slidertrendingآراء

ديـــما مغرب – بقلم محمد خياري

يمثل مفهوم ” ديما مغرب ” وجهاً من وجوه المقاومة الثقافية الهادئة في عصر يتسم بالسرعة الفائقة والنمذجة التي تفرضها العولمة، حيث تكاد المدن والأسواق والصور تفقد ملامحها الخاصة لتتشابه في كل مكان. وسط هذا الذوبان القسري، يصبح التمسك بالخصوصية الثقافية الواعية صونًا للمعنى وحماية للتنوع البشري الخلاق. وليس الهدف هنا هو العزلة السلبية، بل إثبات القدرة على البقاء كبصمة متميزة ومتفردة داخل عالم يكاد يفقد ألوانه الخاصة ليتشح بلون واحد هجين.


د. محمد خياري

لكل حضارة في سجلّ الإنسانية توقيعها الخاص، الحامل لسماتها والناطق بمكنوناتها، غير أن التوقيع المغربي في هذه اللحظة الراهنة من عمر التاريخ يبدو متفردًا ببساطته وعمقه في آنٍ واحد؛ إنه يتجلى في الفرح والابتسامة بوصفهما لغة حضارية حية، تفوق في بيانها وتأثيرها عاطفة الخطب وبلاغة المتون. وضمن هذا الأفق الجمالي، تبرز عبارة «ديما مغرب» كأيقونة لفظية مكثفة، قادرة على اختزال ذاكرة شعب بأكمله، وضخ روح أمة حية في شرايين عالم معاصر أضناه التشابه والركود، لتقدم له حلمًا إنسانيًا رحبًا يتسع للجميع دون استثناء.

إن هذا التدفق الوجداني الذي يشهده العالم اليوم اتجاه المغرب بمناسبة تنظيم كأس العالم، يشبه العدوى في سرعة انتشاره، لكنها ليست تلك العدوى التي تزرع الخوف أو تورث الوجع في النفوس، بل هي عدوى من طراز فريد؛ عدوى مضيئة تنتقل من قلب إلى قلب بنعومة بالغة، تمامًا كما تتسلل أشعة الشمس الدافئة بين نوافذ البيوت العتيقة في صباح ربيعي وادع. إنه فيض الفرح الذي انبعث من جذور الأرض المغربية ليطوف بالآفاق، حاملاً معه ابتسامة عريضة ومحبة صادقة، حتى غدت شعوب شتى، تنتمي إلى مرجعيات ثقافية متباينة، تردد هذه الكلمة ” ديما مغرب” بنبرة ملؤها الإعجاب والدهشة.

وإذا أمعن المتأمل نظره في هذا الشعار المتردد في الآفاق، سيكتشف على الفور أنه يتجاوز بحدوده الدلالية حدود الهتاف الرياضي العابر أو الحماس المؤقت الذي يولد مع انتصار عارض ثم يذوب مع مرور الأيام. إننا أمام اختزال حضاري بالغ الرمزية، حيث تكتنز الكلمات القليلة من المعاني والمواقف ما تعجز عن احتوائه المجلدات الضخمة. وكما كانت الأمم الغابرة تختصر فلسفتها في الحياة ورؤيتها للكون عبر أساطير مقتضبة أو أمثال سائرة، فإن الإنسان المغربي اليوم يختزل في هاتين الكلمتين علاقة كينونته بأرضه وملكه، ويربط عبرهما قطوف ذاكرته بآمال مستقبله في صياغة بصرية ووجدانية مدهشة.

إن الحضارة في جوهرها الأسمى لا يمكن أن تنحصر في جدران المتاحف الباردة، أو تقبع كأسيرة بين طيات الكتب المنسية، بل هي بالدرجة الأولى ذلك النفس الحي الممتد عبر العصور، والكائن الرمزي المتجدد الذي يغير ملامحه الخارجية ليوائم العصر دون أن يفرط في جوهره الأصيل. ومن هذا المنطلق، يبرز هذا النداء كإعلان صريح عن ديناميكية هذه الروح وحيويتها؛ تلك الروح التي عبرت القرون المظلمة والمضيئة دون أن تفقد بريقها، وفتحت مسامها لثقافات العالم المختلفة دون أن تتنازل عن نبرتها الخاصة أو هويتها المتفردة.

يتأطر الكائن البشري عادةً داخل فضاء من التقاليد الموروثة والمعاني المكتسبة، ولا يمكن لفهمه للوجود أن ينفصل عن ذاك الإرث القابع في أعماقه. والمواطن المغربي، أكان مستقرًا في حواضر الرباط وفاس، أم مرتادًا لفضاءات العيون وطنجة، أم غريبًا في أقاصي ديار المهجر، يحمل في وجدانه هذا الأفق الرمزي كوشم لا يمحى. إنه لا يسافر بحقيبة تحتوي على وثائق رسمية وجواز سفر فحسب، بل يرحل محملًا بحشد من الصور، والألحان، والحكايات، ونسائم البيوت القديمة المعطرة بعبق التاريخ، وأصوات الأمهات الوادعة في الصباحات الباكرة.

هكذا يتجاوز المغترب إطار الفرد الباحث عن أفق مهني أو معرفي جديد، ليصبح في جوهره حاملاً لوعي جماعي ثري. يمشي في الحواضر البعيدة والشوارع الغريبة وهو مستدفئ بقطعة من روح وطنه، وقد لا يدرك قيمة هذا المخزون الثمين الذي يكتنزه بين جوانحه إلا عندما يراه منعكسًا في نظرات الإعجاب والدهشة على وجوه الآخرين؛ حين يجد نفسه محط ترحيب من غرباء لا يربطه بهم سابق معرفة، أو حين يستمع إلى إشادات عفوية بعمق ثقافته، ليكتشف أن التفاصيل البسيطة التي يمارسها تلقائيًا في حياته اليومية تُعد في نظر الآخرين دهشة إنسانية تستحق الاحتفاء والتأمل.

وفي هذا السياق تتجلى مفارقة وجودية عميقة؛ فالإنسان قد لا يلتفت إلى نفاسة ما يملك إلا عندما يبتعد عنه خطوة أو تفصله عنه مسافة. إن المغربي الذي اعتاد على انسياب صوت الأذان في دروب مدينته، وتآلف مع الألوان الزاهية المتماوجة في الأسواق العتيقة، ونشأ على تذوق الأطباق التقليدية الغنية بخصوصيتها، قد يرى في ذلك كله مسارًا عاديًا للحياة، لكن هذه العناصر ذاتها تتحول في عيون الآخر إلى شواهد حضارية باذخة تفصح عن ثقافة استثنائية عرفت كيف تزاوج بين الصمود التاريخي والانفتاح الإنساني المرن.

وهنا يكمن سر الكيانات الحضارية الحية؛ فهي لا تنطوي على نفسها داخل قوقعة الخوف من التغيير، ولا تذوب في قوالب الآخرين لدرجة التلاشي وفقدان الملامح، بل هي عملية تفاعل خلاق ومستمر، وجدل مثمر بين الجذور الثابتة في الأرض والآفاق الممتدة في الفضاء. لهذا يبدو المشهد المغربي في مجمله أشبه بنهر عظيم متجدد المياه، يغير تدفقه باستمرار تماشيًا مع الفصول، لكنه يرفض تمامًا أن يغير مجراه الأصلي أو يفرط في نبعه الأول.

إننا عندما نستمع إلى هذا الهتاف الشجي ” ديما مغرب”، فإننا في الواقع ننصت إلى حوار ممتد بين أصداء الماضي ونبض الحاضر؛ نسمع صوت القوافل التي عبرت الرمال الحارقة نحو عمق القارة، ونستحضر تراتيل العلماء والفقهاء الذين غرسوا منارات العلم في القرويين والزوايا العتيقة، ونبصر أشرعة السفن التي جابت البحار نحو عوالم جديدة. وفي الوقت ذاته، يمتزج هذا كله بصوت الشباب المعاصر وهو يعبر عن ذاته وأفكاره بأدوات العصر الرقمي، دون أن ينسلخ عن لغته الأم أو يتنكر لملامح أجداده.

ولعل أبهى ما في هذه العبارة هو خلوها من نبرة الاستعلاء أو ادعاء التميز الإقصائي؛ فهي ليست جدارًا يعزل الذات عن الآخر، بل هي بطاقة تعارف وجسر ممتد نحو الإنسانية. إنها لا تعلن العداء لأحد، بل تقرر حقيقة واضحة: نحن نمتلك هويتنا الخاصة، ولهذا السبب تحديدًا نملك القدرة على لقاء الآخرين ومحاورتهم. فالثقافات الواثقة من عمقها وأصالتها لا تخشى المثاقفة ولا تهاب الانفتاح، في حين أن الهويات الهشة المبنية على الرمال هي التي تسارع دائمًا إلى تشييد الأسوار وإغلاق النوافذ.

يمثل مفهوم ” ديما مغرب ” إذا، وجهاً من وجوه المقاومة الثقافية الهادئة في عصر يتسم بالسرعة الفائقة والنمذجة التي تفرضها العولمة، حيث تكاد المدن والأسواق والصور تفقد ملامحها الخاصة لتتشابه في كل مكان. وسط هذا الذوبان القسري، يصبح التمسك بالخصوصية الثقافية الواعية صونًا للمعنى وحماية للتنوع البشري الخلاق. وليس الهدف هنا هو العزلة السلبية، بل إثبات القدرة على البقاء كبصمة متميزة ومتفردة داخل عالم يكاد يفقد ألوانه الخاصة ليتشح بلون واحد هجين.

ولم يكن غريبًا أن يتجاوز هذا الشعار نطاقه الرياضي الأولي ليتحول إلى ظاهرة وجدانية شاملة تلامس شغاف القلوب؛ إذ لم تكن الميادين الرياضية سوى المناسبة التي أزاحت الستار عما كان مستقرًا في عمق الوجدان الجماعي. لقد أصبحت هذه اللحظات الكاشفة بمثابة نافذة أظهرت للعالم أن وراء الفرح الصاخب والأهازيج الجميلة شعبًا يستند إلى إرث قيمي وإنساني عظيم، وأن خلف ألوان البهجة حكاية تعايش وتسامح وتعددية صهرتها القرون في بوتقة واحدة.

إن هوية الأمم تتشكل في نهاية المطاف من طبيعة الحكايات التي يرويها أفرادها عن أنفسهم وعن علاقتهم بالعالم. والمغرب، عبر مسيرته الطويلة، نسج سردية قائمة على الوصل لا الفصل، وعلى العبور السلس لا القطيعة الحادة، مما يجعل من تجربته نموذجًا جاذبًا تتوق النفوس إلى الاقتراب منه واستلهام معانيه. والسر الحقيقي في هذا الانجذاب يكمن في أن القلوب البشرية لا تأسرها القوة المادية الصلبة بقدر ما تبهرها القوة الرمزية الناعمة؛ فالأموال قد تثير الإعجاب العابر، والجيوش قد تفرض الاحترام القسري، لكن المحبة الصادقة لا تُنتزع إلا بالقيم الإنسانية والابتسامة المشرقة التي تسافر بلا قيود وتخترق كل الحدود.

وعندما تنتشر هذه الطاقة الإيجابية بين الناس، فإنها تعيد تذكير البشرية بحقيقة جوهرية قد ينسيها صخب الحياة الحديثة؛ وهي أن البشر، رغم تباين لغاتهم وتعدد مشاربهم واختلاف جغرافيتهم، يظلون قادرين على الاتحاد والالتفاف حول لحظة إنسانية دافئة وصادقة، يشعرون فيها بأنهم ينتمون إلى قصة واحدة كبرى تتجاوز الفروق الضيقة. وهكذا يغدو شعار « ديما مغرب” نشيدًا دائمًا للحضارة المتجددة التي تسخر قيم الماضي لخدمة الحاضر وبناء المستقبل، مؤكدة أن الانتماء الحقيقي هو حمل معنى نبيل يزرع الأمل ويمنح العالم وجهًا أكثر إشراقًا وبهاءً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى