sliderدراسات

نظرية التعسف في استعمال الحق وتطبيقاتها المعاصرة في المنازعات الأسرية (2)

إن فكرة التعسف ترتبط بفكرة الحق وما يمثله من قيمة معينة اجتماعيا يحميها القانون وهذا يقتضى إخضاع استعمال هذا الحق لرقابة القضاء لضمان عدم التعسف والانحراف عن غايته.


 المبحث الأول :التنظيم الفقهي والقانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق

تعد مؤسسة الأسرة من أرقى التنظيمات التي استجابت لحاجيات البشرية جمعاء على مر العصور ،نظرا لكونها أهم المكونات الأساسية التي يتوقف عليها وجود المجتمع ، ولقد شرع الزواج كرباط مقدس بين الرجل والمرأة لاستمرار والمحافظة على الكائن البشري عن طريق التناسل المشروع، الذي يجعل الفرد مرتبطا بأسرته ارتباطا وثيقا بما في ذلك من الأمن والاطمئنان وتبادل المصالح، وتترتب عن هذه الرابطة الشرعية حقوقا متبادلة بين أطراف هذه الرابطة يترتب عن عدم احترامها تفكك الأسرة ولذلك فقد حرصت الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي الى حمايتها فقيدت ممارسة هذه الحقوق و الواجبات وفي مقدمتها الطلاق بعدم التعسف في ممارسته ولذلك سوف نقف عند التنظيم الفقهي لنظرية التعسف في استعمال الحق (المطلب الأول) على أساس أن نتحدث فيما بعد عن ما يتعلق ب التنظيم القانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق(المطلب الثاني).

المطلب الأول: التنظيم الفقهي لنظرية التعسف في استعمال الحق

لقد حرصت الشريعة الإسلامية على المحافظة على مصالح العباد في شتى مناحي الحياة من خلال تنظيم مختلف الروابط والعلاقات الإنسانية داخل المجتمع حتى لا يتضرر المكلفين من أفعال بعضهم البعض التي يطبعها التعسف كلما سيء استعمالها  فأسسوا على ذلك نظريات فقهية هادفة الى تحقيق هذه الغاية  ولاسيما ما يتعلق بنظرية التعسف في استعمال الحق حيث قد حرص الفقه الإسلامي وهو ما سنقف عليه من خلال تحديد ماهية هذه النظرية أولا(الفقرة الأولى)على أساس أن نقف بعد ذلك عند ما يتعلق بالتنظيم الفقهي لهذه النظرية )

الفقرة الأولى :ماهية التعسف في استعمال الحق

من الحقائق المسلم بها أن الإنسان اناني بطبيعته ولذلك فهو يسعى دائما الى تحقيق مصلحته على حساب غيره، ومن البداهة عند تحقيق هذه المصالح فهو كثيرا ما يتعسف في استعمال حقه وهذا يعتبر خروجا عن مقصود الشارع الحكيم  الذي راعى حماية مصالح الأشخاص ،و لتحديد الإطار المفاهيمي لنظرية التعسف في استعمال الحق يقتضي منا الأمر  الوقوف أولا عند دلالاتها اللغوية على أساس تحديد المعنى الاصطلاحي في ما بعد

  • أولا :ماهية التعسف في اللغة

تستعمل للدلالة على عدة معاني منها العسف أي السير بغير هداية والأخذ على غير الطريق وكذلك الإعتساف والتعسيف وهو السير على غير علم ولا اثر وتعني أيضا الظلم ويقال العسف اعتسافا إذا قطعه دون صوب توخاه والعسف ركوب الأمر بلا تدبر ولا روية [1] وجاء أيضا في قاموس المحيط لمجد الدين الفيروز ابادي :أن معنى كلمة التعسف هي عسف عن الطريق يعسف مال عدل وظلم والجمع عسفاء على القياس وعسفة على غير القياس[2] .

  • ثانيا :التعسف اصطلاحا

جدير بالذكر في مستهل هذه النقطة ان فقهاء الأصول  لم يرد لديهم مصطلح التعسف وانما ورد بعبارة المضارة في الحقوق -في كتاب الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لابن القيم الجوزية[3]  فقد عرفه الفقيه سالي  أنه انتفاء الحق ليس إساءة استعماله[4] كما عرف على انه كل استعمال للحق بنية الضرر بالغير دون أن يكون لصاحب الحق مصلحة في ذلك [5] إن ما يظهر أن المصطلح كما سبقت الإشارة يعتبر من المصطلحات الحديثة التي لم يذكرها الفقهاء قديما في مصنفاتهم ولم يتطرقو لها كنظرية محققة ذات أركان وأسس وإن كانوا قد تعرضوا لمسائل منها وبنوا على أساسها أحكاما[6] ومن هذه المسائل في باب المعاملات منع الاحتكار وفي النكاح في تزويج الفتاة من الكفء بغير إذن الولي إن عضلها وفي السياسة كما في منع عمر رضي الله عنه الزواج بالكتابيات [7] وعليه يمكن القول بأن استعمال الحق [8]هو وظيفة يقررها القانون للحق ويحميها شريطة عدم الاضرار بالغير ومن خلال التعريف يتضح ان التعسف في استعمال الحق هو خروج عن حدود الحق .

الفقرة الثانية : التنظيم الفقهي لنظرية التعسف في استعمال الحق

لقد عرف الفقه الإسلامي هذه النظرية وأسهم وافر في صياغتها كنظرية عامة تهدف بالأساس إلى تحقيق التوازن بين المصالح الفردية المشروعة في أصلها والمعارضة فيما بينهما ومن باب أولى بينها وبين المصلحة العامة للمجتمع وهي تستند في ذلك إلى الكثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة التي تنهى عن إلحاق الضرر بالغير كقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ)[9]وقوله جل وعلا: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ ۚ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا)[10] ووجه الدلالة في هذه الآية جواز ممارسة الزوج حقه المشروع في الطلاق والعودة في الإمساك غير أن الإمساك بقصد الإضرار أمر غير مشروع لأنه تعسف في استعمال حق في غير ما شرع له . ومن السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا ضرار ولا ضرار) فإن نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي تستند في الواقع العملي من فقهالصحابة رضي اللّه عنهم وفتاواهم واجتهادات الائمة المجتهدين من بعدهم. ان الشريعة الغراء هي شريعة عادلة وصالحة لكل زمان ومكان باعتبارها خاتمة الشرائع فقد جاءت بالنظم الحديثة لحماية الحقوق [11]، وإن الحق أمانة أساسية في يد المكلف التي ينبغي أن يكون وسيلة لتحقيق المصالح لا المفاسد والتعسف في استعمال هذا الحق من المحتمل ان يرد عليه ضرر للآخرين ولم يرد لفظ التعسف في خيارات الفقهاء وأصول الدين وإنما ورد بدلا عنه و كلمة عبارتي “المضارة في الحقوق” [12]وكلمة ” التعنت ” في إفادة معنى الظلم الناتج عن إساءة استعمال الحق والتصرف فيه تصرفا مخالفا لمقصود الشارع من تشريعه وعلى الرغم من اقتراب مصطلحي التعنت والتعسف في الحقوق إلا أن مصطلح التعسف هذا الأكثر تداولاً [13]ويتفق معنى التعنت و التعسف و
مما سبق يتضح أن استعمال الحق بشكل ينتج عنه ضرر يكون الدافع لاستعماله المضارة بالآخرين، كما أن الشريعة الإسلامية حددت النظرية واخذت بها منذ زمن بعيد لان الإسلام ينهى عن التعسف والظلم والحاق الضرر بالآخرين، ودليل ذلك من القرآن الكريم والسنة النبوية والاجماع وفقه الصحابة والأصول التشريعية والقواعد الفقهية التي تحرم التعسف وإلحاق الأذى بالآخرين، ومن هذه الأدلة:

  •  القرآن الكريم
  • قال تعالى: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرْحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ * وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا * وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ *وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا).[14]

وجه الدلالة يكمن في ان الآية الكريمة حرمت ظلم الزوجة من قبل الزوج، فبالرغم من ان حق الزوج الطلاق والمراجعة، الا انه ليس من حقه أن يتعسف ويظلم زوجته ويقصد من ارجاعها الحاق الضرر بها، كأن يقصد ان يلحق الضرر بها ليأخذ منها أموالا مقابل طلاقها، فهذا الفعل محرم ويؤيد ذلك ما قاله الصابوني في روائع البيان من وجود حرمة الاضرار بالزوجة لتفتدي نفسها من زوجها بالمال على الطلاق.

  • قال تعالى: (أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنتُم مِّن وُجُدِكُمْ وَلَا تُضَارُوهُنَّ لِتُصَدِّقُوا عَلَيْهِنَّ )[15]وبذلك فإن المطلق بتضييقه على امرأته واسكانها معه من لا تحب للإضرار بها ودفعها للخروج من مسكنه قد ناقض قصد الشارع من اباحته لهم السكني مع بعضهما اثناء العدة، ومحاولة التقريب بينهما. فوجه الضرر في الآية الكريمة استعملت لمعنى انحراف صاحب الحق في ممارسة حقه عن غايته المشروعة بسوء نية للإلحاق الضرر برفيقه في الطرف الآخر للحق[16].
  • قال تعالى: (فَلِكُلٍّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ * فَإِن كَانُوا أَكْثَرَ مِن ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلْثِ * مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٌ)[17].

الوصية في الشريعة الإسلامية مباحة ويجب ان تكون مبنية على العدالة ولا يقصد منها بالورثة والجور عليهم وحرمانهم من حقهم في الإرث، لذلك حرم الإسلام الوصية للوارث بحديث الرسول(ص) “لا وصية لوارث ، ولو كان الشيء الموصى به قليل لاحتمالية ترتب عليه اضرار بالورثة وكذلك يجب ان لا يقصد في وصيته الضرر بالورثة وفي حال قصد ذلك أصبحت الوصية محرمة اذ ان القصد معتبر في الشريعة الإسلامية، يقول الشاطبي: “ان الاعمال بالنيات والقاصد معتبرة في التصرفات من العبادات والعادات والأدلة على هذا المعنى لا تنحصر[18].

ب- السنة النبوية:

  1. عن ابن عباس رضي الله عنه قال الرسول صلى الله عليه وسلم” لا ضرر ولا ضرار في الإسلام”[19]. يتمثل وجه الدلالة في الحديث أعلاه عن نهي النبي محمد صلى الله عليه وسلم عن الحاق الضرر بالغير ابتداء، أو مقابلة الضرر بالضرر والمعنى أن لا تدخل على أحد ضرر بحاله فالضرر ممنوع وكذلك إدخاله على الغير ممنوع)[20] ،ولما كانت النكرة في سياق النفي تدل على العموم[21]، اذ أن قوله صلى الله عليه وسلم لا ضرر يعم جميع أنواع الضرر الا بدليل ولما كان التعسف في استعمال الحق اضرارا بالغير منع بنص الحديث الشريف فالحديث يعد كأصل للأمثلة المبثوثة في القرآن الكريم بالنهي عن الضرر في عدة صور، وكأن هذا اللون جمع المتفرقات واخذ كلي من الجزئيات واجمال للتفصيلات[22].
  2. طلق عبد الرحمن بن عوف زوجته تماضر طلاقا باتا في مرض الموت ثم مات في العدة فقضى عثمان بتوريثها منه . فالزوج في هذه الحالة يكون محتاجا لزوجته، ومع ذلك طلقها فهو حتما يريد المضارة بها وحرمانها من الإرث، فهو متعسف في استعمال حقه وهذا ما فهمه عثمان من فعل عبد الرحمن لذا امر بتوريثها رفعا للضرر الذي سيلحق بزوجته[23].
  3. عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال : قال رسول صلى الله عليه وسلم” مثل القائم في حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا فصار بعضهم اعلاها وبعضهم اسفلها وكان الذين في اسفلها اذا اسقوا من الماء مروا على من فوقها فقالوا لو انا خرقنا في نصيبنا خرقا، ولم نؤذي من فوقنا، فأن تركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا، وان اخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا” [24] يتمثل وجه الدلالة من الحديث أعلاه هو عرض الرسول الله الله في الحديث الشريف صورة لاستعمال الحق بغض النظر عن الاضرار المترتبة عليه واللاحقة بالغير، والإسلام وان اعطى الافراد حقوقا وحرص على عدم المساس بها وراعاها الا انه لم يتركها مطلقة بل راعي حق الجماعة فالفرد مقيد بتصرفه في حقه بعدم الاضرار بالجماعة، وبذلك يعد هذا الحديث تنبيه للجماعة على أهمية منع الأفراد من التصرف بحق بشكل يكون تأثيره سلبي على المجموعة، فأن منعوهم : نجا الجميع وان تركوهم هلك الجميع لارتباط المنافع فيما بينهم ارتباط لا ينفك [25].

لذلك وضع فقهاء الشريعة معايير تمكن القضاة من تحديد ما إذا كان استعمال الحق تعسفا أو غير تعسف، ويمكن تقسيم هذه المعايير إلى معايير ذاتية أو شخصية ومعايير موضوعية مادية، فالمعايير الشخصية تتمثل في معيار قصد الإضرار ومعيار المصلحة غير المشروعة، أما المعايير الموضوعية فتتمثل في معيار انعدام التناسب بين صاحب الحق والضرر الذي يلحق بالغير ومعيار الضرر الفاحش [26].

هذا وتجدر الإشارة في منتهى هذه النقطة أن  التعسف في استعمال الحق لا يقتصر  على المسائل المدنية وانما يتعدى ذلك الى كثير من الجوانب الاخرى ومنها مسائل الاحوال الشخصية في مثال على ذلك استعمال الرجل حقه في الطلاق بدون أسباب معقولة ما يلحق الضرر بالزوجة فيكون متعسفا في استعماله حقه فيناقض بذلك الحكمة من تشريع الطلاق ،وهو ما سنبينه أكثر من خلال المبحث الثاني من هذا الورقة البحثية ،ولذلك كان حري بنا بيان موقف القانون المغربي وبعض الأنظمة المقارنة من الموضوع .

المطلب الثاني :التنظيم القانوني لنظرية التعسف في استعمال الحق

تعتبر نظرية التعسف في استعمال الحق ذات تطبيقات واسعة في العديد من فروع القانون ورغم أن القانون المدني المغربي يعتبر مجالا خصبا لتطبيقات هذه النظرية فإن مدونة الأسرة حاولت استيعابها في مجال القضايا الاسرية لما لها من أهمية في حماية حقوق الأطراف وتحقيق التوازن بين النفع والضرر وخاصة في الشق المتعلق بالطلاق والتطليق الذي يخلف وراءه عدة أضرار البادية منها والمتوارية ،ولذلك لابد من تحديد الطبيعة القانونية للتعسف في استعمال الحق (الفقرة الأولى ) لنقف بعد ذلك عند ما يتعلق  بجزاء نظرية التعسف في استعمال الحق وإثباتها(الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: الطبيعة القانونية لنظرية التعسف في استعمال الحق وأساسها القانوني.

إن نظرية إساءة استعمال الحق مردها قواعد المسئولية لا قواعد العدل والانصاف أن القول بإساءة الموظف استعمال حقه يقتضي قيام الدليل على إنه انحرف في أعمال وظيفته عن مقتضى الواجب المفروض عليه وأنه لم يتصرف التصرف الذي اتخذه الا بقصد الأضرار لأغراض نابية عن المصلحة العامة انتفى هذا القصد فإن مناط المسئولية عن تعويض الضرر هو وقوع خطأ وأنه خطأ في استعمال الحق في جلب المنفعة المشروعة .[27]

لذلك نجد أن الإنسان إذا كان له حق فيجب أن يستعمل حقه استعمالا مشروع لا يكون مسئول عما ينشأ عن ذلك من ضرر فنجد أن الاستعمال المشروع لا يفقد الحقوق قيمتها الاجتماعية مادام أصحاب الحقوق لم يتجاوز استعمال حقوقهم في نطاق المشروعية ،والحد الفاصل بين المشروعية وعدم المشروعية إذا لم يقصد بها سوى الإضرار بالغير أو إذا كانت المصالح التي يرمي إلى تحقيقها قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البته مع ما يصيب الغير من ضرر بسببها أو إذا كانت المصالح التي يرمى إلى تحقيقها غير مشروعة .

لذلك نجد المعيار هنا اولا قصد الأضرار بالغير ويعتبر من أقدم معايير التعسف في استعمال الحق وأكثرها انتشاراً وهو استعمال الفرد لحقوقه من النكاية والأضرار بالغير مثل مالو قام المالك بغرس أشجار عالية كثيفة في أرضه ولم يقصد منها إلا أن تحجب الضوء عن جاره فيعتبر تعسفا من المالك في استعمال لحقه لأن المقصود منها هو الحق الضرر بالغير او  في صورة ان يتم رفض تشغيل الاجير او انهاء مهامه بسبب انتماءه النقابي او عدم انتماءه للنقابة [28].

فنجد إذا استعمل الشخص حقه لتحقيق مصلحة ولكنها كانت قليلة الأهمية بحيث لا تتناسب البته مع ما يصيب الغير من ضرر مثل المالك الذي يطلب هدم بناء جاره لأن الجار قد تجاوز بحسن نية حدود ملكه بمسافة قدرها نصف متر فنجد أن ذلك يترتب عليه الحاق ضرر كبير لصاحب البناء مع قلة أهمية المصلحة حيث يستطيع المطالبة بالتعويض عن تلك المسافة.[29]

الفقرة الثانية :جزاء التعسف في استعمال الحق وإثباته

إن استعمال الحق استعمالا مشروعاً لا يرتب جزاء ولا يكون مسؤولا عما ينشأ عن ذلك من ضرر بعكس مالو استعمله استعمال غير مشروع فإنه يكون مسؤول عن الضرر الذي نشأ بسب ذلك .

فنجد أيضا أن فكرة التعسف ترتبط بفكرة الحق وما يمثله من قيمة معينة اجتماعيا يحميها القانون وهذا يقتضى إخضاع استعمال هذا الحق لرقابة القضاء لضمان عدم التعسف والانحراف عن غايته وفكرة التعسف تعتبر فكرة ملازمة ومكملة لفكرة الحق ولها كيانها الخاص أن الدور الصحيح لنظرية التعسف في استعمال الحق أن يأخذ بعين الاعتبار أن الحق ليس غاية في ذاته ولكنه مجرد وسيلة لتحقيق غاية معي. إثبات التعسف في استعمال الحق :

يقع عبء إثبات التعسف في استعمال الحق على الشخص المدعي وجوده بأن صاحب الحق قد انحرف أثناء استعماله لحقه ويستطيع الإثبات بكافة طرق الاثبات .

(يتبع)

مصطفى بيكوة، طالب باحث بسلك الدكتوراه كلية الشريعة والقانون جامعة ابن زهر أكادير


[1] -محمد بن منظور لسان العرب حققه وعلق عليه ووضع حواشيه عامر أحمد حيدر وراجعه عبد

 المنعم خليل إبراهيم جزء 10 دار لسان العرب بيروت لبنان الطبعة الأولى سنة 2003 ص 271-272.

[2] -الفيروز ابادي مجد الدين القاموس المحيط الجزء الثالث المؤسسة العربية للطباعة والنشر بيروت لبنان ص 181.

[3] -أبو عبد الل محمد ابن ابي بكر الزرعي الدمشقي ابن القيم الجوزية الطرق الحكمية في السياسة الشرعية دار الكتاب العلمية لبنان ص 50.

[4] -فتحي الدريني نظرية التعسف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة لبنان 1977 ص 38.

[5] -بلحاج العربي أبحاث ومذكرات في القانون والفقه الإسلامي الجزء الأول ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر ص 48.

[6] -عبيد شاكر القدومي التعسف في استعمال الحق في الأحوال الشخصية دار الفكر عمان الأردن س 1428 ه ص 155.

[7] -عبيد شاكر القدومي مرجع سابق نفس الصفحة .

[8] – أ يمكن تعريف الحق على أنه سلطة يمنحها القانون لشخص يستأثر بها عن غيره ،تحقيقا لمصلحة مشروعة يقرها القانون مثل مالو كنت مالكا لسيارة أو مواشي أو لعمارة فلك حق الملكية على هذه الأشياء وهذا الحق يعطيك سلطة تستأثر بها على الشيء المملوك عن غيرك من الناس فيكون من حقك وحدك أن تتصرف فيه وأن تستغله وان تستعمله وهذه السلطة يمنحها القانون للشخص الذي يستوفي شروط الواقعة مصدر الحق وفي حالة عدم منح القانون للشخص هذه السلطة فلا يكون صاحب حق مثل مالو وضع شخص يده على قطعة أرض بناء على عقد توافرت فيه الشروط الموضوعية والشكلية فإن القانون يعتبره صاحب حق ملكية عليها وحينما يمنحه هذه السلطة فإنه يستأثر بها دون غيره من الناس تحقيقا لمصلحة مشروعة يقرها القانون حيث له وحده حق التصرف فيها ،وحق استعمالها، و استقلالها في حدود القانون – اما في الفقه الإسلامي فان الحق في ظل الفقه الإسلامي ينقسم الى قسمين

– حق الله تعالى ويتمثل في حق المجتمع أو كما يعبر عنه قانونا بالحق العام .

– حق العبد وهو ما يتمتع به كفرد وهو ما يطلق عليه كذلك الحق الخاص وهذا الأخير ليس مطلقا بل مقيد بما يتوافق ونظرة الشرع له .

للمزيد ينظر محمد رياض التعسف في استعمال الحق على ضوء المذهب المالكي والقانون المغربي المطبعة والوراقة الوطنية مراكش طبعة أولى 1992 ص 6.

[9] -سورة النساء الأية 12.

[10] -سورة البقرة الأية 231

[11] -سعاد بلحواربي نظرية التعسف في استعمال الحق وتطبيقاتها في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي رسالة ماجستر مقدمة في مجلس كلية الحقوق جامعة تيزي وزو الجزائر 2014 ص 13.

[12] -محمد بن ابي بكر أيوب سعد شمس الدين ابن القيم الجوزية الطرق الحكمية في السياسة الشرعية تحقيق نايف بن احمد الحمد الطبعة الأولى دار الكتب العلمية لبنان 1428 ص 310.

[13] -محمد احمد سراج نظرية التعسف في استعمال الحق من وجهة الفقه الإسلامي دار المطبوعات الجامعية الإسكندرية 1998 ص 24.

[14] سورة البقرة الآية 231.

[15] -سورة الطلاق الآية 6.

[16] -عبير ربحي شاكر القدومي التعسف في استعمال الحق في الأحوال الشخصية الطبعة الأولى دار الفكر ناشرون موزعون 2007 ص 25.

[17] -سورة النساء الآية 282.

[18] -احمد الريسوني -نظرية المقاصد عند الإمام الشاطبي الطبعة الثانية دار العالمية للكتاب الإسلامي 1992 ص 322.

[19] -أبو عبد الله احمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن اسد الشيباني مسند الامام احمد بن حنبل الجزء الخامس مؤسسة قرطبة القاهرة 1989م ص 325 .

[20] -محمد زكي عبد البر إساءة استعمال الحق في الفقه الإسلامي مجلة القانون والإقتصاد السنة الخامسة والخمسون 1986 ص 25.

[21] -محمد بن عمر بن الحسين الرازي -المحصول في علم الأصول الجزء الثاني الطبعة الثانية مؤسسة الرسالة 1992 ص 343.

[22] –محمد زكي عبد البر إساءة استعمال الحق في الفقه الإسلامي مجلة القانون والإقتصاد السنة الخامسة والخمسون 1986 ص 27.

[23] -محمد ناصر الدين الألباني -إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل الجزء السادس الطبعة الأولى المكتب الإسلامي بيروت لبنان 1399ه-1979 م ص 159.

[24] -محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزبَه الجعفي البخاري -صحيح البخاري الجزء الخامس الحديث رقم 2493 ص 132.

[25] -عبير ربحي شاكر القدومي التعسف في استعمال الحق في الأحوال الشخصية المرجع السابق ص 29.

[26] -جميلة الرفاعي ،التعسف في استعمال الحق في الشريعة والقانون بحث منشور في مجلة مؤتة للبحوث والدراسات المجلد العشرون العدد الثالث 2005 ص 238-241.

[27] -التعسف في استعمال الحق للكاتب سفران مشبب الشمراني مقال علمي منشور بموقعhttps://lawyersafran.com/%D8%A7%D9%84%D8%AA%D8%B9%D8%B3%D9%81-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B9%D9%85%D8%A7%D9%84-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D9%82/ اطلع عليه يوم 23 مارس 2025 على الساعة 12:00.

[28] -علي سليمان النظرية العام للاتزام ديوان المطبوعات الجامعية الجزائر 2007 ص 25.

[29]– التعسف في استعمال الحق المرجع نفسه .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى