
يظل عيد الأضحى في المغرب أكثر من مناسبة؛ إنه لحظة تفاوضٍ مستمر بين الروح والنظام، بين البيت والسوق، بين دينٍ يريد التيسير ومجتمعٍ يبالغ أحيانًا في الإلزام، بين حداثةٍ تسخر مما لا تفهمه ورغبةٍ شعبيةٍ عنيدة في التمسك بما يمنح الحياة طعمها ومعناها.

يسمّي المغاربة عيد الأضحى «العيد الكبير»، ويأتـي هذا الوصف لأنهم يشعرون فيه بأنهم أمام زمنٍ أوسع من الزمن العادي؛ زمنٌ يبطئ الإيقاع، ويمنح البيوت فرصةً لتتنفّس، والأرحام فرصةً لتلتئم، والنفوس فرصةً لتستريح من فوضى السعي وغلظة الواقع.
هو في عمقه استرجاعٌ كثيف لصورة الإنسان وهو يلوذ بما تبقّى له من دفءٍ في عالمٍ يزداد برودةً، ويعود إلى العائلة كأنه يعود إلى مأواه الأوّل بعد طول تشرّدٍ في تعب الأيام. يرتدي الناس في عيد الأضحى ما يشبه ذاكرتهم من ثيابٍ ولهجاتٍ وعادات، ويتبادلون الزيارات والضحكات والنظرات التي تقول إن العيد قد حلّ، وتقول أيضًا إن الروح ما تزال، رغم ما أصابها من إنهاك، قادرةً على الانتصار على التآكل ولو ليومٍ واحد.
في هذه المناسبة يتغيّر شكل المغرب نفسه؛ يتغيّر في معناه الحميم أكثر مما يتغيّر في معناه الجغرافي. تمتلئ المدن الصغيرة بحركةٍ تشبه اليقظة بعد طول خمول، وتستعيد القرى مركزيتها الرمزية، فيما تنكمش المدن الكبرى، التي تبتلع عادةً الأصوات والوجوه، ويخفت فيها الصخب. كأن الناس قرّروا، ولو مؤقتًا، الانسحاب من سلطة الشارع إلى سلطة البيت، ومن قانون العمل إلى قانون القرابة، ومن منطق الإنجاز إلى منطق الأنس.
تتعالى ضحكات الرجال في المقاهي وعلى العتبات، وتجتمع النساء في المطابخ والصالونات وحول مواقد الشواء، ويملأ الأطفال الفراغ بنداءات اللعب ولهفتهم الغامضة إلى ما يجري. فيما ترتفع في الهواء روائح لا تحمل وعد اللحم والنار فحسب، بل تحمل شيئًا من السلوى الجماعية؛ كأن البخار المتصاعد من الشواء نفسه يصبح عزاءً خفيًا لأرواحٍ أثقلتها السنة بما يكفي من الهمّ والخذلان.
وللأطفال في هذا المشهد منزلةٌ لا يجوز التقليل من شأنها؛ فهم ليسوا مجرد متفرجين صغار على طقسٍ يصنعه الكبار، وإنما يشكّلون أحد أعمق أسبابه النفسية. كم من أبٍ يختصر المسألة في عبارةٍ بسيطة يقول فيها إنه يريد أن يُفرح أبناءه، غير أن ما يحدث أعمق من الفرح بوصفه انفعالًا عابرًا. يدخل الطفل إلى العيد قبل أن يفهم منطقه، ويعاشر الكبش كأنه رفيقٌ مؤقتٌ نزل إلى البيت ليملأه بحضورٍ استثنائي: يطعمه، يلاعبه، يسمّيه أحيانًا، ثم يراه في لحظةٍ واحدة ينتقل من الألفة إلى الغياب، ومن الحركة إلى السكون، ومن كونه كائنًا يملأ الفناء إلى كونه لحمًا يتوزّع ورائحةً تعلو وذكرى تستقر. هناك، في تلك المنطقة الملتبسة بين البهجة والرهبة، تتكوّن في نفسه معرفةٌ مبكرة بالحياة والموت، وبالعطاء والفقد، وبالقربان بوصفه سرًّا لا يملك الطفل مفاتيحه كلها، لكنه يشعر بثقله ويحتفظ بأثره طويلًا.
ولهذا أيضًا تتشبّث النساء في كثير من البيوت بما يُسمّى تفاصيل العيد الحسية؛ فالأمر ليس ولعًا بالمشقّة لذاتها، ولا انقيادًا لعُرفٍ أعمى. إنهنّ يدركن أن الطقس لا يكتمل إذا تحوّل إلى معنى مجرّدٍ منزوع الجسد والرائحة واللمس. العيد يكتمل حين تُرى العلامات، وتُباشَر الأعمال: يُشحَذ السكين، وتُغسَل الأحشاء، وتعلو رائحة الشواء، ويمتد أثر القديد في الجدران والملابس والذاكرة. فهذه العلامات ليست زوائد على المعنى، بل وعاؤه المعيشيّ الذي يمنحه كثافته ويجعله قابلًا للانتقال من جيلٍ إلى جيل؛ فالأشياء الكبرى لا تعيش في القواميس وحدها، وإنما تعيش في الأيدي التي تمارسها، وفي البيوت التي تحفظها، وفي الحواس التي تعرفها قبل أن تصوغها الكلمات.
غير أنّ الحداثة، بما هي نظامُ عيشٍ لا يطيق البطء ولا يحبّ ما يفلت من منطقه النفعيّ الصارم، تنظر إلى هذا الطقس في كثير من الأحيان بوصفه بقايا من زمنٍ يُراد له أن يتراجع أو يُعاد تشكيله حتى يصير أقل خشونةً وأكثر قابليةً للعرض في واجهات العالم الجديد. ويزيد على ذلك أنها تسخّر سخريتها وثقافتها الرقمية وآلتها الإعلامية لتصوير العيد كأنه مشهدٌ بدائيّ يليق بالماضي ولا ينسجم مع حساسية العصر. فتنتشر النكات، وتتضاعف التعليقات الساخرة، ويتحوّل الكبش إلى مادةٍ للتندر، والذبح إلى علامةٍ على «التخلّف» في نظر من لم يعد يرى في الطقوس إلا ما يبدو على سطحها، لا ما تختزنه في عمقها من رموزٍ وحنينٍ وحاجةٍ إلى المعنى. حتى أصبح المغربي نفسه، تحت ضغط هذا المناخ، مشاركًا أحيانًا في السخرية من شيءٍ كان في الأصل أحد جسور نجاته من الذوبان.
ثم تمضي الحداثة خطوةً أبعد من السخرية، فتفعل ما تجيده الرأسمالية دائمًا: تحويل كل ما هو جماعيّ وحميم إلى خدمةٍ قابلةٍ للبيع، وكل ما هو طقسٌ حيّ إلى منتوجٍ فاخرٍ معروضٍ على القادرين. فيُعاد تقديم العيد للأغنياء في صورةٍ «نظيفة» ومعقّمة؛ تُرفع عنهم الفوضى التي كانت جزءًا من جمال المناسبة، وتُسلَّم لهم الأضحية مذبوحةً، أو يُتَكفَّل عنهم بذبحها وشيّها وطبخها وتقديمها داخل فضاءات الفنادق والمنتجعات. كأن المطلوب الاحتفاظ بالقشرة الرمزية للعيد بعد تجريدها من تعبها الإنساني ومن مادتها الحية. فيتحول البيت إلى مجرد زبون، والطقس إلى عرض، والفرحة إلى تجربةٍ مصمّمةٍ سلفًا. بينما يُترك الفقير في الجهة الأخرى من المشهد محاصرًا بعجزه؛ لا يُعرض عليه بديلٌ كريم، ولا يستطيع حتى أن يشتكي دون أن يشعر بالخجل. يبقى في بيته مثقلًا بمزيجٍ قاسٍ من الحنين والحرمان، يرى العيد يمرّ قريبًا منه بعيدًا عنه، ويكتشف أن السوق لا يكتفي بإقصائه من الرفاه، وقد يقصيه أيضًا من حقّه في المشاركة الرمزية المتكافئة.
لم تترك السلطة الدينية الناس دون بيانٍ أو تخفيف؛ فقد اجتهدت منذ عقود في رفع الحرج عنهم، وذكّرت مرارًا بأن الأضحية سنّةٌ مرتبطة بالاستطاعة وليست قيدًا يُطوّق الأعناق، وأن الدين لا يريد للناس أن يثقلوا كواهلهم بالديون من أجل مظهرٍ اجتماعي، وأن المعنى الديني لا يُقاس بالمغالبة ولا بالمباهاة، وإنما يُقاس بما في القلب من امتثالٍ ورحمةٍ وإحسان. كما أكّد الخطاب الرسمي في مناسباتٍ مختلفة ما يفيد بأن إمارة المؤمنين تضطلع برمزيتها الجامعة في هذا الباب، وأن الناس غير ملزمين بما يتجاوز طاقتهم. ومع ذلك ظلّ العرف الاجتماعي أصلب من النصّ في نفوس كثيرين؛ فالجماعة حين تُحوّل السنّة إلى معيار انتماء، يصبح التخلّي عنها، ولو لعذرٍ معتبر، مغامرةً مكلفةً في نظر الناس. وهكذا يجد بعضهم نفسه خاضعًا لسلطة النظرة أكثر من خضوعه لسلطة التكليف، فيُضحّي طلبًا للثواب، واتقاءً للحرج، وحفظًا لمكانته في سلّمٍ اجتماعيّ لا يرحم.
ومن هنا يمكن فهم تلك المفارقة المغربية الدقيقة التي تجعل بعض من لا يواظبون على الصلاة أو الصيام أو سائر الشعائر أشدّ تمسّكًا بالأضحية. لا يعود ذلك إلى فقهٍ أعمق في مراتب الأعمال، وإنما لأن العيد في المخيال الشعبي تجاوز كونه عبادةً فردية ليصير إعلانًا عن الحضور داخل الجماعة، وعلامةً على أن البيت ما يزال قائمًا، وأن أهله لم يسقطوا من حساب العرف. وهذا هو سرّ قوّته أيضًا؛ فالمجتمع لا يبقي ما يعيشه طويلًا بالإقناع النظري وحده، بل يثبّته بالعادة والذاكرة والحاجة إلى الاعتراف المتبادل.
ومع ذلك فإن هذا الطقس، على شدّة رسوخه، غير مضمون البقاء إذا انقطعت عنه سبل «التعليم الصامت» الذي تتناقله الأجيال داخل البيوت. فالطقوس لا تعيش بالنصوص وحدها، ولا يكفي أن تُذكر في الكتب أو الخطب إذا لم تجد من يجسّدها في الممارسة اليومية: تعليم الطفل كيف ينظر إلى القربان بوصفه معنى لا عنفًا، وكيف تُوزَّع اللحوم بعدلٍ ومودّة، وكيف يُصنع القديد بوصفه امتدادًا للبيت في الزمن، وكيف تُروى الحكاية حتى لا تنفصل الحركة عن رمزها. فإذا انقطع هذا الخيط، وصار العيد يُعاش عبر شاشةٍ أو خدمةٍ جاهزة أو وجبةٍ تُطلب كما تُطلب سائر الأشياء، فإنه سيفقد شيئًا فشيئًا جوهره الحيّ؛ إذ يتراجع المعنى في العمق حتى لو ظلّ الشكل قائمًا في الظاهر، وتبهت اللغة التي كانت تمنحه القدرة على مقاومة الذوبان.
ولهذا يظل عيد الأضحى في المغرب أكثر من مناسبة؛ إنه لحظة تفاوضٍ مستمر بين الروح والنظام، بين البيت والسوق، بين دينٍ يريد التيسير ومجتمعٍ يبالغ أحيانًا في الإلزام، بين حداثةٍ تسخر مما لا تفهمه ورغبةٍ شعبيةٍ عنيدة في التمسك بما يمنح الحياة طعمها ومعناها. ولذلك يعود كل عامٍ ليسأل الناس عن قدرتهم على حماية ذلك الجزء الهشّ والنبيل من ذواتهم الذي لا يعيش إلا بالصلة والرحمة والذكرى؛ فإذا انطفأ تحوّل العيد إلى صورةٍ بلا روح، وعادةٍ بلا دفء، وزمنٍ يعبر دون أن يترك في القلب أثره .



