23 أبريل يوم عالمي للكتاب .. ولما تبقّى من الإنسان القارئ

في الثالث والعشرين من أبريل من كل عام، يخصّص العالم لحظة رمزية للاحتفاء بأحد أعظم اختراعات الإنسانية: الكتاب. وقد أعلنت منظمة اليونسكو هذا التاريخ يومًا عالميًا لـ الكتاب وحقوق المؤلف، تخليدًا لذكرى وفاة ثلاثة من أعلام الأدب والفكر الذين تركوا أثرًا خالدًا في ذاكرة البشرية: ويليام شكسبير، ميغيل دي سيرفانتس، وإنكا غارثيلاسو دي لا فيغا، الذين فارقوا الحياة في نفس اليوم من عام 1616.
يوم لا يتعلق فقط بتاريخ الوفاة، بل بالمعنى الذي حمله هؤلاء الكتّاب في علاقتهم باللغة وبالهوية وبصناعة الوعي الجماعي. فبينما شكسبير شكّل حجر زاوية في الأدب الإنجليزي والدراما الإنسانية، كان سيرفانتس رائد الرواية الحديثة، ودوّن إنكا غارسيلاسو سردًا مغايرًا لحضارة الإنكا، أعاد به التوازن لسرديات التاريخ المكتوب بأقلام المستعمر.
واليوم، في الرباط، التي تحتضن فعاليات الدورة الثلاثين للمعرض الدولي للنشر والكتاب، يبدو هذا التاريخ أكثر من مجرّد احتفاء رمزي. إنه فرصة حقيقية لإعادة طرح سؤال جوهري:
هل ما زلنا نقرأ؟ وإن كنا نقرأ، فكيف نقرأ؟
لا يكفي أن تحتفي مدينة بثقافة الكتاب عبر جناح هنا أو لقاء هناك. الرباط، التي تستعد لتحمل لقب “العاصمة العالمية للكتاب لسنة 2026″، مطالبة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بتحويل المعرض من تظاهرة سنوية إلى ممارسة ثقافية مستدامة.
إن ما نشهده من عزوف متزايد عن القراءة، في مقابل استهلاك سريع للمحتوى الرقمي السطحي، ليس مسألة تقنية أو ترفيهية، بل أزمة ثقافة وفكر. المعرض، إذن لا ينبغي أن يكون مجرد واجهة للناشرين، بل فضاءً لإعادة ربط المواطن بالكتاب بوصفه أداة للفهم، وممارسة للحرية، وبوابة نحو الذات والعالم.
في عالم باتت فيه الخوارزميات تكتب وتلخص وتحلل، يصبح الحديث عن “القراءة” حديثًا عن الهوية المعرفية للإنسان. القراءة لم تعد مجرد نشاط فردي، بل صارت رهانًا اجتماعيًا وسياسيًا وثقافيًا.
ومعرض الرباط، بتنوع برامجه وفعالياته، قادر على أن يخلق توازنًا جديدًا بين ثقافة الشاشة وثقافة الورقة… بين استهلاك سريع وتأمل بطيء… بين خوارزمية تقرأ عنك، ووعي يقرأ بك.
الاحتفاء بالكتاب يجب أن يظل مرتبطًا أيضًا بـ حقوق المؤلفين والمبدعين، في زمن تزداد فيه صعوبة حماية الإنتاج الفكري، سواء بفعل النسخ غير القانوني أو بتدخلات الذكاء الاصطناعي.
الرباط اليوم، كمركز ثقافي متوسطي، قادرة على أن تعيد فتح هذا النقاش عالميًا، لا لتكون فقط عاصمة للكتاب، وإنما صوت للمؤلفين في العالم الرقمي المفتوح.
وأخيرا.. يجب ألا يكون الكتاب مجرد منتج ثقافي نستهلكه في معرض أو نحتفي به يومًا في السنة، لإنه مرآة لوعينا، ومختبر لذاكرتنا، وخيط سريّ يربطنا بمن سبقونا ومن سيأتون بعدنا.
وفي عالم يتحوّل بسرعة، تزداد فيه الشاشات وتقل فيه الصفحات، يبقى الكتاب مقاومة ناعمة… صامتة أحيانًا، لكن بليغة دائمًا.
الرباط تحتفل… فهل نحتفل نحن أيضًا بأنفسنا قارئين وفاعلين؟
ن.م.ك



