sliderندوات ومحاضرات

عبد المجيد الصغير: صورة الإسلام في الغرب نتاج تاريخ طويل من التراكمات الكنسية والاستشراقية

احتضنت دار الحديث الحسنية، في إطار برنامجها العلمي والثقافي للموسم الجامعي 2025-2026، محاضرة علمية ألقاها عبد المجيد الصغير، أستاذ الفلسفة وتاريخ الفكر الإسلامي في جامعة محمد الخامس، حول موضوع: “إشكالية المعرفة الغربية بالإسلام والسيرة النبوية: بين «سلة ديكارت» و«أنوار كانت»”، وذلك بحضور ثلة من الأساتذة والباحثين والطلبة.

وقد شكلت هذه المحاضرة مناسبة فكرية مكثفة لإعادة مساءلة صورة الإسلام والسييرة النبوية في الفكر الغربي، ليس بوصفها صورة جاهزة أو نهائية، بل بوصفها بناءً تاريخياً ومعرفياً مركباً تشكل عبر قرون من التفاعل والتوتر بين الحضارات، حيث تداخل فيه الديني بالسياسي، والمعرفي بالأيديولوجي، والعلمي بالاستعماري.

السنوني: المحاضرة تندرج في سياق الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرناً على ميلاد الرسول ﷺ

خلال كلمته التقديمية، أبرز أحمد السنوني،أستاذ أصول الفقه ومقاصد الشريعة بالمؤسسة، أن تنظيم هذه المحاضرة يندرج في سياق تفعيل التوجيهات الملكية الداعية إلى الاحتفاء بمرور خمسة عشر قرناً على ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، من خلال فتح نقاشات علمية وفكرية حول السيرة النبوية وموقعها في الدراسات المعاصرة.

وأضاف أن اختيار عبد المجيد الصغير لإلقاء هذه المحاضرة يعود إلى مكانته العلمية المتميزة، باعتباره من أبرز الباحثين المغاربة في الفلسفة وتاريخ الفلسفة الإسلامية والفكر الإسلامي، فضلاً عن إسهاماته في التكوين داخل دار الحديث الحسنية منذ سنة 2009، خاصة في مجالات علم الكلام وقضايا الاختلاف المذهبي.

كما توقف عند المشروع الفكري للمحاضر الذي يقوم على الربط بين المعرفة والسلطة في التجربة الإسلامية، مع اهتمامه بقضايا الإصلاح والخصوصية المغربية، وبحث العلاقة بين السلطة العلمية والسلطة السياسية وموقع الإسلام ضمن المعرفة الفلسفية الحديثة، مشيراً إلى من بين مؤلفاته كتاب: “حاجتنا إلى تجديد النظر في علم الأصول”.

وأكد السنوني أن عبد المجيد الصغير يعد من الباحثين الذين راكموا تجربة علمية متميزة، تتوزع بين الفكر الإسلامي وعلم الكلام والتصوف وتجارب الإصلاح، مع حضور بارز لموضوع العلاقة بين الدين والسلطة في أعماله الأكاديمية. وختم بالتأكيد على أن كتابات ومحاضرات المحاضر تتميز بالصرامة العلمية والمنهجية، إلى جانب حس نقدي يعكس اهتمامه بقضايا الواقع وتحولات المجتمعات المعاصرة.

عبد المجيد الصغير: صورة الإسلام في الغرب تشكلت بين الموروث الكنسي والاستشراق الحديث

أكد عبد المجيد الصغير، في مستهل عرضه، أن التعريف بالرسالة النبوية لم يعد اليوم مجرد وظيفة دعوية تقليدية، بل تحول إلى مسؤولية معرفية وأخلاقية تفرضها التحولات المتسارعة التي يعرفها العالم المعاصر، خاصة في ظل الثورة الرقمية وتنامي تأثير وسائل الإعلام والذكاء الاصطناعي في تشكيل الوعي الجماعي.

واعتبر أن الحديث النبوي الشريف: فليبلغ الشاهد منكم الغائب، يكتسب اليوم دلالة جديدة تجعل من كل من بلغته الرسالة “شاهداً” مسؤولاً عن نقلها بأمانة علمية، بعيداً عن التزييف أو الاختزال أو الصور النمطية.

وأوضح أن عملية التبليغ في العصر الحديث ينبغي أن تقوم على الحكمة في الخطاب، والحوار القائم على الاحترام المتبادل، والالتزام بالأمانة العلمية، معتبراً أن تقديم الإسلام في السياق العالمي المعاصر يتطلب أدوات معرفية حديثة وخطاباً علمياً رصيناً.

وفي معرض حديثه عن جذور الأزمة المعرفية الغربية تجاه الإسلام، أشار الصغير إلى أن الصورة السائدة عن الإسلام في عدد من البيئات الغربية لم تتشكل في فراغ، بل ارتبطت بسياقات تاريخية تعود إلى العصور الوسطى، حين كانت المؤسسة الكنسية تهيمن على إنتاج المعرفة في أوروبا.

وأضاف أن تلك المرحلة أفرزت تصورات نمطية عن الإسلام بوصفه “الآخر الديني”، وانتقلت هذه الأحكام المسبقة عبر القرون لتستمر بدرجات متفاوتة داخل بعض الكتابات الحديثة، سواء في الأدبيات الدينية أو الاستشراقية.

وتوقف المحاضر عند ما وصفه بـ“الأسوار المعرفية الاستباقية” التي شُيدت مبكراً لمنع التعرف الموضوعي على الإسلام، مبرزاً أن بعض رجال اللاهوت المسيحي عملوا على إنتاج تصورات وتأويلات مغلوطة حول الإسلام ونبيه، تحولت لاحقاً إلى جزء من المخيال الغربي التقليدي.

كما أشار إلى أن الحروب الصليبية، رغم طابعها العسكري العنيف، شكلت في الوقت نفسه لحظة احتكاك مباشر بالحضارة الإسلامية، ما سمح بانتقال المعارف العلمية والفلسفية إلى أوروبا، خاصة عبر الأندلس وحركة الترجمة، الأمر الذي ساهم لاحقاً في بروز تيارات فكرية جديدة داخل الغرب.

وفي هذا السياق، أبرز الصغير الدور المحوري للمشروع الديكارتي في إعادة بناء العقل الغربي على أسس نقدية، معتبراً أن فلسفة رينيه ديكارت قامت على مراجعة الموروثات المعرفية وتنقية العقل من “الأخبار الزائفة” والأحكام غير المؤسسة علمياً.

واستحضر المحاضر مفهوم “سلة ديكارت”، الذي يشبه المعارف الإنسانية بسلة تضم تفاحاً سليماً وآخر فاسداً، مشيراً إلى أن المنهج الديكارتي دعا إلى إخضاع كل المعارف للشك المنهجي، وعدم الاحتفاظ إلا بما يثبت صدقه وفق قواعد العقل والمنهج.

غير أن الصغير تساءل، في المقابل، عما إذا كان الغرب قد تمكن فعلاً من “تفريغ سلة ديكارت” من جميع الصور النمطية الموروثة، معتبراً أن بعض التصورات القديمة المرتبطة بالإسلام ظلت حاضرة داخل الوعي الغربي، حتى بعد التحولات الفكرية الكبرى التي عرفتها أوروبا الحديثة.

وفي محور آخر من المحاضرة، تناول المتحدث علاقة الاستشراق بالسياق الاستعماري، موضحاً أن عدداً من الدراسات الاستشراقية لم يكن منفصلاً عن حاجات الهيمنة السياسية والثقافية، بل ساهم أحياناً في إعادة إنتاج الصور الكنسية القديمة عن الإسلام داخل قوالب أكاديمية حديثة.

كما تطرق إلى توظيف المعرفة والدين خلال المرحلة الاستعمارية، خاصة في التجربة الفرنسية بالجزائر، حيث جرى استخدام التعليم والسياسات الثقافية والعمل التبشيري ضمن مشروع استهدف إعادة تشكيل الهوية المحلية وإضعاف البنية الثقافية الإسلامية.

وفي حديثه عن التحولات المعاصرة، أكد الصغير أن الثورة الرقمية ووسائل التواصل الحديثة ساهمت في كسر احتكار المؤسسات التقليدية للمعرفة، وفتحت المجال أمام الوصول المباشر إلى المصادر الأصلية، ما يتيح إمكانية إعادة قراءة السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي بعيداً عن الوسائط الأيديولوجية المغلقة.

وخلصت المحاضرة إلى أن التعريف بالسيرة النبوية في العالم المعاصر أصبح مشروعاً معرفياً وحضارياً متكاملاً، يتطلب الانفتاح على المناهج الحديثة، مع الحفاظ على الأمانة العلمية والدقة في نقل صورة الإسلام، بما يسهم في تعزيز الفهم المتبادل بين الثقافات والحضارات.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى