
إن المغرب، في سيرته الدينية، يتعامل مع القرآن بوصفه عهدًا: حفظٌ وتلقٍّ، سندٌ وقراءة، علمٌ وسمت. ولذلك لا يبدو تحصينُ المؤسسات العلمية، وتقعيدُ مسالك التكوين، واستئنافُ الحديث عن الأخلاق القرآنية، إلا كحراسةٍ لمعنى قديمٍ متجدد

بين حينٍ وآخر، تُلقي الأيام في طريق الناس إشاراتٍ تبدو كأنها مصادفاتٌ محايدة، ثم لا تلبث ـ إذا أمعنّا النظر ـ أن تتبدّى كأنها خيوطٌ دقيقة في نسيجٍ واحد. هكذا وقع الأمر حين تزامن صخبُ الحديث حول كتاب «حرب المصاحف» لمحمد الناجي، وما أثاره من جدلٍ في الألسن والمنابر، مع صدور كتاب أسماء المرابط عن «أخلاق القرآن المنسية» بما حمله من تذكيرٍ بأن النصّ يُقرأ ليُهذّب ويُقيم ميزان القلب. ثم جاء في الأثناء خبر نشر نظامٍ جديد لمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، كأنه يضع على الطاولة ـ في الوقت ذاته ـ سؤال المرجع، وسؤال المنهج، وسؤال السند الذي به يستقيم الفهم وتُصان المعاني.
فهل هي مجرد مصادفةٍ تُضحك من ظنّه أنّ للتاريخ قلبًا نابضًا، أم أنّها ـ كما يميل إليه خاطري ـ نوعٌ من الجواب الهادئ الذي لا يرفع صوته، جوابٌ صادر من مقام إمارة المؤمنين بلغة الأفعال لا بلغة الانفعال: أن القرآن محفوظٌ بحفظ الله، وأن ما يطوف حوله من غبار الشبهات لن يغيّر من صفائه شيئًا، وأن منازعات الهوى ـ مهما تبدّلت أسماؤها ـ قد عرفها التاريخ من قبل، ثم انطفأت وبقي النور.
ربما أرادت إمارة المؤمنين أن تقول لنا: لا تُستهلكوا في مطاردة الظلال، ولا تجعلوا من كل موجةٍ «حدثًا نهائيًا». فبين كتابٍ يوقظ الأسئلة، وكتابٍ يوقظ الضمير، ونظامٍ يوقظ المؤسسة، يتجلّى درسٌ واحد: أن الطريق إلى القرآن يمرّ عبر السكينة التي تُحسن الإصغاء، والعقل الذي يُحسن التمييز، والقلب الذي يطلب الزيادة في الهداية لا الزيادة في الجلبة. وما على المغاربة، حاضرًا ومستقبلًا، إلا أن يتشبّهوا بأجدادهم حين كانت الفتن تمرّ من هنا، فتجدهم أقوى لأنهم يثبتون بقولهم: «آمنا به، كلٌّ من عند ربنا».
ولأن إمارة المؤمنين لم تعوّد المغاربة أن تُجالس العاصفة على مقاعد الانفعال، بل أن تُقيم في وجهها هندسةً من السكينة، فإن جوابها ـ حين يعلو اللغط ـ لا يأتي خطابةً عابرة، وإنما يأتي مؤسسةً تُجسِّد المعنى وتُحصّنه في الناس والعلم. وفي الظهير الجديد لمعهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية، يتبدّى هذا المنطق واضحًا كالشمس: من أراد أن يلج محراب القرآن وعلومه، فعليه أن يدخل من بابٍ لا يفتحه إلا الجدّ والاكتمال.
فالقرآن هنا علمٌ له سُلّمُ ارتقاءٍ كما للطب والهندسة والقانون والاقتصاد سلالمُها: تفوقٌ دراسيّ يثبت أهلية العقل، وحفظٌ كاملٌ يثبت رسوخ الصدر، ثم زحمةُ الركب عند الشيوخ، حيث لا يُنال الجوهر من الكتب وحدها، بل من الصحبة ومن حرارة السند الحيّ. هناك يتعلم الطالب القراءات العشر، وعلوم القرآن، ويبلغ الإجازة ـ عهدًا يُحمل لا وثيقةً تُعلّق. ثم يمضي في الماستر والدكتوراه، لأن العلم اليوم يحتاج إلى صرامة المنهج، وضبط المصطلح، وخبرة البحث كما هي في سائر التخصصات الكبرى.
غير أن هذا الطريق ـ على جلاله ـ لا يُختزل في الدرجات ولا في الألقاب، إذ يميّزه شرطٌ لا يُطلب في غيره بالقدر ذاته: الورع، والإيمان الصادق، والاستعداد لأن تُخدَم الكلمة الإلهية لا أن تُستخدم. كأن المعهد يقول: إن قارئ القرآن لا يصحّ أن يكون عالمًا فحسب، بل يجب أن يكون أمينًا؛ لأن النصّ الذي يُقيم القلوب لا يليق به من يقيم نفسه عليه.
ثم إن الانفتاح على اللغات والعلوم الاجتماعية والإنسانية ضرورة زمنٍ تغيّرت أدواته وتحوّلت أسئلته: فالدراسات القرآنية اليوم تُحاور سياقاتٍ، وتفكك خطاباتٍ، وتشتغل على مفاهيم الإنسان والمجتمع والتاريخ، ولا مفرّ فيها من أدواتٍ جديدة ومن وسائل حديثة تُحسن البحث والتحليل والتوثيق. هكذا يُعاد ترتيب العلاقة بين الأصالة والحداثة: سندٌ متصل لا ينقطع، وعقلٌ يتقن لغات عصره، وقلبٌ لا يغادر محراب الأدب مع القرآن.
ولأن البناء الذي تنهض به إمارة المؤمنين خيار حضاري طويل النفس، فإن معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية لا يظهر منفردًا، بل يتّصل بسلسلةٍ من اللبنات التي تتعاضد لتشييد صرح مغربيٍّ فريد؛ صرحٍ يتجاوز حدود “المؤسسة” إلى معنى “المنظومة”: منظومةٍ تحفظ النصّ، وتكرّم أهله، وتُحسن إبلاغه للأجيال بوقار العلم وجمال الإتقان.
ومن هنا تتبدّى مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف كحلقةٍ مركزية في هذا العقد: ضمانةٌ رمزية وعلمية لسلامة الرسم والضبط، ولجمال الإخراج، ولتوحيد المرجع في وجدان الناس، حتى يغدو المصحف حاضرًا في البيوت كما هو حاضرٌ في القلوب. وإلى جانب ذلك، تمضي إمارة المؤمنين في منطق الاعتراف بالمهارة، فترفع منزلة القرّاء عبر جوائز محمد السادس التي تحتفي بالسند والإتقان، وتفتح للقرّاء في المغرب وخارجه أبوابًا من التكريم تُشعرهم أن خدمة القرآن طريقٌ له مجده وشرفه.
ثم إن الرؤية تمتد إلى الجذور الأولى حيث يتكوّن اللسان القرآني في الكتّاب؛ لذلك تأتي المبادرات التي تشجّع تجويد تدبير الكتاتيب القرآنية، وتحفّز الابتكار في تنظيمها وتأطيرها وتحديث وسائلها، حتى يظلّ التحفيظ متينًا في أصله، معاصرًا في أدواته، محصّنًا من الفوضى والارتجال. وفي كل ذلك، تتنوّع صيغ المصحف المحمدي بما يلائم حاجات الناس: للمتعلمين، وللحفظ، ولذوي الاحتياجات، وللمدارس، وللمساجد… كأن الرسالة تقول: إن خدمة القرآن رعايةٌ تراعي الإنسان في اختلاف أحواله.
ثم تأتي ليلة القرآن في رمضان، موعدًا تتجلى فيه “الندرة” التي يهبها الإتقان: شبابٌ يأتون بالقراءات العشر، كأنهم يقدّمون شهادةً حيّة على أن السند لا يزال يتنفس، وأن المدرسة المغربية لا تزال تُخرج من بين الناس عملةً علمية وروحية ثمينة في عالمٍ قلّت فيه هذه الصناعة.
بهذا يكتمل المعنى: إن المغرب، في سيرته الدينية، يتعامل مع القرآن بوصفه عهدًا: حفظٌ وتلقٍّ، سندٌ وقراءة، علمٌ وسمت. ولذلك لا يبدو تحصينُ المؤسسات العلمية، وتقعيدُ مسالك التكوين، واستئنافُ الحديث عن الأخلاق القرآنية، إلا كحراسةٍ لمعنى قديمٍ متجدد: أن النصّ يُصان بالعلم كما يُصان بالحب، وأن القراءة مسؤولية، وأن الاختلاف حين يخرج من أدب القرآن يصير ضجيجًا بلا هدى.
وبهذا كله يتأكد المعنى العميق: إن إمارة المؤمنين حين تُجيب، تُقيم أسباب حفظ القرآن في العلم، وفي الأخلاق، وفي مؤسسةٍ تُخرِّج للقرآن خُدّامًا لا مُخاصمين، حَمَلةً لا مُزايدين، أهلَ كفايةٍ وديانةٍ معًا.



