حمو أورامو: انتفاضة بوفكران جسّدت دفاع المغاربة عن السيادة والهوية والأمن المائي

أكد رئيس المجلس العلمي المحلي بمكناس، حمو أورامو، أن انتفاضة وادي بوفكران تشكل محطة مشرقة ومفصلية في سجل المقاومة الوطنية، مبرزاً أن أحداثها تجاوزت مجرد الاحتجاج على قرارات استعمارية لتجسد تشبث المغاربة الراسخ بأرضهم، ومواردهم، وهويتهم الجامعة.
وأوضح أورامو، في كلمة ألقاها بمكناس خلال ندوة نُظمت بمناسبة تخليد ذكرى انتفاضة بوفكران (التي اندلعت في 1 و2 شتنبر 1937)، أن هذا التحرك الشعبي جاء رداً حاسماً من ساكنة العاصمة الإسماعيلية ونواحيها على محاولات سلطات الحماية الفرنسية الاستحواذ على مياه وادي بوفكران وتحويلها لفائدة المعمرين.
وسلط رئيس المجلس العلمي الضوء على الأدوار الطلائعية للمسجد في التاريخ المغربي؛ كفضاء جامع للعبادة، والتأطير، والتعبئة الوطنية ورص الصفوف، رابطاً بين ملحمة المقاومة والمرتكزات العقدية والهوياتية للأمة المغربية؛ والمتمثلة في العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني، والالتفاف حول إمارة المؤمنين.
وفي استعراضه لفلسفة الفداء، بيّن أورامو أن التضحية في سبيل الوطن كانت في جوهرها تعبيراً عن الوفاء للمبادئ والقيم، مستشهداً بآيات قرآنية وأبيات من عيون الشعر العربي التي تُخلّد أصحاب الهمم العالية، وتؤكد أن الموت في سبيل العزة خلود حقيقي.
ماء مكناس: من مورد طبيعي إلى رمز للسيادة والوقف
وخصص أورامو حيزاً وافراً من عرضه للبعد الفقهي والتاريخي لقضية الماء، عادّاً إياها المدخل الأساس لفهم شرارة الانتفاضة، وموضحاً أن الصراع المائي تحول في الوجدان المغربي إلى معركة للدفاع عن الكرامة والحقوق والسيادة.
واستدل المحاضر بالجانب الوقفي للمورد المائي؛ إذ يعود أصله إلى تحبيس السلطان المولى إسماعيل لمياه وادي بوفكران على مساجد المدينة وسقاياتها وعامة ساكنتها، مما جعل الاعتداء الاستعماري عليه انتهاكاً لحرمة الوقف ومساساً بمورد حيوي مشترك.
كما استحضر في هذا السياق نصوص الفقه المغربي ونوازله التي أسست لقواعد متقدمة في تدبير المياه؛ كمنع الاحتكار، وصيانة المنابع من التلويث، واعتبار سقيا الماء من أجلّ القربات وأعمال البر.
من الدفاع عن المورد إلى استراتيجية الأمن المائي
وربط رئيس المجلس العلمي بين النضال التاريخي حول الماء وتطور السياسة المائية المعاصرة بالمملكة، مبيناً أن تدبير الثروة المائية ظل دائماً ركيزة من ركائز بناء الدولة واستقرارها.
وتتبع أورامو هذا المسار انطلاقاً من مرحلة الملك محمد الخامس في الانتقال من التحرير إلى تشييد دعائم الدولة الحديثة، مروراً بسياسة السدود الرائدة التي أرسى دعائمها الملك الحسن الثاني، وصولاً إلى المشاريع المهيكلة الكبرى للربط بين الأحواض المائية ومحطات تحلية المياه تحت القيادة الرشيدة للملك محمد السادس.
صيانة الذاكرة الوطنية وتكريم أبطال التحرير
وشدد أورامو في ختام كلمته على حتمية صيانة الذاكرة الوطنية وتوريث دروس انتفاضة بوفكران للناشئة، لترسيخ الوعي بالتضحيات الجسام التي قدمها المغاربة دفاعاً عن حوزة الوطن.
يُذكر أن اللقاء، الذي عرف حضور والي جهة فاس-مكناس عامل عمالة مكناس عبد الغني صبار، تميز بكلمة للمندوب السامي لقدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير، مصطفى الكثيري، ركزت على الدلالات الرمزية والتاريخية للحدث، وتُوّج بتكريم صفوة من قدماء المقاومين وأعضاء جيش التحرير وتوزيع إعانات اجتماعية على أسر المقاومة.



