
إن العناية العميقة والموصولة التي يوليها جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين – نصره الله – للقرآن الكريم (الكتاب المستبين) والحديث النبوي الشريف (أقوال الرسول وأفعاله) لتشكل أحد الركائز الأساسية لما يُصطلح عليه بأخلاقيات إمارة المؤمنين
الفصل الثاني: الأخلاق المعيشة: البصمة الإنسانية لأمير المؤمنين في قلب المجتمع
تستند أخلاقيات الحكامة لدى جلالة الملك محمد السادس بشكل كبير على قيم تتجلى في سلوكه الشخصي وتفاعلاته المباشرة مع المواطنين. وبعيدًا عن البروتوكولات الرسمية، ترسم هذه المواقف ملامح أخلاقيات القرب، والتواضع، والالتزام المباشر.
أخلاقيات القرب، “ملك الفقراء”: منذ بداية عهده، قطع السلوك الشخصي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس مع بعض جمود القواعد البروتوكولية لإرساء ثقافة الاتصال المباشر مع الفئات الأكثر هشاشة.
وقد اختار جلالته بساطة التفاعل؛ فخلال تنقلاته عبر أرجاء المملكة، يحرص العاهل الكريم بانتظام على التوجه للقاء المواطنين، وقبول التحيات العفوية، ورسائل التظلم، والصور الشخصية (السيلفي). ولقد ساهم هذا السلوك في إزالة الحواجز وسد المسافة بين الحاكم والمحكوم لفائدة ترسيخ أخلاقيات الإنصات.
ويشكل الاهتمام الذي يوليه جلالة الملك محمد السادس للمقصيين جانبًا آخر من جوانب الأخلاق الملكية ؛ ومن هذا المنطلق، فإن إطلاق المبادرة الوطنية للتنمية البشرية عام 2005 ينبع من هذه الأخلاقيات الملكية الشخصية. إذ يقوم جلالة الملك بزيارات منتظمة لمراكز رعاية المسنين، ودور الأيتام، والأحياء الهامشية، واضعًا التضامن لا كمجرد سياسة عمومية، بل كواجب أخلاقي وشخصي.
أخلاقيات الرعاية والتعاطف في مواجهة المحن: في لحظات الأزمات الوطنية أو المآسي الفردية، يتميز سلوك العاهل الكريم بحضور ميداني ودعم معنوي فوري. وسواء تعلق الأمر بالاعتداءات الإرهابية في الدار البيضاء عام 2003 أو في مراكش عام 2011، أو بزلزال الحسيمة عام 2004 أو زلزال الحوز عام 2023، فقد انتقل جلالة الملك إلى عين المكان، ليكون الأقرب إلى الركام وإلى الناجين. وإن صور جلالته وهو يقبل جبين الجرحى أو يتبرع بدمه في مركز تحاقن الدم بمراكش لتجسد أخلاقيات التعاطف المشترك، حيث يشاطر رئيس الدولة شعبه آلامه وجدانيًا وجسديًا.
وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن جلالة الملك محمد السادس – نصره الله – يتكفل بانتظام، ومن ماله الخاص، بالمصاريف الطبية للمواطنين المعوزين المصابين بأمراض خطيرة، وللفنانين في أواخر أيامهم، أو المثقفين في وضعية ضائقة، مبرزًا بذلك البُعد الحمائي والأبوي اللصيق بمهامه السامية.
أخلاقيات الوفاء والاعتراف الإنساني: تكمن سمة بارزة أخرى في السلوك الشخصي لجلالة الملك في وفائه تجاه أولئك الذين خدموا الأمة، فضلاً عن احترامه للتعددية الثقافية والفكرية.
وسواء تعلق الأمر بكبار رجالات الدولة، أو ناشطي حقوق الإنسان، أو العلماء، أو قامات الساحة الفنية والرياضية، فإن جلالته يحرص دائمًا على التعبير عن اعتراف الأمة بجميلهم. ويتجلى ذلك في برقيات التعازي المكتوبة بلمسة شخصية وعميقة عند الوفاة، أو من خلال الأوسمة الملكية التي يتم الانعام بها من جلالة الملك تقديرًا للاستحقاق والنموذجية. كما يعكس سلوك جلالة الملك أخلاقيات المصالحة مع التاريخ؛ فمن خلال تشجيع أعمال هيئة الإنصاف والمصالحة
في بداية عهده وقبول خلاصاتها علنًا، أبان العاهل الكريم عن نزاهة أخلاقية نادرة، تعد ضرورية لتحصين الانتقال الديمقراطي في البلاد.
