
إن أزمة سبتة لم تُحيِ الاستعمار، بل أعادت إحياء المخيال الاستعماري المرتبط بإقليم لم يُحسم وضعه ما بعد الاستعماري بصورة نهائية بين المغرب وإسبانيا وأوروبا.

تكمن الدلالة العميقة لأزمة سبتة في الكيفية التي أدت بها حالة طوارئ هجرية معاصرة إلى إحياء نحوٍ قديم من التفكير التاريخي. فقد حوّل الوصول المفاجئ لحوالي ستين ألف مهاجر في نهاية شهر يوليو/تموز 2026 مدينة سبتة، التي كانت تُعدّ حدوداً أوروبية هامشية نسبياً، إلى مركز رمزي لمواجهة تتداخل فيها قضايا الهجرة والسيادة والأمن والذاكرة التاريخية. وتشير المعطيات المتوفرة إلى أن الحدث كان إلى حد كبير عفوياً، حيث ساهمت الشائعات المنتشرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، والإحباط الاقتصادي، وسوء فهم الإجراءات القانونية الإسبانية في هذه التعبئة الاستثنائية. غير أن المعنى السياسي الذي أُضفي على هذا التحرك تجاوز بسرعة أسبابه المباشرة.
وهذا التمييز بالغ الأهمية؛ إذ إن حركة هجرة عفوية لا تشكل تلقائياً عملية جيوسياسية. فالوقائع المتاحة لا تثبت أن المغرب تعمد تنظيم تدفق يوليو/تموز. ومع ذلك، فقد جرى تفسير الحدث من خلال منظور جيوسياسي لأن سبتة ليست حدوداً أوروبية عادية، بل هي مدينة إسبانية تقع على التراب الإفريقي، ملاصقة للأراضي المغربية، ولا تزال سيادتها موضع نزاع من طرف المغرب. وهكذا تجعل الجغرافيا المادية للمدينة من الهجرة قضية لا تنفصل سياسياً عن التاريخ غير المكتمل لتصفية الاستعمار.
إن اللغة التي استُخدمت عقب الأزمة كاشفة للغاية. فعندما يوصف تحرك المهاجرين بأنه «غزو» أو «اعتداء» أو تهديد للسلامة الترابية، يتوقف النظر إلى المهاجرين باعتبارهم أفراداً يمارسون حقهم في التنقل، ويصبحون تجسيداً جماعياً لتهديد خارجي. وتكتسب هذه المصطلحات قوة خاصة في سبتة، لأن الحدود هناك تحمل أصلاً إرثاً عسكرياً واستعمارياً. وهكذا يكتسب الجهاز الأمني المعاصر معنى تاريخياً، فتتحول الأسوار الحدودية من مجرد آلية لضبط الهجرة إلى خط دفاع عن ملكية أوروبية قائمة في إفريقيا.
وهذا ما يمكن وصفه بـ إعادة تنشيط الشعور الاستعماري. وليس المقصود بذلك الرغبة في إعادة الاستعمار، بل عودة افتراضات موروثة من الماضي الاستعماري، من قبيل اعتبار السيادة الإسبانية في شمال إفريقيا أمراً بديهياً، والنظر إلى المحيط الإفريقي باعتباره مصدراً محتملاً لعدم الاستقرار، وافتراض أن الحفاظ على المجال الأوروبي يتطلب أنماطاً استثنائية من المراقبة والضبط.
الحدود باعتبارها رقّاً استعمارياً
يمكن فهم سبتة باعتبارها رقّاً استعمارياً ،(Palimpsest، أي فضاءً جغرافياً تعاقبت عليه طبقات من المعاني السياسية دون أن تمحو إحداها الأخرى. فقد شكل احتلال البرتغال لسبتة سنة 1415، ثم انتقالها إلى التاج الإسباني، وتحولها إلى موقع عسكري محصن، وإدماجها لاحقاً في النظام الدستوري الإسباني، طبقات تاريخية متراكمة. وعندما حصل المغرب على استقلاله سنة 1956 انتهى معظم الوجود الاستعماري الإسباني الرسمي، لكن وضع سبتة ومليلية ظل دون حل.
ومن هنا نشأت وضعية ما بعد استعمارية فريدة؛ فإسبانيا تعتبر سبتة جزءاً لا يتجزأ من أراضيها الوطنية، بينما يراها المغرب جزءاً من عملية تصفية الاستعمار غير المكتملة في شمال إفريقيا. وقد أضاف التكامل الأوروبي طبقة أخرى، بتحويل الحدود المغربية الإسبانية إلى واحدة من أكثر الحدود الخارجية حساسية داخل الاتحاد الأوروبي بوصفها عملية. إعادة ترسيم جيوسياسية ووظيفية ورمزية للحدود.فالحدود ليست مجرد خط يفصل بين دولتين، بل هي في الوقت ذاته حدود وطنية، وحدود خارجية للاتحاد الأوروبي، وجهاز أمني، ورمز تاريخي. وقد أظهرت أزمة 2026 بوضوح كيف يمكن لهذه الوظائف المختلفة أن تتقاطع فجأة.
وبذلك تكتسب الأسوار الحدودية أهمية تتجاوز بكثير أبعادها المادية؛ فهي تمثل تجسيداً مادياً للفاصل بين أوروبا وإفريقيا. فمن جهة توجد أوروبا بما توفره من مواطنة متميزة، وأنظمة رفاه اجتماعي، وحرية تنقل؛ ومن جهة أخرى يوجد المغرب الذي بات يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره منطقة عازلة بين أوروبا وتدفقات الهجرة القادمة من إفريقيا جنوب الصحراء.
ويتسق ذلك مع الفكرة القائلة إن المغرب أصبح «محطة عبور قسرية نحو الفردوس الأوروبي» وليس مجرد بلد عبور اختياري. فهذه الصياغة تحوّل الانتباه بعيداً عن الصورة التبسيطية للمغرب كمصدر للضغط الهجروي، لتبرز أن المغرب نفسه أصبح جزءاً من منظومة أوروبية لتصدير مراقبة الحدود خارج المجال الأوروبي.
تصدير الحدود الأوروبية
ينبغي فهم أزمة سبتة في إطار أوسع يتمثل في سياسة تصدير إدارة الهجرة التي اعتمدها الاتحاد الأوروبي خلال العقدين الماضيين. فقد سعت أوروبا تدريجياً إلى منع الهجرة غير النظامية قبل وصول المهاجرين إلى أراضيها، عبر المساعدات المالية، والتعاون الأمني، واتفاقيات إعادة القبول، وبرامج التدريب، والعمليات المشتركة، والضغوط السياسية على الدول المجاورة.
ويحتل المغرب موقعاً استراتيجياً في هذه المنظومة بحكم قربه الجغرافي من إسبانيا وسيطرته على الضفة الجنوبية لمضيق جبل طارق. وقد أصبحت شراكته مع إسبانيا ضرورية للأمن الحدودي الأوروبي، غير أن هذه الشراكة تخلق اختلالاً واضحاً؛ فأوروبا تستفيد من الوظيفة الأمنية للمغرب، بينما يتحمل المغرب قسطاً كبيراً من الأعباء الاجتماعية والسياسية والإنسانية.
وتوفر مقاربة الحكامة الهجرية باعتبارها توازناً بين السيادة والأمن وحقوق الإنسان إطاراً مناسباً لفهم هذا التناقض. فالمغرب طور مؤسسات وقوانين مهمة في مجال الهجرة، من بينها الاستراتيجية الوطنية للهجرة واللجوء، وفي الوقت نفسه أصبح شريكاً رئيسياً في احتواء الهجرة نحو أوروبا. ومن ثم، فإن التناقض هنا بنيوي وليس ظرفياً.
لقد كشفت أزمة سبتة هذه المعادلة بوضوح: فأوروبا تريد من المغرب منع وصول المهاجرين إلى الأراضي الإسبانية؛ والمغرب ينتظر الاعتراف بمصالحه السيادية والاستراتيجية؛ والمهاجرون يسعون إلى فرص الحياة الأوروبية؛ بينما تؤكد سبتة هويتها الإسبانية والأوروبية. وهذه الأهداف لا يمكن التوفيق بينها دائماً.
وهكذا تصبح الهجرة قضية جيوسياسية حتى عندما لا تكون للمهاجرين أنفسهم نوايا جيوسياسية.
المسألة الإسلامية داخل سبتة الإسبانية
لعل أكثر أبعاد الأزمة حساسية يتعلق بالسكان المسلمين في سبتة. فالمدينة ليست متجانسة اجتماعياً، بل تضم مجتمعاً مسلماً يشكل حضوره التاريخي جزءاً أصيلاً من هوية المدينة المعاصرة. ومع ذلك، أعادت الأزمة الأخيرة طرح أسئلة الانتماء والإسبانية، حيث شعر بعض المسلمين بأنهم مطالبون باستمرار بإثبات أنهم «إسبان حقيقيون.»
وتكشف هذه الظاهرة عن خطر تحويل أزمة حدودية إلى أزمة حضارية. فقد قام الخيال الاستعماري تاريخياً على ثنائيات مثل: أوروبي/إفريقي، مسيحي/مسلم، متحضر/غير متحضر، داخل/خارج. ورغم أن إسبانيا الديمقراطية تجاوزت رسمياً هذه التصنيفات، فإن الأزمات الحدودية قد تعيد إحياءها بصورة غير مباشرة.
ويؤدي ذلك إلى مفارقة مقلقة: فكلما تم تصوير سبتة باعتبارها حصناً إسبانياً في مواجهة المغرب، ازداد خطر وضع المسلمين الإسبان في المدينة رمزياً على الجانب الخطأ من الحدود الحضارية.
إن هذا سيكون من أخطر نتائج الأزمة، لأنه يحول نزاعاً ترابياً إلى سؤال داخلي يتعلق بالانتماء الوطني.
من الاستعمار إلى الاستعمارية المستمرة
قد يكون مفهوم الاستعمارية المستمرة (Coloniality) أكثر فائدة من مفهوم الاستعمار لفهم حالة سبتة. فالاستعمار يشير إلى السيطرة السياسية المباشرة، بينما تشير الاستعمارية المستمرة إلى بقاء الهياكل والعلاقات الهرمية حتى بعد انتهاء الحكم الاستعماري رسمياً.
فسبتة ليست مستعمرة بالمعنى القانوني التقليدي، وسكانها يتمتعون بالمواطنة الإسبانية والتمثيل الديمقراطي والحقوق الدستورية. غير أن العلاقة التاريخية بين أوروبا وشمال إفريقيا لا تزال واضحة في التفاوتات المتعلقة بالحركة والازدهار والسيادة.
ولهذا، فإن أزمة 2026 ليست مجرد نزاع بين إسبانيا والمهاجرين، بل هي أيضاً لقاء بين جغرافيات تاريخية مختلفة.
خاتمة: الماضي الاستعماري على حدود أوروبا
لقد أيقظت أزمة سبتة شيئاً أعمق من مجرد أزمة هجرة؛ لقد أيقظت ذاكرة تاريخية.
فرد الفعل الإسباني كشف عن الأهمية الرمزية المستمرة لأراضيها في شمال إفريقيا، بينما أظهرت الاستجابة المغربية أن مسألة السيادة لا تزال جزءاً من الوعي التاريخي الوطني. كما كشفت مشاركة أوروبا إلى أي مدى أصبحت الحدود المغربية الإسبانية حدوداً أوروبية، في حين أبرز المهاجرون الفوارق العميقة في حرية الحركة بين إفريقيا وأوروبا.
وعليه، فإن أزمة يوليو/تموز 2026 لا ينبغي فهمها باعتبارها «غزواً» بسيطاً أو حدثاً إنسانياً مجرداً، بل باعتبارها تصادماً بين الهجرة والسيادة والذاكرة الاستعمارية وسياسات الحدود الأوروبية.
ويمكن تلخيص الفكرة المركزية في عبارة واحدة:
إن أزمة سبتة لم تُحيِ الاستعمار، بل أعادت إحياء المخيال الاستعماري المرتبط بإقليم لم يُحسم وضعه ما بعد الاستعماري بصورة نهائية بين المغرب وإسبانيا وأوروبا.
غير أن الفرصة ما تزال قائمة؛ إذ إن المغرب وإسبانيا طورا واحدة من أهم الشراكات الاستراتيجية في غرب البحر الأبيض المتوسط. ويبقى التحدي اليوم هو جعل سبتة جسراً بين أوروبا وإفريقيا بدلاً من أن تظل رمزاً دائماً للفصل بينهما.
وسيكون ذلك هو التحول الحقيقي لما بعد الاستعمار: ليس محو التاريخ، بل تحويله من مصدر للريبة إلى أساس للتفاهم المتبادل.
محمد اشتاتو، أستاذ جامعي، مستشار ومحلل سياسي متخصص في الشؤون الدولية



