slidertrendingفيديوندوات ومحاضرات

كسوف الشمس في المغرب.. قراءة فلكية وتأصيل شرعي

نظمت قناة السادسة للقرآن الكريم ندوة علمية لمواكبة ظاهرة كسوف الشمس التي شهدها المغرب يوم 12 غشت 2026، خصصت لتقديم قراءة علمية وشرعية متكاملة لهذه الظاهرة الفلكية، من خلال التعريف بأسباب حدوثها وأنواعها ومراحلها ومناطق رؤيتها، واستحضار ما تحمله من دلالات إيمانية، فضلاً عن توعية المشاهدين بالضوابط الشرعية المتعلقة بها وسبل متابعتها بشكل آمن يحافظ على سلامة الأبصار.

وشارك في تأطير الندوة الأستاذ علي العمراوي، مستشار وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، والدكتور عبد السلام جميلي، أستاذ الفقه والأصول، فيما تولت الأستاذة وفاء جبران تسيير أشغالها. وشكل اللقاء مناسبة للجمع بين مجالين متكاملين، هما المعرفة الفلكية والتأصيل الشرعي، بما يتيح فهم ظاهرة الكسوف بعيداً عن التفسيرات الخرافية أو التأويلات غير العلمية، مع استحضار بعدها الإيماني في التصور الإسلامي.

الكسوف ظاهرة فلكية دقيقة

في الجانب العلمي، أوضح المشاركون أن كسوف الشمس يحدث عندما يقع القمر بين الأرض والشمس، فيحجب جزءاً من ضوء الشمس عن مناطق محددة من سطح الأرض، وذلك نتيجة اصطفاف الأجرام الثلاثة ضمن وضعية فلكية معينة.

ويحدث الكسوف في نهاية الشهر الهجري، عندما يكون القمر في طور المحاق، غير أن حدوث المحاق لا يعني بالضرورة وقوع الكسوف في كل شهر، وذلك بسبب ميلان مدار القمر حول الأرض مقارنة بمستوى مدار الأرض حول الشمس. ولذلك لا يحدث الكسوف إلا عندما تتوافر شروط فلكية دقيقة تسمح بمرور ظل القمر على جزء من سطح الأرض.

وصنف علماء الفلك كسوف الشمس إلى ثلاثة أنواع رئيسية، هي الكسوف الكلي، والكسوف الجزئي، والكسوف الحلقي. ففي الكسوف الكلي يحجب القمر قرص الشمس بشكل كامل عن مناطق محددة تقع في مسار ظل القمر، بينما يحدث الكسوف الجزئي عندما يحجب القمر جزءاً من قرص الشمس فقط. أما الكسوف الحلقي فيحدث عندما يكون القمر في موقع يجعله يبدو أصغر حجماً من قرص الشمس، فيبقى جزء مضيء من الشمس على شكل حلقة حول القمر.

وتطرقت الندوة أيضاً إلى بعض التأثيرات المصاحبة للكسوف، خاصة الانخفاض المؤقت في درجات الحرارة وتراجع مستوى الإضاءة خلال فترة حجب الشمس، وما قد يرافق ذلك من تغيرات في سلوك بعض الحيوانات والطيور التي تتأثر بالتغير المفاجئ في ظروف الإضاءة والحرارة.

كسوف 12 غشت بالمغرب

وبخصوص الظاهرة التي شهدها المغرب يوم 12 غشت 2026، أوضح المتدخلون أن المملكة كانت ضمن مناطق الكسوف الجزئي، بينما شهدت مناطق أخرى من مسار الظاهرة كسوفاً كلياً، من بينها مناطق في إسبانيا.

كما اختلفت درجة حجب قرص الشمس من منطقة مغربية إلى أخرى، تبعاً للموقع الجغرافي لكل مدينة بالنسبة إلى مسار الكسوف. وبلغت نسبة الحجب مستويات مرتفعة في بعض المناطق، حيث وصلت إلى حوالي 93 في المائة في سبتة والناظور، ونحو 90 في المائة في فاس، بينما بلغت قرابة 60 في المائة في الداخلة.

وبحسب المعطيات التي قدمت خلال الندوة، بدأت الظاهرة في المغرب ابتداء من حوالي الساعة 18:44، واستمرت إلى حدود 20:50 تقريباً، مع اختلاف توقيت بداية الكسوف وذروته ونهايته من منطقة إلى أخرى.

الكسوف في التصور الإسلامي

ولم تقتصر الندوة على الجانب الفلكي، بل خصصت حيزاً مهماً للتأصيل الشرعي للظاهرة، حيث أكد المتدخلون أن الكسوف يمثل آية من آيات الله تعالى، وأن التعامل معه في التصور الإسلامي يجمع بين معرفة أسبابه الكونية واستحضار دلالاته الإيمانية.

وفي هذا السياق، استحضر المشاركون الحديث النبوي الشريف الذي يقرر أن الشمس والقمر آيتان من آيات الله، وأنهما لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، في نفي واضح للمعتقدات التي كانت تربط الظواهر الفلكية بالأحداث المرتبطة بحياة الأشخاص ووفاتهم.

وأكدت الندوة أن حدوث الكسوف ينبغي أن يكون باعثاً على التفكر والاعتبار والرجوع إلى الله تعالى، واستحضار عظمة الخالق ودقة النظام الكوني، بدل التعامل معه باعتباره مجرد حدث فلكي منفصل عن المعاني الإيمانية.

كما تم التذكير بما يشرع للمسلم عند حدوث الكسوف من الصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة، باعتبارها من الأعمال التي أرشد إليها النبي صلى الله عليه وسلم عند وقوع هذه الظاهرة.

صلاة الكسوف وأحكامها

وفي الجانب الفقهي، تناولت الندوة أحكام صلاة الكسوف، موضحة أنها سنة مؤكدة في المذهب المالكي، وأنها تختلف في كيفيتها عن الصلاة المعتادة.

وتؤدى صلاة الكسوف في ركعتين، وفي كل ركعة قيامان وقراءتان وركوعان، قبل أن يتم السجود، مع استحباب الإطالة في القيام والركوع والسجود بحسب القدرة. كما تصلى جماعة في المساجد، ولا يؤذن لها ولا تقام، وإنما ينادى لها بما يفيد الدعوة إلى الصلاة.

وشكل هذا الجانب من الندوة مناسبة للتأكيد على أن الظواهر الكونية في التصور الإسلامي لا تنفصل عن سلوك الإنسان وعبادته، إذ يتحول الحدث الفلكي إلى مناسبة للتذكر والتضرع والتأمل في قدرة الله تعالى.

توعية بمخاطر متابعة الكسوف

وأفردت الندوة حيزاً مهماً لجانب السلامة، بالنظر إلى المخاطر التي يمكن أن تترتب عن متابعة الكسوف بطريقة غير صحيحة، خصوصاً أن انخفاض شدة الضوء أثناء الكسوف قد يدفع بعض الأشخاص إلى النظر مباشرة نحو الشمس دون إدراك حجم الضرر الذي يمكن أن يلحق بالعين.

وشدد المشاركون على أن النظر المباشر إلى الشمس بالعين المجردة أمر خطير، حتى أثناء الكسوف الجزئي، إذ يمكن أن تؤدي أشعة الشمس إلى إصابات خطيرة في شبكية العين، قد تكون دائمة.

ودعوا الراغبين في متابعة الظاهرة إلى استعمال وسائل الحماية المخصصة لرصد كسوف الشمس، وعدم الاعتماد على النظارات الشمسية العادية أو الوسائل غير المخصصة لهذا الغرض. كما تم التأكيد على ضرورة التأكد من سلامة أي وسيلة حماية قبل استخدامها.

بين العلم والتأمل في آيات الله

وأبرزت الندوة أن الجمع بين المعرفة العلمية والتأصيل الشرعي لا يعني الفصل بين المجالين أو وضعهما في تعارض، بل يتيح فهماً أكثر شمولاً للظاهرة؛ فالعلم يفسر كيفية حدوث الكسوف وأسبابه ومساره وتوقيته، بينما يستحضر الجانب الشرعي ما يحمله الحدث من معاني الاعتبار والتفكر والرجوع إلى الله تعالى.

ومن هذا المنطلق، شكلت الندوة التي نظمتها قناة السادسة فضاءً للتوعية العلمية والدينية، وسعت إلى تقديم المعلومة الفلكية الدقيقة إلى جانب الإرشاد الشرعي، مع التركيز على حماية المشاهدين من الممارسات التي قد تعرض سلامتهم للخطر.

كسوف كلي مرتقب سنة 2027

وفي ختام الندوة، تم التوقف عند أحد أبرز الأحداث الفلكية المرتقبة في المنطقة، والمتمثل في الكسوف الكلي للشمس يوم 2 غشت 2027، الذي سيشمل عدداً من مناطق شمال المملكة، لاسيما ضمن المجال الممتد من طنجة وتطوان نحو وجدة بحسب المعطيات المقدمة خلال اللقاء.

ويكتسي هذا الحدث أهمية خاصة بالنظر إلى ندرة الكسوفات الكلية، إذ توفر هذه الظواهر فرصة لمتابعة واحدة من أكثر الظواهر الفلكية إثارة، وفي الوقت نفسه مناسبة لتعزيز الثقافة العلمية والفلكية، واستحضار ما تدعو إليه النصوص الشرعية من تفكر واعتبار في آيات الله تعالى في الكون.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى