sliderآراء

إمارة المؤمنين: تفرّد مغربي (1) بقلم محمد جلماد

إن إمارة المؤمنين تحول الأحكام والتعاليم الدينية إلى سياسات عمومية تحمل البصمة الراسخة للرؤية الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- الذي نجح في جعل الإيمان قوة دافعة للاستقرار والتقدم.


لا يمكن اختزال إمارة المؤمنين في مجرد وظيفة بروتوكولية؛ بل هي القلب النابض للدولة-الأمة المغربية، والصِّمَام الذي يربط الأصالة بالمعاصرة. وسنحاول، عبر سلسلة من المقالات استكشاف هذه المؤسسة الشريفة الضاربة جذورها في التاريخ، والتي تصنع تفرد المملكة المغربية، من خلال أربعة محاور أساسية:

على الصعيد الديني: تُعد إمارة المؤمنين الضامن لـ “نهج الوسطية والاعتدال”. وباعتباره من آل بيت النبوة، يتولى أمير المؤمنين حماية العقيدة، ليس للمسلمين فحسب، بل وأيضاً لأهل الكتاب من الديانات الأخرى المتواجدة على أرض الوطن، مما يجعل المغرب ملاذاً للسلم الروحي.

على الصعيد السياسي: تشكل إمارة المؤمنين ركيزة الاستقرار. فبعيداً عن التجاذبات الحزبية، تتجلى إمارة المؤمنين كحَكَمٍ أسمى، يضمن استمرارية الدولة ومشروعية المؤسسات.

على الصعيد الاقتصادي: إن الاستقرار الديني والسياسي هو التربة الخصبة لتحقيق الازدهار. ومن خلال ترسيخ البلاد في منظومة أخلاقية تقوم على المسؤولية والتضامن، تساهم إمارة المؤمنين في خلق مناخ الثقة الضروري للاستثمارات والتنمية البشرية المستدامة.

على الصعيد الاجتماعي: تجسد إمارة المؤمنين عقد البيعة، وهو رابط وثيق لا ينفصم، يلحم مختلف مكونات المجتمع المغربي، من جبال الريف إلى الأقاليم الصحراوية، حول هوية متعددة الروافد.

إن إمارة المؤمنين تترجم روحانية فاعلة؛ إذ يتعلق الأمر بالتعبير عن عقيدة لا تظل حبيسة الفضاء الخاص أو الممارسات البروتوكولية، بل تتجسد من خلال عمل ملموس داخل المجتمع لضمان السلام، وتحقيق التماسك الاجتماعي، وتثبيت الاعتدال الديني.

كما أن إمارة المؤمنين تحول الأحكام والتعاليم الدينية إلى سياسات عمومية تحمل البصمة الراسخة للرؤية الملكية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس -نصره الله- الذي نجح في جعل الإيمان قوة دافعة للاستقرار والتقدم. ويجسد العاهل الكريم رؤية للإسلام تجد جذورها في تقاليد عريقة، وتتطلع في الوقت ذاته بكل عزم نحو المستقبل. ففي ظل عهده، أضحى المغرب منارة للاستقرار السياسي والاقتصادي، وملتقى طرق لا محيد عنه من أجل السلام العالمي؛ إذ جعلت منه حكمته وتبصره وسيطاً يحظى بالاحترام في العديد من النزاعات، مُغَلِّباً دوماً لغة الحوار والأخوة. وتحت دافعه وتوجيهاته، أصبح المغرب أرضاً يُحتفى فيها بالاختلاف كثروة إنسانية حقيقية.

 السَّلَامُ الرُّوحِيُّ فِي خِدْمَةِ التَّنْمِيَةِ الِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ

تعد مؤسسة إمارة المؤمنين، التي تمتد جذورها في التاريخ الإسلامي المبكر، مكوناً مركزياً وحصرياً للملكية المغربية. وقد اكتسبت دلالة ومشروعية خاصتين تميزانها عن الخلافة المشرقية، وغدت ركيزة أساسية للدولة، تمنح ملك المغرب مشروعية ثلاثية الأبعاد: دينية، وتاريخية، ودستورية. وإن مأسستها المتفردة، التي تجعل من العاهل الكريم حجر الزاوية في المنظومة السياسية والدينية، تُشكل إرثاً تاريخياً وحضارياً ينفرد به النظام الشريف.

وبناءً على ذلك، يُعد الملك حامياً للإسلام والديانات، ساهراً على احترام الإسلام وضامناً لحرية ممارسة الشؤون الدينية للمسلمين وغير المسلمين (المسيحيين واليهود) على حد سواء. كما أنه، وقبل كل شيء، حامي الوحدة المذهبية، وهو الدور الذي يتيح لجلالته توجيه السياسة الدينية وضمان بقاء الإسلام الممارس في المغرب معتدلاً ومتوافقاً مع مبادئ المذهب المالكي والعقيدة السنية، محارباً بذلك كل أشكال التطرف.

إن المكانة المحورية التي تحتلها مؤسسة إمارة المؤمنين في النسق السياسي المغربي ليست وليدة ظرفية عابرة، بل هي ثمرة إجماع تاريخي والتزام جماعي بالمشروعية الدينية للملكية المغربية، وهو ما يجسده «عقد البيعة» باعتباره وثيقة ذات أبعاد رمزية ودستورية تؤطر العلاقة بين العرش والشعب وتُرسخها.

وانطلاقًا من صفته أميرًا للمؤمنين، يضطلع ملك المغرب بدور الضامن للسلم الروحي للأمة، الذي يساهم بشكل ملموس ومتعدد الأبعاد في التنمية السوسيو-اقتصادية، فاعلاً في آن واحد على المستويين الفردي والجماعي؛ إذ يضع الأسس الأخلاقية والنفسية الضرورية لبناء مجتمع مستقر، منتج، وعادل.

المساهمة على المستوى الفردي :

  يُعد السلم الداخلي حافزاً لنمو الفرد وازدهاره الشخصي، وهو ما ينعكس إيجاباً على الإنتاجية والمساهمة الاجتماعية من خلال:

  • الحد من التوتر وضمان صحة نفسية أفضل: يساعد السلم الروحي الأفراد على تدبير حالات التوتر والقلق والاكتئاب. وتؤدي الصحة النفسية الجيدة إلى مرونة أكبر في مواجهة التحديات، وهو أمر حاسم للحفاظ على التزام مستدام في العمل وفي الحياة المجتمعية.
  • زيادة الإنتاجية والإبداع: يتميز الأشخاص الذين ينعمون بسلم داخلي، عموماً، بقدرة أكبر على التركيز والتحفيز وبصفاء الذهن. وتساهم هذه المؤهلات في تحسين الأداء المهني، والابتكار، والقدرة على إيجاد حلول بناءة للمشكلات.
  • تنمية المزايا الأخلاقية: يعزز السلم الداخلي قيماً كالنزاهة، والثقة، والتعاطف، واحترام الآخرين؛ وهي قيم تأسيسية لمعاملات اقتصادية أخلاقية وعلاقات اجتماعية متناغمة.

المساهمة على المستوى الجماعي:

  على المستوى الجماعي، يترجم السلم الروحي الذي تلهمه إمارة المؤمنين إلى تماسك اجتماعي متين وجودة في أداء المؤسسات، وهما ركيزتان أساسيتان للتنمية :

  • التماسك الاجتماعي والوحدة: تشجع الروحانية الشعور بالإنسانية المشتركة والوحدة في إطار التنوع، متجاوزة الخلافات الدينية أو العرقية أو الاجتماعية. ويقلل هذا التماسك من حدة التوترات والنزاعات، مرسخاً سلماً اجتماعياً مستقراً، يعد ضرورياً لجلب الاستثمارات وتحقيق النمو الاقتصادي.
  • الحكامة والأخلاقيات: يكرس السلم الروحي مبادئ الإنصاف، والعدالة، والشفافية. وحينما توجه هذه المبادئ عمل المؤسسات والشركات، فإنها تحد من الفساد، وتعزز ثقة العموم والمستثمرين، وتضمن توزيعاً أفضل للثروات والفرص.
  • اقتصاد تضامني وتعاوني: إن الرؤية الروحية للعالم التي يرعاها ملك المغرب، أمير المؤمنين، ألهمت صياغة نظام اقتصادي أكثر إيثاراً وتعاوناً، ويشمل ذلك دعم الفئات الأكثر هشاشة، ومحاربة الفقر، والنهوض بفرص الشغل النافعة واللائقة (ويُعد الاقتصاد التضامني نموذجاً بارزاً في هذا الصدد).
  • التدبير المستدام للبيئة:  تشهد العديد من التوجيهات الروحية، التي تبثها خطب الجمعة، على الروابط العميقة بين الإنسان والطبيعة. وتدعم هذه المبادرة حماية مسؤولة للبيئة وممارسات تنموية مستدامة، تُعتبر حيوية لاستدامة الاقتصاد على المدى الطويل.
  • تعليم يرتكز على القيم: إن التعليم، حينما يغتني بالقيم الروحية، لا يقتصر على نقل المعارف فحسب، بل يهدف أيضاً إلى تكوين مواطنين مسؤولين، متسامحين، وملتزمين بإقرار السلم والعدالة.

وخلاصة القول، فإن السلم الروحي يخلق ” رأسمالاً روحياً ” يغذي بدوره الرأسمال الاجتماعي (الثقة، التسامح) والرأسمال البشري (الصحة، الإنتاجية)، وهي عناصر لا غنى عنها لتحقيق تنمية سوسيو-اقتصادية دامجة ومستدامة.

تحويل النزاعات والمصالحة:

  منذ اعتلائه عرش أسلافه المنعمين، أولى صاحب الجلالة الملك محمد السادس -حفظه الله- عناية بالغة للتعافي الروحي والوجداني باعتباره ممهداً ضرورياً لإعادة البناء الاقتصادي والسياسي، وذلك عبر تفعيل العدالة الانتقالية والمصالحة، والتي تمثلت أبهى تجلياتها في إحداث “هيئة الإنصاف والمصالحة“.

لقد كان العاهل الكريم مدركاً أن الانقسام والصدمات يشكلان عائقاً حقيقياً أمام التنمية الاقتصادية والاجتماعية؛ فكان الهدف هو إشاعة قيم الصفح والتراحم لكسر حلقة الانتقام، وإعادة الاعتبار لكرامة الضحايا، وتشجيع الحوار بديلاً عن الجفاء والعداء.

إن هذه الرؤية الملكية المتبصرة، ذات الأبعاد الروحية، أرست مناخاً سياسياً مستقراً، يعد الشرط الأول لجذب الاستثمارات الأجنبية والمحلية. كما سمحت بتحرير طاقات بشرية هائلة توجّهت نحو التعليم والصحة والإنتاج الاقتصادي.

ومن خلال استثماره في ثقافة السلم الروحي، أثبت صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، أمير المؤمنين- نصره الله- أن السلم الروحي ليس مجرد ترف، بل هو بنية تحتية أساسية؛ فبدون الثقة، والأخلاقيات، والتماسك الاجتماعي التي يثمرها، تؤول المنظومات الاقتصادية والاجتماعية إلى الانهيار، أو إلى الاشتغال بآليات تفتقر إلى الكفاءة والعدالة.

محمد جلماد – دكتور في القانون العام

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى