slidertrendingآراء

إمارة المؤمنين: تفرد مغربي (6) – بقلم محمد جلماد

إن دور ملك المغرب، بصفته أميراً للمؤمنين، يتجاوز الإطار السياسي الصرف ليندرج في سياق واجب ديني يتجسد في رسالة روحية وحمائية عميقة، قوامها ضمان طمأنينة الأمة وقوتها.


الأجهزة الأمنية في خدمة الأمن الروحي

منذ اعتلائه عرش أسلافه الميامين عام 1999، يحتل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين -حفظه الله-، مكانة مركزية باعتباره المهندس الفاعِل الرئيسي والمدبر الأول للتحولات الكبرى التي يشهدها المغرب. وتترجم مبادرات جلالته رؤى استراتيجية وتوجيهات واعدة تضمن الأمن الروحي والمادي لشعبه، وتكفل بالتالي الاستقرار السياسي، التنمية الاقتصادية، والتماسك الاجتماعي. ولم يكن من قبيل الصدفة أن يختم العاهل المغربي خطابه الملكي، بمناسبة الذكرى السادسة والعشرين لتربعه على عرش أسلافه المنعمين، بآية كريمة من سورة قريش : « فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَٰذَا الْبَيْتِ الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ ».

وحقاً، فإن دور ملك المغرب، بصفته أميراً للمؤمنين، يتجاوز الإطار السياسي الصرف ليندرج في سياق واجب ديني يتجسد في رسالة روحية وحمائية عميقة، قوامها ضمان طمأنينة الأمة وقوتها.

كفالة الرفاه الاقتصادي والاجتماعي :

في الأخلاق والتقاليد الإسلامية، يُعتبر ولي الأمر ومسؤول الأمة مسؤولاً عن رفاهية سائر أفراد المجتمع، ولا سيما الفئات الأكثر هشاشة وعوزاً. وطالما التزم ملوك المغرب عبر التاريخ بتأدية هذه الأمانة والنهوض بها، من خلال تحمل مسؤولية تدبير الموارد والإشراف على سياسات الأمن الغذائي لضمان الاكتفاء الذاتي، فضلاً عن تدبير شؤون الأوقاف والزكاة لتحقيق توزيع عادل للثروات، وصولاً إلى استجابتهم الفورية والتفاعلية في مواجهة الأزمات، خاصة خلال فترات الجفاف أو الهزات الاقتصادية، لحماية الساكنة من الهشاشة الغذائية.

ووفاءً لهذا الموروث الروحي العريق، وبالرغم من توالي سنوات الجفاف وتفاقم الأزمات الدولية، حرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- على بناء اقتصاد وطني تنافسي تمكن من الحفاظ على معدل نمو هام ومنتظم خلال السنوات الأخيرة.

وتحت القيادة المتبصرة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله-، انخرط المغرب في تحول هيكلي عميق، جعل من ثنائية ” الاقتصاد والاجتماع ” لُبَّ الاستراتيجية الوطنية. ويقود صاحب الجلالةُ هذه الدينامية باعتباره المحرك الفعلي لها، من خلال إطلاق أوراش كبرى في مجالات البنية التحتية -مثل ميناء طنجة المتوسط أو مركب ” نور” للطاقة الشمسية- وهي الأوراش التي بَوَّأت البلاد مكانة متميزة كمنصة لوجستيكية وطاقية عالمية.

ومع ذلك، فإن هذه الرؤية لا تنحصر في الأرقام والمؤشرات الاقتصادية الصرفة؛ بل ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالعدالة الاجتماعية. فمن خلال مبادرات كبرى كـ ” المبادرة الوطنية للتنمية البشرية “، ومؤخراً تعميم الحماية الاجتماعية، يحرص صاحب الجلالة على أن يكون التقدم الاقتصادي شاملاً ودامجاً لجميع الفئات. والهدف هنا واضح جلياً: تحديث الآلية الإنتاجية للمملكة مع الحفاظ على كرامة المواطنين والحد من الفوارق المجالية والترابية.

وحسب الأستاذ م. شطاطو، فإن التركيز الذي جاء في الخطاب الملكي بتاريخ 29 يوليو 2025 على « الاقلاع الصناعي غير المسبوق »، يترجم إرادة ملكية راسخة لوضع المغرب في مصاف القوى الصناعية الصاعدة. إن الإشارة إلى تضاعف الصادرات الصناعية منذ عام 2014، لا سيما في ” المهن العالمية “، تكشف عن استراتيجية ناجعة للاندماج في سلاسل القيمة العالمية. ويندرج هذا التوجه في إطار استمرارية السياسات القطاعية التي أُطلِقت منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لاسيما مخطط التسريع الصناعي 2014-2020 والاستراتيجية الوطنية للتسريع الصناعي 2021-2030. كما أكد جلالة الملك -نصره الله- أن قطاعات السيارات، الطيران، الطاقات المتجددة، الصناعات الغذائية، والسياحة، أصبحت تشكل رافعة أساسية للاقتصاد المغربي الصاعد، سواء من حيث جلب الاستثمارات أو خلق فرص الشغل. ويعكس هذا رغبة ملكية في تنويع الروافد الاقتصادية للحد من التبعية للقطاعات التقليدية وتطوير ميزات تنافسية في الصناعات ذات القيمة المضافة العالية.

وفي سياق حرص جلالته على تحديث البنيات التحتية وفقاً للمعايير العالمية، أعطى جلالته مؤخراً انطلاقة أشغال تمديد خط القطار فائق السرعة الرابط بين القنيطرة ومراكش، إلى جانب سلسلة من المشاريع الكبرى في مجالي الأمن المائي والغذائي.

ورغم المؤشرات الإيجابية والنجاحات الاقتصادية الشاملة، فقد قدم الخطاب الملكي الصادر في 30 يوليو 2025 تشخيصاً دقيقاً وصريحاً للفوارق المجالية التي لا تزال قائمة في المغرب. حيث أعلن جلالته بكل صراحة ووضوح: « إنه لمن المؤسف أن نرى أن بعض المناطق، خاصة في العالم القروي، لا تزال تعاني من مظاهر الفقر والهشاشة، جراء نقص البنيات التحتية والتجهيزات الأساسية. وهي وضعية لا تعكس بتاتاً رؤيتنا للمغرب الذي نريده اليوم. كما أنها لا تترجم الحجم الحقيقي للجهود التي نبذلها لتعزيز التنمية الاجتماعية وتحقيق العدالة المجالية. فالحقيقة أنه لا مكان، لا اليوم ولا غداً، لمغرب يسير بسرعتين ». وتعكس هذه الكلمات وعياً حاداً بحدود نموذج التنمية المرتكز على الأقطاب الحضرية، وتعبر عن إرادة سياسية قوية للحد من التفاوتات المكانية.

وإيماناً من جلالته بضرورة تحسين ظروف عيش المواطنين، أولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- دائماً عناية خاصة للنهوض بالتنمية البشرية، لاسيما من خلال تعميم الحماية الاجتماعية وتقديم الدعم الاجتماعي المباشر للأسر المستحقة والمستوفية لشروط الاستهداف. وقد ظهرت ثمار هذه الجهود جلياً؛ حيث تراجع مستوى الفقر متعدد الأبعاد بشكل ملموس على الصعيد الوطني، منتقلاً من 11.9% عام 2014 إلى 6.8% عام 2024. كما تجاوز المغرب في عام 2025 عتبة دليل التنمية البشرية ، ليرتقي ضمن فئة الدول ذات ” التنمية البشرية المرتفعة “.

ولا بد من التأكيد على أن الرأسمال البشري قد وُضِع من لدن جلالة الملك في صدارة الأولويات الوطنية، ليصبح بلا شك أحد أبرز الأوراش الرمزية والمهيكلة للعقد الحالي؛ ورشٌ تميز أساساً بتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية الإجبارية، ومواصلة محاربة الهشاشة والإقصاء في المناطق القروية والحضرية الهشة عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، فضلاً عن إصلاح قطاعي التعليم والصحة من خلال تأهيل المنظومة الصحية الوطنية (إحداث مستشفى جامعي في كل جهة )، وإعادة هيكلة المدرسة العمومية لتعزيز تكافؤ الفرص.

 كما أعلن صاحب الجلالة عن عزمِه الراسخ على إحداث طفرة حقيقية ونقلة نوعية في مجال التأهيل الشامل للمجالات الترابية، وتدارك الفوارق الاجتماعية والمجالية، والانتقال من المقاربات الكلاسيكية للتنمية الاجتماعية إلى مقاربة قوامها التنمية الترابية المتكاملة، بهدف تمكين جميع المواطنين من جني ثمار التقدم والتنمية. وفي هذا الصدد، حدد الخطاب الملكي أربعة ركائز أساسية للبرامج الجديدة للتنمية الترابية، وهي:

أولاً :  النهوض بالتشغيل، من خلال تثمين المؤهلات الاقتصادية الجهوية، وإرساء مناخ ملائم لريادة الأعمال والاستثمار المحلي.

ثانياً :  تعزيز الخدمات الاجتماعية الأساسية، ولا سيما التربية والتعليم والرعاية الصحية، بما يحفظ كرامة المواطنين ويرسخ العدالة المجالية.

ثالثاً:  اعتماد نموذج تدبيري استباقي ومستدام للموارد المائية، في ظل تفاقم الإجهاد المائي والتغيرات المناخية

رابعاً:  إطلاق مشاريع التأهيل الترابي المتكامل، في انسجام تام مع المشاريع الكبرى الجاري تنفيذها على الصعيد الوطني .

ومن جهة أخرى، أمر صاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- بإعداد وصياغة النموذج التنموي الجديد  وصادق عليه، وهو بمثابة خارطة طريق في أفق عام 2035؛ ويروم هذا النموذج وضع المغرب على مسار نمو شامل ومستدام، متمحوراً حول أربعة محاور رئيسية:

تحول الاقتصاد:  عبر التنويع، التنافسية، الابتكار، وتشجيع ريادة الأعمال.

الرأسمال البشري:  من خلال تجويد منظومة التربية والتعليم، والصحة، ونظام التكوين.

الإدماج الاجتماعي:  عبر تقليص الفوارق الاجتماعية والمجالية، تعزيز تكافؤ الفرص، وتوسيع شبكة الحماية الاجتماعية.

التنمية الترابية:  من خلال تثمين المؤهلات المحلية وتعزيز الحكامة الجهوية.

وفي الختام، تجدر الإشارة إلى أن الرؤية الملكية تندرج أيضاً ضمن منظور وأبعاد دولية، يتجلى أبرز معالمها في التنظيم المشترك لـكأس العالم 2030، والذي يشكل حافزاً ومحركاً أساسياً لتسريع وتيرة الاستثمارات في البنيات التحتية الرياضية، السياحية، ووسائل النقل والمواصلات.

(يتبع)

محمد جلماد – دكتور في القانون العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى