sliderدراساتمن تاريخنا

من عام الفيل إلى الهجرة النبوية.. محطات في تطور التأريخ العربي والإسلامي

يُعد التقويم الهجري أحد أهم المنظومات الزمنية في الحضارة الإسلامية، إذ ارتبط بتنظيم حياة المسلمين الدينية والمدنية منذ أكثر من أربعة عشر قرنًا، مستندًا إلى الدورة القمرية في حساب الشهور والأعوام، ومؤرخًا لأبرز المناسبات والشعائر الإسلامية.

ويبرز النظام الهجري بوصفه ثمرة قرار تاريخي اتخذه الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في السنة السابعة عشرة للهجرة، عندما اعتمد هجرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة منطلقًا للتأريخ الإسلامي، استجابةً للحاجة إلى توحيد المراسلات وتنظيم شؤون الدولة الإسلامية المتسعة آنذاك.

ويشير الباحث محمد زاهد خليل المشهداني، في دراسة بعنوان «نظام التقويم الهجري الإسلامي»، نشرتها مجلة دعوة الحق  إلى أن العرب عرفوا قبل الإسلام تقاويم متعددة ارتبطت بأحداث كبرى مثل عام الفيل، كما اعتمدوا التقويم القمري مع اختلاف بدايات التأريخ بين القبائل، إلى أن جاء الإسلام فأقر نظامًا يقوم على اثني عشر شهرًا قمريًا، وحرم ظاهرة «النسيء» التي كانت تؤدي إلى التلاعب بمواقيت الأشهر الحرم.

ويعتمد التقويم الهجري على دورة القمر حول الأرض، ويبلغ متوسط طول السنة القمرية نحو 354 يومًا، أي أقل من السنة الشمسية بحوالي أحد عشر يومًا، وهو ما يجعل المناسبات الإسلامية، مثل شهر رمضان وعيدي الفطر والأضحى، تتنقل بين فصول السنة عبر الزمن.

كما يكتسب التقويم الهجري أهمية خاصة في تحديد العبادات والشعائر الإسلامية، إذ يرتبط بإثبات دخول الشهور القمرية، وصيام رمضان، والحج، والزكاة، وسائر المناسبات الدينية التي تشكل جزءًا من الحياة الروحية للمسلمين في مختلف أنحاء العالم.

وتخلص الدراسة إلى أن اعتماد الهجرة النبوية بدايةً للتاريخ الإسلامي لم يكن مجرد اختيار زمني، بل جاء باعتباره حدثًا مفصليًا أسس لقيام الدولة الإسلامية ومثّل نقطة تحول في مسار الدعوة، وهو ما منح التقويم الهجري بعدًا حضاريًا ودينيًا استمر أثره حتى يومنا هذا، محافظًا على مكانته كأحد أبرز الرموز المشتركة بين المسلمين.

ونظرًا لما تتضمنه هذه الدراسة التي نشرت في العدد 351 و 352 من مجلة دعوة الحق سنة 2000 ، من معطيات تاريخية وعلمية قيّمة حول نشأة التقويم الهجري وتطوره وأهميته في حياة المسلمين، نعيد نشرها إيمانًا بأهمية تعميم الفائدة وإتاحة محتواها لشريحة أوسع من القراء والباحثين.


نظام التقويم الهجري الإسلامي بقلم محمد زاهد خليل المشهداني

المقدمة

إن الإنسان لم يكن بحاجة على تقويم وقتما كانت حياته بسيطة لا تتعدى جمع القوت والتقاطه، ولكن عندما وجد نفسه راعيا ومزارعا أحس بحاجته إلى إدراك مفهوم جديد لكي يعرف وقت الزراعة ووقت الحصاد ووقت الصيد.

وبعد التطور الحضاري الذي عاشه الإنسان تحتم عليه بشكل ضروري تدوين أعماله ومنجزاته، هذه الأمور جعلته يفكر بالتقويم لكي يعرف موقعه على هذا الكوكب، وما أنجز وما سينجز فيه، فبدأ بإجراء حسابات فلكية دقيقة لكي يعرف قيمة الوقت ويدون زمنه، وخير ما اعتمد عليه في ذلك الأجرام السماوية، وخاصة الشمس والقمر فنتج عن ذلك نوعان من التقويم هما: التقويم الشمسي، والتقويم القمري، اللذان اعتمد عليهما لدى جميع الحضارات والأديان، فبدأت كل حضارة وملة بتدوين تاريخهم واعتمادهم على تقويم معين لإدارة شؤونهم الدينية والدنيوية.

فبالتقويم نستطيع دراسة التاريخ وفق منهج علمي صحيح، وبه نفسر بعض الظواهر الفلكية، ونحدد وقت حدوثها فنتقي شرها، وبه نحاول التوفيق في الزمن بين تقويم لحضارة وأمة، وتقويم آخر لحضارة وأمة أخرى.

ولا يمكن أن ننسى أهمية التقويم في إثبات الأعياد والمناسبات الدينية لدى الأمم والشعوب، وكذلك العطل والمناسبات الوطنية، وتأتي “دراسة التقويم الهجري” الإسلامي لما له من الأهمية المتعلقة بشعائر المسلمين، والمدنية المتعلقة بتنظيم شؤونهم، ولقد وفق الخليفة عمر ابن الخطاب “رضي الله عنه” حينما قرر إنشاء تقويم إسلامي يخص المسلمين، خاصة أنه راعى في ذلك موافقة الشريعة الإسلامية الغراء، فاختار حركة القمر ودورته حول الأرض لأنها أقرب شيء لفهم المسلمين، وأوفق لكتاب الله وسنة نبيه المصطفى (ص).

ويكفينا أن نقول: إن التقويم الهجري أو الميلادي أو غيرهما التمثيل “بالرزنامة” أو “المفكرة” أو “الأجندة” لا يستغني عنه أي إنسان، أو أية مؤسسة، أو شركة لما له من الأهمية في تحديد المواعيد، ومعرفة الأيام، ومن ثم إدارة الشؤون الخاصة منها والعامة.

التقويم بين اللغة والإصلاح

كلمة تقويم مشتقة من مادة “قوم” وقد وردت في اللغة وأريد بها معان عديدة، منها قولك: قومت الشيء فهو قويم، أي مستقيم، وقولك: تقوم الشيء أي تعدل واستوى، وتبينت قيمته، واستقام الشيء اعتدل واستوى.

وفي “الاصطلاح” هو حساب الزمن بالسنين والشهور والأيام، وهو يأتي بإزاء كلمة Evaluation أو Calendar في اللغة الإنجليزية.

ويقابله تقويم البلدان، وهو تعيين مواقعها، وبيان ظواهرها (1).

وفي تعريف آخر هو مجموعة قواعد للتوفيق بين السنة المدنية والسنة الاستوائية ولتقسيم الأزمنة (2).

وجميع هذه المعاني والمفاهيم تشير إلى معرفة قياس الزمن حسب تحركات الشمس أو القمر، ومن ثم استخراج السنة المدنية التي بواسطتها نعرف الزمن على الكوكب الذي نعيش فيه.

التقويم العربي قبل الإسلام:

كان للعرب قبل الإسلام – حالهم حال أية أمة – تقويمهم الخاص الذي يؤرخون به حوادثهم، وكان هذا التقويم قمريا، إلا أنه لم يكن هناك تقويم واحد لجميع العرب في الجزيرة العربية، وإن كانوا مشتركين في أسماء الشهور ونوع التقويم “أعني القمري”، فكان لكل قبيلة تقويم خاص يؤرخون به أهم الأحداث التي تعايشوها، فأرخ بعضهم من بداية بناء الكعبة على يد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام سنة 1820 “ق.م.”، كما أرخ آخرون، وخاصة سكان اليمن منذ انهيار “سد مأرب” سنة 120 “ق.م.”.

وكان هناك تقويم آخر مبدأه من اندلاع حرب الفجار، (3) واستخدمت تقاويم أخرى قبلية يؤرخ فيها عشائر القبائل من موت رئيس قبيلتهم، أو تولي رئيس قبيلة جديد، وما إلى ذلك.

إلا أن أشهر تقويم اعتمدت عليه العديد من القبائل العربية هو السنة التي أراد بها أبرهة الحبشي هدم الكعبة فأرسل الله عليهم “طيرا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول”، كما صور القرآن الكريم هذه الحادثة في “سورة الفيل”.

ولما كانت هذه الحادثة غريبة وعجيبة لدى العرب، جعلوا منها بداية لتاريخهم، وفي هذا العام ولد رسول الله محمد (ص)، وكان ذلك في سنة “53” قبل الهجرة، أي سنة “571 م” يوليانية ميلادية، وظل هذا التقويم معمولا به حتى عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب “رضي الله عنه” الذي جعل من هجرة رسول الله محمد (ص) بداية للتقويم الهجري كما سيأتي لاحقا.

إن العرب قبل الإسلام لم يكن لهم دراية كبيرة بعلم الفلك بسبب طبيعتهم البدوية، ولكن مع ذلك اعتمدوا في حساب زمنهم على مبدأ الشهر القمري في تقويمهم، فكان تقويمهم قمريا، وكانت سنتهم قمرية، وفيها اثنا عشر شهرا إلا أن “النساة” (4) كانوا يتلاعبون في تقديم الأشهر وتأخيرها بسبب مصالحهم الاقتصادية، وأوضاعهم السياسية، إلى أن جاء الإسلام الذي حرم النسيء، وعدل التقويم كما سنذكر لاحقا.

وكانت الأشهر العربية قبل الإسلام تحمل الأسماء الآتية وعلى الترتيب:

الشهر الأولالمؤتمرسمي بهذا الاسم لأن العرب تأتمر فيه للتشاور وطلب النصيحة
الشهر الثانيتاجرسمي بذلك لشدة النجر وهو الحر
الشهر الثالثخوانوهو مشتق من الخيانة
الشهر الرابعوبصان، بصانويعني الوعاء الذي يصان ويحفظ فيه شيء
الشهر الخامسالحنينويعني الشرف
الشهر السادسربي، الربةوهو اسم لامرأة قاتلة
الشهر السابعالأصملا يسمع القتال فيه
الشهر الثامنعاذل – عادلويعني المنصف
الشهر التاسعنايق، نافقمشتق من نفق الدابة أي موتها
الشهر العاشروعل – واغلويعني الذي يشترك مع القوم من غير دعوة منهم
الشهر الحادي عشرورنة – هواعوتعني أنثى الحرباء
الشهر الثاني عشربركوتعني برك البعير التي ينحر فيها الإبل (5)

وكما أن للعرب شهورا فإنهم عرفوا الأسبوع، وكان يسمون كل يوم باسم خاص كما يلي

السبترشيار
الأحدأول
الإثنينأهون – أهود
الثلاثاءجتار
الأربعاءدبار
الخميسمؤنس
الجمعةعروبة (6)


تاريخ التقويم الهجري الإسلامي:

يرجع الفضل في تأسيس التقويم الهجري إلى الخليفة الثاني الراشد عمر بن الخطاب “رضي الله عنه”، لأن دور الإسلام ومسؤولية المسلمين دعته إلى ذلك، خاصة بعد توسع الفتوحات الإسلامية، وحاجة المسلمين إلى تنظيم شؤون الحكم والخلافة.
أمال السبب الرئيسي الذي دعا الخليفة “عمر بن الخطاب” “رضي الله عنه” أن يفكر في إنشاء تقويم جديد للمسلمين، فيرجع إلى أن أبا موسى الأشعري “رضي الله عنه” كان وليا على البصرة، والتبست عليه كتب الخليفة وأوامره المختلفة فلم يستطع تنفيذ بعضها في المواضيع المحددة لخلوها من التاريخ، الأمر الذي ألجأه للكتابة إلى الخليفة يلتمس منه ضرورة وضع تاريخ لأوامره ورسائله، ليسهل عليه التنفيذ والتأجيل، حسب متطلبات الحاجة، فرأى الخليفة أن رأي عامله وواليه مصيب، وأدرك في الحال أهمية الموضوع، وضرورة وضع مبدأ للتاريخ الإسلامي.
وفي رواية أخرى أنه عرض على الخليفة عمر ابن الخطاب رضي الله عنه “صك مكتوب” لرجل على آخر بدين يحل عليه في شهر شعبان، فقال عمر: أي شعبان هذا؟ الذي مضى أو الذي هو آت؟ أو الذي نحن فيه؟
ثم جمع أصحاب رسول الله (ص) وطلب منهم أن يضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهــــــم (7).
والراجح أن الروايتين صحيحتان لأن كليهما تؤيد وتكمل الأخرى في وضع تقويم جديد، فقال البعض نؤرخ لسنة مولد النبي (ص)، وقال فريق آخر نؤرخ لسنة البعثة، وقال فريق ثالث نؤرخ لسنة الهجرة، لأن وقت الهجرة معروف، ولم يختلف فيها أحد، وكان ممثلو هذا الفريق الأخير هو عمر وعثمان وعلي “رضي الله عنهم”.
وأخيرا قال عمر: “الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها وبالمحرم، ولأنه منصرف الناس من حجمهم”. فاتفقوا على ذلك.
وقد اتخذ أول المحرم من السنة التي هاجر فيها النبي (ص) مبدأ للتاريخ الإسلامي بالرغم من أن الهجرة لم تقع في ذلك اليوم، فالثابت أن صاحب الشريعة لغراء عليه الصلاة والسلام بارح مكة قبل ختام شهر صفر ببضعة أيام، ومكث ثلاث ليال في غار ثور، ثم خرج ليلة غرة ربيع الأول قاصدا يثرب، وكان نزوله عليه الصلاة والسلام في حال مؤاخاته يثرب بقباء يوم الاثنين 8 ربيع الأول وقت الظهر واستراح هناك أيام الثلاثاء والأربعاء والخميس، وأسس بها أول مسجد في الإسلام، ثم شرف المدينة يوم الجمعة 12 ربيع الأول.
وقد أصاب الصحابة “رضي الله عنهم” في اختيار أول المحرم للسنة الهجرية لأن هناك من الأسباب ما يبرر ذلك ومنها:
1. كان المحرم منذ عهد قديم أول شهور السنة عند العرب، فتغييره يحدث اضطرابا في التاريخ.
2. كانت “بيعة العقبة الثانية” بين النبي (ص) ووفد يثرب في شهر ذي الحجة أثناء الحج، وبعدها أمر رسول الله (ص) أصحابه بالهجرة، وكان أول هلال استهل بعد البيعة والإذن بالهجرة هلال محرم (8).
وتم اتخاذ أول المحرم من سنة الهجرة لرسول الله (ص) على المدينة مبدأ للتاريخ الإسلامي، وصدر ذلك القرار في يوم الأربعاء الموافق 20 جمادى الآخرة عام 17 للهجرة (9).
وقد اختلف المؤرخون في تثبيت هذا اليوم بالتاريخ الميلادي، فبعضهم يدعي وقوعه يوم الخميس الموافق 15 تموز سنة 622 م، والبعض الآخر نسبه إلى يوم الجمعة 16 تموز من نفس العام، وكل فريق له ما يؤيده:
–  فالفريق الأول: يستند إلى الوقائع الحسابية والفلكية معا، حيث ثبت له أن يوم الخميس 15 تموز هو اليوم الأول من المحرم، لأن ولادة القمر كانت واقعة بالفعل في أوائل نهار ذلك اليوم، أي بما لا يقل عن عشرة ساعات من غروب الشمس؛ وقد تم غروب
القمر في نفس ذلك اليوم بعد غروب الشمس بفترة طويلة.
–  أما الفريق الثاني: فكان مستندا إلى الرؤية، فهو أيضا مصيب في رأيه بالنسبة للشرع، فكانت رؤية الهلال بحسابه يوم الجمعة 16 تموز عام 622 للميلاد (10).

نظام التقويم الهجري

من المعروف أن الشهر القمري يتمثل بالفترة الزمنية التي يستغرقها القمر في دورة كاملة حول الأرض، حيث تقاس هذه الفترة عادة من محاق على محاق تال، أو من استقبال إلى استقبال بعده، وأن الفترة لا تكون ثابتة نظرا للاختلاف الذي يمارسه القمر في مداره حول الأرض، والاختلاف المركزي الذي تمارسه الأرض نفسها في مدارها حول الشمس.
فهذا الاضطراب في كل من مداري القمر والأرض يؤدي إلى اختلاف طول الشهر القمري عن المتوسط فيزيد 13 ساعة أو ينقص 13 ساعة، علما أن طول الشهر القمري المتوسط هو 29 يوما شمسيا، و12 ساعة و44 دقيقة و3 ثوان، وبهذا، فإن معدل السنة القمرية تعادل 367.56، 354 يوما شمسيا أي 354 يوما شمسيا و8 ساعات و48 دقيقة، وهي تقل عن السنة الشمسية بنحو 11 يوما.
وفيما يلي تسلسل الأشهر الهجرية وعدد أيامها:

الشهر الأولالمحرم30 يوما
الشهر الثانيصفر29 يوما
الشهر الثالثربيع الأول30 يوما
الشهر الرابعربيع الآخر “الثاني”30 يوما
الشهر الخامسجمادى الأولى30 يوما
الشهر السادسجمادى الآخرة “الثاني”29 يوما
الشهر السابعرجب30 يوما
الشهر الثامنشعبان29 يوما
الشهر التاسعرمضان30 يوما
الشهر العاشرشوال29 يوما
الشهر الحادي عشرذو القعدة30 يوما
الشهر الثاني عشرذو الحجة29 يوما وفي الكبيسة 30 يوما


وبهذا المجموع يبلغ طول السنة المدنية 354 يوما شمسيا، ولما كان متوسط طول السنة القمرية هو 367.68، 354 يوما فإن الزيادة الحاصلة فيها من السنة المدنية 11،1204 يوما زائدا، اقتضى الأمر اتخاذ سنين كبيسة في التقويم لتغطية هذه الفروقات الحسابية فأوجد العلماء 11 سنة كبيسة في دورة 30 سنة، يضاف في كل منها يوم من هذه الأيام الزائدة، لتصبح 355 يوما بدلا من 354 يوما، واتفقوا على ضم هذه الزيادة في نهاية السنة على شهر ذي الحجة، ليصبح عدد أيامه 30 يوما بدلا من 29 يوما، فتمت بهذا تغطية هذه الفروقات الحسابية (11).

التقويم الهجري وتحريم النسيء ودوران الزمن:
في السنة العاشرة من الهجرة الشريفة، وبعد أن أتم رسول الله (ص) من أداء حجة الوداع الأخيرة نزلت عليه في تلك المناسبة الكريمة آيتان تبين نظام التقويم الإسلامي وتحريم النسيء وهما:
1. قوله تعالى: “إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسهم” [التوبة / 36].
2.  والآية الثانية قوله تعالى: “إنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاما ويحرمونه عاما ليواطئوا عدة ما حرم الله فيحلوا ما حرم الله زين لهم سوء أعمالهم والله لا يهدي القوم الكافرين” [التوبة / 37]كما ألقى رسول الله في “حجة الوداع” خطبته الشهيرة التي تكلم فيها عن التقويم ودوران الزمن ورجوعه كما كان فقال:
“أيها الناس إنما النسيء زيادة في الكفر، يضل به الذين كفروا، يحلونه عاما ليواطئوا قد استدار كهيئة يوم خلق السموات والأرض، وأن عدة الشهور عند الله اثنا عشر، منها أربعة حرم، ثلاثة متوالية: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، والرابع هو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبـــــان” (12).
وبهذا التنزيل نظم التقويم الإسلامي، واعتبرت السنة منذ ذلك اثني عشر شهرا، وحرم الكبس أو النسيء بجميع أنواعه، وجعل الشهر قمريا في حساب التقويم الهجري الإسلامي، كما جاء في الحديث الشريف “صوموا لرؤيته وافطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة”. (13)
كما أشار رسول الله (ص) في خطبة “حجة الوداع” إلى رجوع الزمن واستدارته وعودته كما كان، فرجع التقويم صحيحا من غير تلاعب، مما سهل على الأمة الإسلامية العمل بهذا التقويم.

الأعياد والمناسبات في التقويم الهجري الإسلامي:
1. اليوم الأول من شهر محرم: ذكرى رأس السنة الهجرية النبوية (14).
2. اليوم العاشر من شهر محرم: ذكرى يوم عاشوراء، وكان مقدسا عند اليهود، ثم أخذه المسلمون ويسن صيامه، وفي هذا اليوم ذكرى استشهاد الحسين رضي الله عنه.
3. اليوم الثامن من شهر ربيع الأول: ذكرى هجرة النبي محمد (ص) (15).
4. اليوم الثاني عشر من شهر ربيع الأول: ذكرى مولد النبي محمد (ص).
5. ليلة السابع والعشرين من شهر رجب: ذكرى الإسراء والمعراج لرسول الله محمد (ص).
6.  ليلة الخامس عشر من شهر شعبان: ويسن صيامها.
7.  شهر رمضان: ذكرى حلول شهر رمضان المبارك وصيامه فرض، وهو أحد أركان الدين الإسلامي.
8. السابع عشر من شهر رمضان: ذكرى غزوة بدر الكبرى، وهي الغزوة الأولى في الإسلام.
9. اليوم الواحد والعشرون من شهر رمضان: ذكرى فتح مكة.
10.  ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان: ذكرى ليلة القدر ونزول القرآن.
11. اليوم الأول من شهر شوال: أول أيام عيد الفطر المبارك، وهو ثلاثة أيام متتالية، ويحتفل به المسلمون في جميع أنحاء الأرض.
12. اليوم الثامن من شهر ذي الحجة: يوم التروية بالنسبة للحجاج.
13. اليوم التاسع من شهر ذي الحجة: يوم عرفة، وهو يوم عظيم يغفر الله فيه للحجاج جميعهم، ويسن صيامه لمن ليس بعرفة.
14. اليوم العاشر من شهر ذي الحجة: ذكرى اليوم الأول من عيد الأضحى المبارك، ويسمى بالعيد الكبير ويحتفل به جميع المسلمين في الأرض، ومدته 4 أيام.

السنة الهجرية الشمسية:

بما أن التقويم الهجري القمري مبني على حساب القمر أراد بعض العلماء وضع تقويم هجري شمسي.
وبالفعل، وضعوا تقويما يعتمد على الشمس، إلا أنه لم يلاق انتشار كبيرا إلا في بعض البلدان، ومن بينها أفغانستان.
وقد اعتمد في التقويم الهجري الشمسي على الشمس، وجعل اليوم الأول من شهر محرم للسنة الهجرية الأولى هو يوم الجمعة 16 تموز سنة 622 ميلادية يوليانية.
وفي اليوم الثامن من ربيع الأول من هذه السنة كان وصول رسول الله (ص) إلى “منطقة قباء”، وفي اليوم التاسع من الشهر المذكور قام رسول الله (ص) وصحابته ببناء “مسجد قباء”، وقد اعتبر الحاسبون من العلماء هذا اليوم مبدءا للسنة الهجرية الشمسية، واختير هذا اليوم استنادا لقوله تعالى: “… لمسجد أسس على التقوى من أول يوم أحق أن تقوم فيه”.
ومن حسن الصدف – التي قدرها الله – أن ذلك اليوم كان يوم الثلاثاء الموافق 21 أيلول سنة 622 ميلادية يوليانية، وهو يوم الاعتدال الخريفي.
ومن هنا اعتبر يوم 9 ربيع الأول مبدءا للحساب الهجري الشمسي، واعتبر هذا اليوم هو بداية رأس السنة الهجرية الشمسية.
ويبلغ عدد أيام السنة الهجرية الشمسية 365 يوما وكل سنة رابعة تكون 366 يوما، إلا أن كلا من السنين التالية (128، 256، 384، 512، 640)…
وهكذا في نهاية كل 128 سنة شمسية لا تكون كبيسة، وهذا يبقى أول كل يوم من السنة الهجرية الشمسية هو بداية الاعتدال الخريفي ولا يتقدم أو يتأخر.
وليس في هذه السنة زحف لـ”10″ أيام، كما حصل للسنة الميلادية في التقويم الميلادي الجريجوري، لأنها تسير بمعدل كبس يوم كل أربع سنوات، ما عدا سنة 128 هجرية شمسية ومضاعفاتها (16).

الخاتمة

إن الخطوات التي اتبعها الخليفة الثاني “عمر بن الخطاب” رضي الله عنه في تثبيت دعائم الخلافة الإسلامية جعلته يفكر في إنشاء تقويم خاص بالمسلمين يرتكز عليه المسلمون في حياتهم الدينية والدنيوية، ولقد أحسن الاختيار عندما جعل بداية تاريخ التقويم الهجري وقت هجرة رسول الله (ص) من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، لأن وقتها معلوم، ولم يختلف فيه أحد من الصحابة، كما أنها فرقت بين الحق والباطل – كما أشار الخليفة عمر – بالإضافة إلى أنها كانت سببا في إنشاء القاعدة الأولى للخلافة الإسلامية، التي امتدت جذورها على جميع أنحاء العالم.
وبما أن المسلمين الأوائل لم يكن لديهم دراية واسعة بعلم الفلك لأن طبيعة حياتهم البدوية والقبلية بسيطة آنذاك فإنهم بنوا قواعد تقويمهم على القمر وفقا لتطبيق نصوص الشريعة الإسلامية، التي يبنى العديد من أحكامها الشرعية الزمانية على حركة القمر، ومازال المسلمون يسيرون على وفق هذا التقويم في جميع أعيادهم الدينية، ومناسبتهم الإسلامية.


1) راجع: الصحاح في اللغة والعلوم، والمعجم الوسيط، لسان العرب مادة (قوم).
2) المنجد في اللغة والأعلام.
3) سميت بهذا الاسم لانتهاك حرمة الأشهر الحرم والقتال فيها.
4) النسيء هو: التأخير أو التأجيل، وكان مستخدما في الجاهلية قبل الإسلام، ويقوم به أعلياء القوم من بني كنانة الملقبين بالنساة وهم يتحكمون بالأشهر الحرم، ويتلاعبون في تأخيرها.
5) الأزمنة وتلبية الجاهلية: لقطرب – تحقيق: الدكتور حنا جميل حداد /  ص: 112.
6) المصدر السابق.
7) راجع في ذلك: تاريخ ابن عساكر – تاريخ الخلفاء للسيوطي – البداية والنهاية: لابن كثير – الكامل في التاريخ: لابن الأثير، وغيرهم.
8) خطوط الطول والعرض وحساب الوقت: عبد الرزاق الشماع / ص: 44.
9) الموسوعة الفلكية: ميخائيل عبد الأحد.
10) الموسوعة الفلكية: ميخائيل عبد الأحد.
11) الموسوعة الفلكية: ميخائيل عبد الأحد.
12) رواه الشيخان.
13) رواه الشيخان.
14) فائدة: مبدأ السنة الهجرية الأولى يوافق يوم الخميس 15 يوليو سنة 622 يوليانية، 21 أبيب سنة 338 قبطية، 2 آب سنة 4382 عبرية.
15) الثابت أن رسول الله (ص) خرج من مكة في أواخر ليالي شهر صفر، ومكث بغار ثور ثلاث ليال، ثم خرج ليلة غرة ربيع الأول قاصدا يثرب فوصل إلى قباء يوم الاثنين 8 ربيع الأول، ثم وصل المدينة يوم الجمعة 12 ربيع الأول.
16) قواعد في حساب التقاويم: عبد المجيد شوقي البكري / ص: 36.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى