حياة كريمة.

وفي خطابه السامي المستنير، الذي ألقاه في 29 يوليو 2004 بمناسبة عيد العرش المجيد، خطا صاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله- خطوة جديدة في إصلاح الحقل الديني، حيث قارب جلالته لأول مرة المسألة الشائكة المتعلقة بالعلاقة بين ما هو ديني وما هو سياسي، محدداً طبيعتها على مستوى الفاعلين في المشهد السياسي الديني. إذ إن الجمع بين السياسة والدين لا يستقيم إلا على مستوى شخص الملك حصراً، في حين يُوصى بالفصل بينهما على مستوى الفاعلين الآخرين، تفادياً لأي استغلال للدين لأغراض سياسية. وقد أكد جلالة الملك -أعزه الله- في هذا الصدد أن « إصلاح الحقل الديني (…) يتطلب أيضاً إصلاح المجال السياسي، الذي هو مجال الآراء والاجتهادات بامتياز. ومن ثَمَّ، يجب وضع فصل واضح بين ما هو ديني وما هو سياسي، نظراً لقدسية العقائد والمبادئ التي يحملها الدين، والتي يجب بالتالي أن تكون بمنأى عن أي خلاف أو نزاع، ومن هنا تبرز ضرورة التصدي لكل استغلال للدين لأهداف سياسية ».

ويهدف هذا الحل أساساً إلى تحصين الشخصية والهوية الدينية المغربية القائمة على المذهب المالكي، وترسيخ سلوك ديني مبني على إسلام يدعو إلى الوسطية والتسامح، وإحباط التيارات الدينية المتطرفة.

ويكرس الخطاب الملكي حصرية الاختصاص الديني في شخص الملك، الذي تؤهله صفته كأمير للمؤمنين، دون غيره، للجمع بين الدين والسياسة . ويجزم جلالته قائلاً: « إنه في ظل الملكية الدستورية المغربية، لا يجتمع الدين والسياسة إلا في شخص الملك، أمير المؤمنين ». وهو أمر طبيعي تماماً ومصدر أمان للبلاد، إذ إنه بصفته قائداً روحياً ورئيساً للدولة، يظل جلالة الملك، وفقاً للتقاليد الوطنية، الركيزة التي يستند إليها المجتمع الوطني، والضامن لاستقلاله وصيانة هويته في تنوع مكوناتها. ومن الآن فصاعداً، وخارج المؤسسة الملكية، أصبح لكل من السياسي والديني فضاءه الخاص، ولا يُسمح بأي خلط بينهما. وقد أكد العاهل المغربي صراحةً أنه سيسهر، بموجب الأمانة المقدسة المنوطة به، على أن تمارَس السياسة داخل الهيئات والمؤسسات والفضاءات الخاصة بها. أما القضايا الدينية، فيحرص السير على أن تُعالج داخل مجالس العلماء والجهات الأخرى المؤهلة، وأن تقام شعائر العبادة في المساجد وأماكن العبادة الملائمة الأخرى، في ظل الاحترام التام لحرية المعتقد.

وتقوم الرؤية الملكية في المجال الديني على ضبط الحقل الإسلامي واستعادته من خلال إرساء هيئة علماء رسمية تضمن احتكار الفتوى والخطاب الديني، من أجل التصدي للإسلام السياسي ( الإسلاموية ) وتناسل ” العلماء العشوائيين ” الذين ينصبون أنفسهم بأنفسهم، ويسيئون إلى روح الإسلام القائمة على السماحة والتسامح؛ وبهذه الطريقة، يتم تجنب مخاطر الانزلاقات الإيديولوجية، وإحباط نمو التيارات الظلامية. وبذلك، تستجيب الملكية الدستورية المغربية لتطلعات « المغاربة الذين يريدون مؤسسة ملكية قوية، ديمقراطية وتنفيذية ».

دور الأجهزة الأمنية في الحفاظ على الأمن الروحي بالمغرب:

تحت التوجيهات السديدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله-، تعمل الشرطة المغربية كدرع مادي يحمي الأمن الروحي. وتساهم في تحصين النموذج الديني المغربي ضد التهديدات الأمنية، بما يضمن استقرار البلاد. ويتعلق الأمر هنا بمقاربة مؤسسات القوة العمومية، وتحديداً المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني ، من زاوية نوعية تسلط الضوء على مشاركتهما الفعالة، إلى جانب المؤسسات الدينية، في حفظ النظام العام الديني عبر محاربة الانحرافات الإيديولوجية النزعات المتطرفة.

وحقاً، فإن الأمن الروحي في المغرب ليس مجرد مفهوم لاهوتي نظري، بل هو جزء لا يتجزأ من النظام العام. وتتدخل الشرطة لحماية “النموذج الديني المغربي” ضد نوعين من التهديدات:

التطرف العنيف: حيث تعمل الشرطة على استباق ووقاية الانتقال إلى الفعل الإرهابي الناتج عن الانحراف الإيديولوجي.

التأثيرات الخارجية المزعزعة للاستقرار: و ذلك من خلال مراقبة التيارات الدينية الأجنبية التي قد تشق صف التماسك الوطني ( كالتبشير أو التيارات الطائفية ).

وتجسد شخصية السيد عبد اللطيف حموشي، على رأس المديرية العامة للأمن الوطني والمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني، المقاربة المغربية المندمجة حيث يشكل الأمن المادي والأمن الروحي وجهين لعملة واحدة. ولا يقتصر عمله على الجانب الزجري الردعي فحسب، بل يندرج ضمن استراتيجية متعددة الأبعاد للحكامة الأمنية.

 التحييد الاستباقي لـ ” مقاولي التطرف ”:

هذا مجال اكتسبت فيه الأجهزة الأمنية علامة التميز والكفاءة بفضل عاملين أساسيين:

أولاً، النجاح في تحديد وتحليل السلوكات والملامح  للإرهابيين: وهي مهمة ليست باليسيرة رغم وهم سهولة الوصول الذي قد تبدو عليه. وتزداد الممارسة صعوبة مع تعقد ظاهرة التطرف الديني التي اتخذت أبعاداً دولية ذات توجهات إيديولوجية متعددة، وأهداف تخريبية كبرى، ووسائل عمل ذات أثر إعلامي كوني. ويمكن القول إن ملامح المتطرف الإسلامي الراديكالي تتميز بالتحول المستمر والتطور المراوغ. هذا الواقع يفرض على الأجهزة الأمنية يقظة مضاعفة وتعبئة تامة، وهو ما لا تفتأ تبان عنه على الدوام وبشكل مستمر.

ثانياً، رصد ومكافحة النزعات الإرهابية قبل أن تترجم ماديّاً إلى أفعال إجرامية. ولا سيما أننا لم نعد اليوم في مواجهة النمط التقليدي للاستقطاب والتجنيد، بل أصبحنا أمام أسلوب يتجاوز الاتصال المباشر، ويلعب فيه ” إمام الإنترنت ” -وفقاً لتعبير أستاذ علم الإجرام آلان باور- دوراً فائق الخطورة والفعالية.

وجدير بالذكر أن المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، معترف به دولياً كأحد أبرز الخبراء في مجال مكافحة التطرف، حيث يرتكز في استراتيجيته على محورين رئيسيين:

  • الاستباقية والمقاربة الوقائية:

 إذ أتاح إحداث المكتب المركزي للأبحاث القضائية عام 2015 للمغرب تفكيك مئات الخلايا الإرهابية قبل انتقالهما إلى مرحلة التنفيذ الفعلي.

  • الذكاء الميداني:

 حيث طورت المديرية العامة لمراقبة التراب الوطني قدرة فريدة على اختراق الشبكات النائمة، مما جعل من المغرب ” واحة للاستقرار ” في منطقة الساحل والصحراء التي تتسم بعدم الاستقرار.

 تأمين التجمعات الروحية الكبرى:

تُعد المملكة المغربية وجهة رئيسية ومفضلة لتنظيم مختلف التجمعات الروحية لاتباع الديانات التوحيدية الثلاث. وتأتي هذه السمعة، أولاً، نتيجة للتكريس الدستوري لحرية المعتقد التي يكفلها صاحب الجلالة الملك بوصفه أميراً لجميع المؤمنين، وثانياً، بفضل كفاءة وفعالية الأجهزة الأمنية التي تسخر كافة الوسائل لضمان طمأنينة الحجاج والزوار وممارستهم لشعائرهم في أمن وأمان.

وهكذا، يستقبل المغرب سنوياً آلاف المريدين، لاسيما شيوخ وزعماء الطريقة التجانية القادمين من مختلف أنحاء إفريقيا. ويشكل حَجُّ مريدي وأتباع الطريقة التجانية إلى المغرب، وتحديداً إلى مدينة فاس، أحد الركائز الأساسية للدبلوماسية الدينية والإشعاع الروحي للمملكة في إفريقيا والعالم؛ وبصفته أميراً للمؤمنين، يجمع ملك المغرب بالتجانيين رابط تاريخي ووثيق.

وعلى المنوال نفسه، تعكس احتفالات اليهود بالمغرب والمعروفة باسم ” الهيلولا ” تقليداً عريقاً فريداً من نوعه في العالم، يجسد عمق الروافد العبرية في الهوية المغربية. وبخلاف بقية الجاليات اليهودية في العالم، يحافظ اليهود من أصل مغربي على ارتباط روحي ووجداني لا ينفصم مع أرضهم الأصلية. وفي كل عام، يعود آلاف اليهود المغاربة القادمين من إسرائيل، أوروبا، أو الأمريكيتين إلى قراهم الأصلية لإحياء هذه المواسم، حيث يُستقبلون بروح الأخوة من طرف الساكنة المحلية، مما يجدد تأكيد البيعة الروحية والتعلق المتين لليهود المغاربة عبر العالم بالعرش العلوي المجيد.

علاوة على ذلك، مثلت زيارة البابا فرنسيس للمغرب يومي 30 و31 مارس 2019، والتي وُضِعت تحت شعار “الرجاء “، تحدياً أمنياً ولوجستياً غير مسبوق. وأظهر هذا الحدث قدرة المغرب العالية على تدبير المنظومات الأمنية رفيعة المستوى مع الحفاظ على الأبعاد الرمزية لحفاوة الاستقبال وحسن الضيافة. وحظيت هذه الزيارة بإشادة دولية واسعة، ليس فقط لأبعادها السلمية، بل أيضاً بفضل المهنية العالية للأجهزة الأمنية المغربية، التي نجحت في تأمين اثنتين من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم داخل فضاء عمومي مفتوح.

إن التدبير الأمني الفعال لهذه الأحداث من طرف المديرية العامة للأمن الوطني يعزز مصداقية المغرب كأرض للسلام. ومن خلال ضمان أمن وسلامة الحجاج الأفارقة، واليهود، والمسيحيين، يسهم المديرية العامة للأمن الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، بشكل مباشر في إشعاع القوة الناعمة  الدينية التي يصبو إليها صاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله-، لتصبح الشرطة ميسراً حقيقياً للحوار الروحي العابر للحدود.

 مكافحة التطرف الرقمي ( السيبراني ):

في مواجهة تنامي دعاة الكراهية عبر منصات التواصل الاجتماعي، عززت المديرية العامة للأمن الوطني وحداتها الخاصة بالأمن السيبراني. وتقوم مصالح مكافحة الجريمة الإلكترونية بالشرطة المغربية بمراقبة المنصات الرقمية لرصد خطاب الكراهية وعمليات الاستقطاب. وتتيح هذه المواكبة تحديد هويات المستقطِبين وتفكيك خلايا الدعاية قبل وصولها إلى الفئات الهشة والمستهدفة. وتمثل هذه المراقبة نوعاً من ” اليقظة الصحية الروحية ” التي تحول دون تسلل الفيروسات الإيديولوجية وتغلغلها في النسيج الاجتماعي المغربي عبر الشبكة العنكبوتية.

برنامج ” مصالحة “: نموذج للتكامل والالتقائية:

يتجسد المساهمة الملموسة لجهاز الأمن في صون الأمن الروحي في برنامج “مصالحة” الموجه للمعتقلين المحكومين في قضايا الإرهاب. وقد كان المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، السيد عبد اللطيف حموشي، حجر الزاوية في هذا البرنامج الفريد من نوعه عالمياً، والذي يضم خبراء أمنيين، وأخصائيين نفسيين، وعلماء شريعة وتيولوجيا.

ويُعد هذا البرنامج أحد أكثر الركائز ابتكاراً في الاستراتيجية المغربية لمكافحة التطرف، حيث أطلقته المندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الإدماج عام 2017، ويرتكز على مقاربة متعددة الأبعاد فريدة من نوعها.

وبخلاف المقاربات الزجرية الصرفة، يتعامل برنامج ” مصالحة ” مع السجين ليس فقط كخطر أمني، بل كذات قابلة لإعادة التأهيل الفكري والروحي، حتى يتصالح أولاً مع نفسه عبر فهم مواطن هشاشته، ثم مع النص الديني عبر إدراك القيم الحقيقية لإسلام الوسطية والاعتدال، وأخيراً مع المجتمع عبر ترسيخ احترام المؤسسات وقواعد العيش المشترك داخل الجماعة الوطنية.

إن مساهمة السيد عبد اللطيف حموشي، المدير العام للأمن الوطني والمدير العام لمراقبة التراب الوطني، في هذا البرنامج تترجم قناعته الراسخة بأن الأمن لا ينحصر في رقابة الأجساد والمادة، بل يمتد إلى حماية التماسك العقائدي والروحي للبلاد. وهي قناعة خادم وفيّ للعرش العلوي المجيد، يستلهم خطاه من التوجيهات الملكية السامية المتعلقة بحماية الأمن الروحي؛ حيث أكد صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- في خطابه السامي بتاريخ 30 أبريل 2004 قائلاً: « فمنذ أن تقلدنا أمانة إمامة المؤمنين، واسترعانا الله عهد البيعة المقدسة، وما يطوقنا به من واجب حماية الدين وحرمة أهله، ما فتئنا نولي الشؤون الدينية أسمى عنايتنا، حريصين على أن تقوم المؤسسات الساهرة عليها بمهامها على الوجه الأكمل، وتحظى أحوال القائمين بها بما يستحقونه من رعاية. وتندرج مقاربتنا هذه في سياق النهج السليم الذي سار عليه أسلافنا المنعمون في الحفاظ على الأمن الروحي للمغرب، ووحدة المذهب المالكي ».


الهوامش :

في 15 ماي 2015، عُيِّن السيد عبد اللطيف حموشي من طرف صاحب الجلالة الملك محمد السادس -أعزه الله- مديراً عاماً للمديرية العامة للأمن الوطني، مع احتفاظه بمنصبه مديراً عاماً للمديرية العامة لمراقبة التراب الوطني. وقد جاء هذا القرار الملكي استجابة لضرورة ضخ دماء جديدة في عمل المصالح الأمنية وإرساء تكامل وتنسيق أمثل يستجيب لمتطلبات الشفافية والفعالية والمردودية.

وقد أبان السيد عبد اللطيف حموشي، الذي كان في مستوى الثقة الملكية الغالية، عن كفاءة ومهنية عالية نال بفضلهما اعترافاً وتقديراً دوليين؛ حيث وشحه صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- بوسام المكافأة الوطنية من درجة ضابط عرش عام 2011. كما وشحته الجمهورية الفرنسية عام 2015 بلقب فارس في جوقة الشرف برتبة لجيون دونور، ومنحته المملكة الإسبانية “الصليب الشرفي للاستحقاق الأمني بتميز أحمر”، وفي 23 سبتمبر 2019، قررت الحكومة الإسبانية منحه وسام “الصليب الأكبر للاستحقاق للحرس المدني”. وتعتبره الأجهزة الأمنية الأمريكية محاوراً وشريكاً استراتيجياً لا غنى عنه في المنطقة.

(يتبع)

محمد جلماد – دكتور في القانون العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى