
احتضن رواق مؤسسة دار الحديث الحسنية، يوم الثلاثاء 5 ماي 2026، ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، ندوة علمية بعنوان “العالمات المغربيات في منبر الدروس الحسنية”، خصصت لاستحضار مسار مشاركة المرأة المغربية في الدروس الحسنية، باعتبارها إحدى أبرز صور حضور المرأة العالمة في تدبير الشأن الديني بالمغرب
وعرفت الندوة مشاركة زبيدة هرماس، عضو المجلس العلمي المحلي بالحي المحمدي عين السبع، ووداد العيدوني، عضو المجلس العلمي الأعلى، فيما تولت تسيير اللقاء حنان بنشقرون، خريجة مؤسسة دار الحديث الحسنية.
.من عضوية المجالس العلمية إلى منبر الدروس الحسنية
في شهادتها، استحضرت زبيدة هرماس بدايات انخراط المرأة المغربية في المجالس العلمية منذ سنة 2004، معتبرة أن هذه الخطوة جاءت في إطار الرؤية الإصلاحية لأمير المؤمنين الملك محمد السادس، امتداداً لما أسسه الملك الحسن الثاني من عناية بالعلم والعلماء. وأكدت أن مشاركة العالمات في الدروس الحسنية شكلت مرحلة ثانية من مراحل تمكين المرأة في الحقل الديني، مبرزة أن أول درس حسني نسائي ألقته الدكتورة رجاء مكاوي، قبل أن تتوالى بعد ذلك مشاركات العالمات المغربيات. وقالت هرماس إنها لم تكن تطمح إطلاقاً إلى إلقاء درس حسني، بسبب هيبة المقام وصعوبته، موضحة أنها كانت ترى أن الوقوف أمام أمير المؤمنين وكبار علماء الدولة ووزرائها “ليس بالأمر الهيّن”.
لحظة الترشيح: رهبة ممزوجة بالمفاجأة
وسردت الباحثة تفاصيل اللحظة التي علمت فيها بترشيحها، موضحة أنها تلقت دعوة من الأمين العام السابق للمجلس العلمي الأعلى محمد يسف، دون أن تعرف سبب الاستدعاء. وأضافت أنه حين أخبرها بترشيحها لإلقاء الدرس الحسني شعرت بارتباك شديد، غير أن أسلوبه الأبوي وكلماته المشجعة خففت من رهبة الخبر، خاصة حين أخذ يحدثها عن مكانة النساء العالمات في التاريخ الإسلامي وفي الأندلس، وعن أدوارهن العلمية والحضارية. وأشادت هرماس بشخصية محمد يسف، واصفة إياه بـ”الخزان من الصدق”، مؤكدة أن طريقته في الإنصات والحوار كان لها أثر نفسي كبير عليها في تلك اللحظة الحاسمة.
“لم يُفرض عليّ الموضوع”
ومن بين أبرز النقاط التي شددت عليها المتحدثة، نفيها لما وصفته بـ”الأفكار الشائعة” حول الدروس الحسنية، خاصة الاعتقاد بأن موضوعات الدروس تُفرض على العلماء والعالمات. وأكدت أنها اختارت بنفسها موضوع درسها: “لباس المرأة في بعديه الإسلامي والوطني”، مضيفة: “لم يوجهني أحد، وكان الاختيار حراً بالكامل”.
وأوضحت أن اختيارها لهذا الموضوع جاء لعدة اعتبارات؛ أولها أنه موضوع يهم الرجال والنساء معاً، وثانيها أن العالمات اللواتي سبقنها لم يتناولنه، إضافة إلى ما يحيط بلباس المرأة من جدل وشبهات، خاصة من طرف من يسعون إلى تشويه صورة الإسلام. وقالت إنها أرادت من خلال الدرس إبراز أن مفهوم الستر في الإسلام لا يتعارض مع العلم والعمل والمشاركة الإيجابية للمرأة داخل المجتمع.
جلسات الإعداد مع أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية
وفي حديثها عن مرحلة الإعداد، توقفت هرماس عند اللقاءات العلمية التي جمعتها بأحمد التوفيق، بوزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، مؤكدة أنها كانت جلسات دقيقة يتم خلالها الاشتغال على النصوص المرجعية، والأفكار الأساسية، والأمثلة، والإحصاءات، والصياغة النهائية.
ووصفته بأنه رجل “مسكون بهم الشأن الديني”، مشيدة بتواضعه وبساطته، وقالت إنها كانت تفاجأ بجلوسه بعيداً عن مكتبه وسط الكتب والمنشورات، ليستقبل ضيوفه بشكل عادي، ويتحدث معهم عن قضايا الدين والتربية والأسرة. كما تحدثت عن تأثرها بقصيدة قرأها عليها الوزير كتبها لبناته، معتبرة أن ذلك كشف لها عن تقديره الكبير للمرأة.
وأكدت أن الوزير كان يتابع أدق تفاصيل الدرس، من حيث البناء العلمي والزمن المخصص للإلقاء، معتبرة أن المتابعين يرونه فقط جالساً إلى جانب المحاضر أثناء الدرس، لكنهم لا يدركون حجم العمل الذي يسبق ذلك.
ليلة القدر… لحظة الاختبار الأكبر
واعتبرت هرماس أن أعظم لحظة في التجربة كانت حين علمت أن درسها سيلقى في ليلة القدر من رمضان سنة 1440 هـ ( فاتح يونيو 2019)، ووصفت ذلك بأنه “شرف من السماء والأرض”. وقالت إن الساعات التي سبقت الدرس كانت مزيجاً من الرهبة والرغبة، خاصة وهي تصعد “كرسي العلم” الذي جلس عليه كبار العلماء عبر عقود طويلة من تاريخ الدروس الحسنية.
وأضافت أنها كانت تخشى أن تختلط عليها الأوراق أو تضيع منها الأفكار بسبب رهبة الموقف، لكنها شعرت بالطمأنينة بمجرد شروعها في الإلقاء بعد دخول أمير المؤمنين وإشارته لها بالبدء. وأكدت أن أجواء المجلس كانت مفعمة بالإيمان والروحانية، خصوصاً مع تلاوة الآيات القرآنية التي تفتتح بها الدروس الحسنية.
زبيدة هرماس من مواليد مدينة تارودانت، بدأت مسارها الدراسي في العلوم التجريبية قبل أن تتجه إلى الدراسات الأدبية والإسلامية. درست الدين الإسلامي باللغة الفرنسية لفائدة أبناء الهيئة الدبلوماسية ببروكسيل، وحصلت على دبلوم المعهد العالي للصحافة والإعلام، ثم الإجازة في الدراسات الإسلامية، فدبلوم الماستر في دراسة وأرشفة التراث، قبل أن تنال الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها بأطروحة حول “الأدب الشعبي المغربي في زمن الوباء: كورونا نموذجاً”.
وتعد من الأسماء النسائية البارزة في الرواية المغربية، إذ أصدرت عدداً من الأعمال الأدبية والتربوية، من بينها “عشاق الصحراء” و”فراشات مكة”… دعوها تحلق وحب على رصيف القرويين وأحلام فلوريدا وثورة وردية وحين كنا أطفالا ولا تحرقوا هذا الوطن ولا تفتح هذه الرسالة، إضافة إلى أعمال تربوية موجهة لليافعين، أبرزها “يا أبنائي هذه ثوابتنا الدينية.“
“الله يعطيك الصحة”… وسام لا يُنسى
ومن أكثر اللحظات تأثيراً في شهادتها، حديثها عن نهاية الدرس، حين رفعت رأسها لترى “ابتسامة الرضا” على وجه أمير المؤمنين، قبل أن تتقدم للسلام عليه، فيقول لها: “الله يعطيك الصحة”.
واعتبرت تلك العبارة “وساماً لا ينسى”، مضيفة أنها تلقت بعد ذلك اتصالات وتهاني من علماء وعالمات وأصدقاء وأقارب من مختلف مناطق المغرب.
الدرس الحسني تكريم ومسؤولية
وشددت هرماس على أن إلقاء الدرس الحسني يعد أعلى أشكال التكريم العلمي للعالم والعالمة، لأنه يتيح مخاطبة أمير المؤمنين وملايين المتابعين داخل المغرب وخارجه.
غير أنها أكدت في المقابل أن هذا التشريف يضاعف المسؤولية، لأن العالمة مطالبة بعده بمواصلة أداء واجبها في تعليم النساء والإرشاد والتوجيه وخدمة الوطن.
وفي ختام شهادتها، عادت للحديث عن موضوع لباس المرأة، معتبرة أن اللباس المغربي “ليس مجرد قماش أو زينة”، بل هو “هوية وانتماء وقيم حضارية وروحية”، مضيفة أن “اللباس الحقيقي هو ما تلتحفه الأرواح قبل الأجساد”.