أخلاقيات الاعتدال والأصالة: بصفته أميرًا للمؤمنين، يعكس سلوك صاحب الجلالة الملك محمد السادس تمسكًا بقيم إسلام الوسطية والاعتدال، القائم على التسامح والوقار؛ فهو يعيش التقوى في بهائه السامي. ويظهر هذا بجلاء، على وجه الخصوص، خلال الدروس الحسنية الرمضانية التي يترأسها، حيث ينصت جلالته للعلماء – رجالاً ونساءً – الوافدين من شتى أنحاء العالم في موقف يملؤه التواضع والخشوع. وعلى النحو ذاته، ينخرط جلالته خلال صلاة الجمعة في مختلف مساجد المملكة وسط جماعة المؤمنين دون تمييز في المراتب.
ويشهد السلوك الشخصي لجلالة الملك على تفتح فكري كوني؛ فالعلاقات الإنسانية التي تجمع جلالته بقامات ثقافية وفكرية من آفاق شتى، وكذا عمله الدؤوب من أجل إعادة تأهيل التراث اليهودي المغربي، لتجسد أخلاقيات معيشة قائمة على احترام الآخر والاعتراف بالغير.
وفي الحقيقة، إن السلوك الشخصي لصاحب الجلالة الملك محمد السادس – حفظه الله – يضفي لمسة إنسانية نبيلة على الوظيفة الملكية. فمن خلال مزج صرامة العمل السياسي بحس الوازع الإنساني، استطاع جلالته تحويل مفهوم السلطة إلى مفهوم خدمة الأمة. وبالنسبة للباحث والمراقب، لا تمثل هذه المواقف مجرد عناصر تواصلية عابرة، بل هي التعبير الصادق عن أخلاقيات سلوكية منسجمة تؤسس للمشروعية العاطفية والتاريخية للملكية المغربية.
الفصل الثالث: المصادر المقدسة: القرآن والسنة باعتبارهما مصفوفة ومصدر أخلاقيات إمارة المؤمنين
إن العناية العميقة والموصولة التي يوليها جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين – نصره الله – للقرآن الكريم (الكتاب المستبين) والحديث النبوي الشريف (أقوال الرسول وأفعاله) لتشكل أحد الركائز الأساسية لما يُصطلح عليه بأخلاقيات إمارة المؤمنين. ففي المغرب، لا تقتصر هذه المسؤولية الملكية على أبعاد سياسية أو قانونية فحسب، بل إنها تكتسي، قبل كل شيء، دلالة روحية وأخلاقية عميقة.
وتتجلى هذه الرعاية، على مستوى الخطاب والممارسة على حد سواء، في إرادة راسخة للحفاظ على الهوية الدينية للبلاد، مع إشاعة قيم الاعتدال، والوسطية، والتسامح.
تثمين كتاب الله ونشره (القرآن الكريم:
تتبدى الأخلاق الملكية من خلال مبادرات ملموسة تهدف إلى تيسير ولوج الجميع إلى القرآن الكريم، وصيانة أصالة نصوصه، وتكريم حفظته. وفي هذا الإطار، تم إحداث “مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف” خصيصًا للسهر على مراجعة القرآن الكريم، وطبعه، وتوزيعه برواية ورش عن نافع (وهي القراءة المتجذرة تاريخيًا في المغرب وفي غرب إفريقيا)، مما يضمن تحصينه من أي تحريف أو تأويلات زائغة.
وفي السياق ذاته، تشكل “إذاعة وقناة محمد السادس للقرآن الكريم” (السادسة)، اللتان أطلقهما جلالة الملك محمد السادس، منصتين إعلاميتين تبثان على مدار الساعة تلاوات قرآنية، ودروسًا في التفسير، وبرامج تعليمية. وتكمن الغاية الأخلاقية هنا في تعميم المعرفة الدينية الأصيلة لحماية المواطنين من نزعات التطرف.
علاوة على ذلك، تعد “جائزة محمد السادس لحفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده وتفسيره”، التي تُنظم سنويًا على الصعيدين الوطني والدولي، مكافأة سنوية للاحتفاء بالحفظة الشباب، وتثمين قيم الجد، والانضباط الروحي، والتميز العلمي.
حفظ السنة النبوية المطهرة وتنقيتها (الحديث الشريف:
في خضم الخطاب الديني المعاصر، تعرض الحديث النبوي أحيانًا للاستغلال والتحريف من لدن التيارات الراديكالية. ومن ثم، يندرج عمل جلالة الملك محمد السادس في سياق مسعى أخلاقي يتسم بالصرامة العلمية وحماية حمى العقيدة. وفي هذا الصدد، تم إطلاق المنصة الرقمية “منصة محمد السادس للحديث النبوي الشريف”، لتمكين العموم والباحثين من التحقق من صحة الأحاديث المنسوبة إلى الرسول ﷺ؛ فبنقرة واحدة، يمكن للمواطن معرفة ما إذا كان الحديث صحيحًا، أو ضعيفًا، أو موضوعًا. وتعتبر هذه المنصة أداة مركزية في مجال الأخلاقيات الإعلامية والدينية لمكافحة التضليل الروحي.
كما تشكل “الدروس الحسنية الرمضانية”، التي يترأسها جلالة الملك في كل عام، منبرًا متميزًا يضم صفوة العلماء من شتى أنحاء العالم؛ حيث تستند المداخلات بشكل نسقي إلى القرآن والسنة لمعالجة قضايا معاصرة (كاللاقتصاد، وحقوق المرأة، والأخلاقيات البيولوجية، والبيئة)، مؤكدة بذلك أن النصوص المقدسة تقدم حلولاً أخلاقية للتحديات الحديثة.
وجدير بالذكر أن هذا الجانب من الأخلاق الملكية يتجاوز الحدود الجغرافية للمملكة؛ إذ أضحى الاهتمام بكتاب الله والحديث الشريف جسرًا للتضامن مع بقية أرجاء القارة الإفريقية.
وفي هذا السياق، يجدر الاعتراف بالدور المحوري الذي تضطلع به “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة”، وهي مؤسسة توحد جهود العلماء المسلمين في 48 دولة إفريقية، وتهدف إلى تنسيق وتوحيد فهم النصوص المقدسة (القرآن والسنة) حول قيم السلم والتعايش، في مواجهة الإيديولوجيات الهدامة.
فضلاً عن ذلك، وخلال جولاته الإفريقية، حرص جلالة الملك محمد السادس، أمير المؤمنين – نصره الله – شخصيًا وفي مناسبات متعددة، على إهداء عشرات الآلاف من نسخ المصحف الشريف (المطبوعة في المغرب) لمساجد الدول الشقيقة (كالسنغال، ومالي، وساحل العاج، وغيرها).
وفي الختام، لا يمثل القرآن والحديث بالنسبة لجلالة الملك محمد السادس مجرد نصوص من الماضي، بل هما موجهان أخلاقيان حيان؛ فمن خلال الاستثمار في طباعتهما، ورقمنتهما، وشرحهما، ونشرهما، يحول جلالة الملك الخطاب الروحي إلى أفعال ملموسة للحماية الاجتماعية، والتربية الأخلاقية، والإشعاع الدولي.
الفصل الرابع: أخلاقيات الحقيقة والشجاعة المؤسساتية: هيئة الإنصاف والمصالحة كعمل تأسيسي للعدالة الانتقالية.
إن إحداث هيئة الإنصاف والمصالحة عام 2004، وما تلا ذلك من تنظيم لجلسات الاستماع العمومية لضحايا “سنوات الرصاص”، ليشكل إحدى أبرز المحطات الوازنة في بداية عهد صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.
وعلى مستوى القانون الدستوري والعلوم السياسية، لم يكن هذا المسار مجرد إصلاح إداري بسيط، بل كان عملاً تأسيسيًا لعدالة انتقالية فريدة من نوعها في العالم العربي؛ تجسد أخلاقيات عميقة مفعمة بالمسؤولية، والحقيقة، والتطهير النفسي والجماعي للأمة.
أخلاقيات المسؤولية والشجاعة المؤسساتية:
إن المبادرة الطوعية لإعادة فتح الصفحات القاتمة من التاريخ السياسي للدولة، دون إكراه ناجم عن سقوط نظام أو تدخل خارجي، لتنم عن أخلاقيات مسؤولية نادرة في مجال الحكامة وأنظمة الحكم.
فمن خلال تنصيب هيئة الإنصاف والمصالحة، مَنَح جلالة الملك محمد السادس لجنة مستقلة عن السلطة التنفيذية كامل الصلاحيات للتحقيق في الانتهاكات الماضية لحقوق الإنسان (1956-1999). لقد اتخذ العاهل الكريم خيارًا أخلاقيًا شجاعًا يقضي بمواجهة الماضي بكل وفاء، بدلاً من ترجيح خيار النسيان الرسمي أو الإبقاء على الوضع القائم.
ويعد هذا التوجه تعبيرًا عن أخلاقيات الاستمرارية المسؤولة؛ فعلى الرغم من أن جلالة الملك لم يكن فاعلاً في تلك الانتهاكات، فقد تحمل أمانتها المعنوية باسم الدولة. ومن خلال قبول مبدأ الاعتراف الرسمي بالتجاوزات التي ارتكبتها الأجهزة الأمنية، وضع جلالته الأسس المتينة لإعادة بناء العلاقة بين الدولة والمواطن على قواعد أخلاقية جديدة.
أخلاقيات الكرامة الإنسانية:
لقد جسد تنظيم جلسات الاستماع العمومية (التي بُثت مباشرة عبر أثير الإذاعة والتلفزة الوطنية في دجنبر 2004 ويناير 2005) الانتقال الفعلي من منطق أسرار الدولة إلى أخلاقيات صون مركزية الضحية. فلأول مرة في التاريخ الحديث للبلاد، أتيحت الفرصة لمواطنين عاديين، من معتقلين سياسيين سابقين أو ذوي حقوق المختفين، للتحدث علنًا في فضاء رسمي ليسردوا تفاصيل معاناتهم (كالتعذيب، والاعتقال التعسفي في تازمامارت، وأكدز، أو قلعة مكونة).
ولا تقل القيمة الأخلاقية لهذه الجلسات شأنًا عن أبعادها الحقوقية؛ إذ إن إعادة الاعتبار لصوت المظلومين يمثل أسمى درجات استعادة الكرامة الإنسانية. وتجلت الأخلاق هنا في الإنصات المؤسساتي المحترم للمعاناة. كما أن هذا الإجراء حمى المصلحة الوطنية العليا؛ حيث التزم الضحايا بعدم ذكر أسماء جلاديهم بصفة فردية لتفادي الانتقام الخاص، مما نقل النقاش من نزعة الانتقام الشخصي إلى مربع المسؤولية الجماعية والمؤسساتية.
أخلاقيات الحقيقة والشفافية في مواجهة إفلات الصمت من العقاب:
أُنيطت بهيئة الإنصاف والمصالحة مهمة جليلة تمثلت في كشف الحقيقة الجغرافية والتاريخية لمراكز الاعتقال السرية وتحديد مصير المختفين، مما عكس أخلاقيات حقيقية في الشفافية. وقد أصدر جلالة الملك تعليماته السامية الصارمة لكافة الإدارات العمومية، بما فيها الأجهزة الأمنية الأكثر سرية آنذاك، للتعاون المطلق مع الهيئة التي ترأسها المعتقل السياسي السابق المرحوم إدريس بنزكري. وقد مكن هذا التعاون من إماطة اللثام عن المئات من ملفات الاختفاء وتحديد أماكن قبور ظلت طي الكتمان لعقود خلت.
إن إقرار الحقيقة وازع أخلاقي حتمي؛ فبالنسبة لعائلات الضحايا، يعد معرفة ما حل بذويهم حقًا أصيلاً لا يقبل التصرف. وبذلك، واجه جلالة الملك الصمت التاريخي بواجب الذاكرة، معتبرًا أن الحقيقة، مهما كانت مؤلمة، هي الترياق الوحيد الكفيل بلم جراح الأمة وتحقيق التئامها.
أخلاقيات الجبر الشامل للأضرار وضمانات “عدم التكرار”:
لم تقف أخلاقيات هيئة الإنصاف والمصالحة عند حدود تشخيص الأخطاء وتقييمها، بل امتدت لتشمل الالتزام المعنوي بـجبر الأضرار وضمان المستقبل. وتُرجم هذا المسار عبر تعويضات مالية هامة، وتسوية الأوضاع الإدارية والصحية للضحايا، فضلاً عن نهج أسلوب مبتكر وغير مسبوق يتجلى في “جبر الضرر الجماعي”. وهكذا، استفادت مناطق بأكملها – كانت قد عانت من التهميش الاقتصادي بسبب ماضيها المرتبط بحركات التمرد أو العصيان – من برامج تنموية موجهة ومكثفة (كالريف، وفكيك، والأطلس المتوسط).
وهنا تتجلى الأخلاق عبر مفهوم “ضمان عدم التكرار”؛ إذ شكلت توصيات الهيئة، التي صادق عليها العاهل الكريم، خارطة طريق عقدية للإصلاحات الدستورية اللاحقة. ويعد دستور 2011 – الذي يجرم دستوريًا التعذيب، والاعتقال التعسفي، والاختفاء القسري – الوريث الشرعي والمباشر لهذا المسار الأخلاقي النبيل.
وفي الختام، من خلال تحويل آلام الأمس إلى إجماع وطني من أجل التقدم الديمقراطي، برهن صاحب الجلالة الملك محمد السادس – نصره الله – على أن الأخلاق السياسية لا تشكل ضعفًا مؤسساتيًا، بل هي عمل سيادي رفيع المستوى. لقد مكنت هيئة الإنصاف والمصالحة من إسناد المشروعية التاريخية والروحية للملكية بمشروعية أخلاقية معاصرة، ترتكز على حقوق الإنسان والمصالحة الوطنية الشاملة.
(يتبع)
محمد جلماد – دكتور في القانون العام



