slidertrendingدراسات

سعيد شبار يكتب عن إشكالية الدين والتدين  – 3/1

شهد الفكر الغربي منذ عصر النهضة تحولات عميقة في مقاربة المسألة الأخلاقية، بين السعي إلى التحرر من هيمنة المؤسسة الدينية والبحث عن مرجعيات بديلة تؤسس للقيم والمعايير. غير أن صعود النزعة المادية والاستهلاكية في العقود الأخيرة أفرز أزمة قيمية أعادت إلى الواجهة أسئلة المعنى والوجود واليقين، وطرحت من جديد إشكالية المرجعية الأخلاقية في ظل تنامي الفردانية وسيادة المنفعة والمصالح الآنية.


ضمور المعرفة بالإشكالية والآفات الناجمة عنها

لا تزال إشكالية الدين والتدين تطرح نفسها بحدة، وذلك كلما ازدادت الهوة بينهما واتسعت؛ أي بين طلب الدين واستجابة المتدين، بين المثال الذي يقدمه الدين والتمثل الذي يكون عليه المتدين. يعمق هذه الهوة ويرسخ مسافة البعد فيها، ضمور المعرفة والفقه بهذه العلاقة الجدلية بين الدين والتدين؛ فعلى خلاف البساطة والوضوح الظاهرين فيها، والاعتقاد في كون الدين منحصرا في الأمر بالفعل أو الترك، وفي كون استجابة المتدين منحصرة في الالتزام بذلك؛ ثمة عمق إشكالي فلسفي ومعرفي كبير يؤطر هذه العلاقة، في أسسها وأصولها وفي غاياتها ومقاصدها وفي وظائفها وشبكة علاقاتها، بحيث يكون العمل بالفعل والترك فيها تجليا من تجلياتها.

ولقد عبر عن هذا المعنى في صياغات نسقية رائعة، تجمع بين روح الدين الإيمانية، وفلسفته ومقاصده التشريعية، ونظامه القيمي والأخلاقي، وأسسه المعرفية، قلة من علمائنا في تاريخنا المديد نذكر منهم الغزالي والعز بن عبد السلام والقرافي والشاطبي وابن رشد وابن القيم.. ومتأخرون قليلون كذلك. ولا زلت أجزم أن فكرنا المعاصر لم يستفد من تراثهم بعد، وأنهم متجاوزون لنا كثيرا في فهم الدين وفي طبيعة التدين الذي يسدد ويرشد الحياة في معانيها الكلية أولا، ثم في صورها الجزئية ثانيا. فما أروع ما كتبوا في تقرير المصالح والمفاسد الدنيوية والأخروية والتمييز بين مراتبها والأحكام المتعلقة بها، وكذا التمييز بين كليات الدين والشريعة وبين الجزئيات والفروع الخادمة لها، وبين الضروري والحاجي والتحسيني في الدين وفي الحياة، وما كتبوا في المعرفة والفهم الجامع بين الحكمة والشريعة والمقاصد والتعليل؛ أي أنهم كانوا يسطرون مناهج ورؤى وقواعد في الفهم، تُقوم وتُرشد العلم والمعرفة ومن ثم العمل والسلوك؛ لكن للأسف غلب علينا درس وتدريس هذه المعارف، حتى إذا آل الأمر إلى مرافق الحياة وقطاعاتها المختلفة، غابت وحضر الطبع والعادة.

لقد تولد عن هذا الضمور المعرفي بالعلاقة بين الدين والتدين مشكلات عدة على مستوى الفهم لدى البعض، وعلى مستوى التمثل لدى آخرين، وعليهما معا لدى كثيرين. نشأ غلو لدى البعض في الفهم لما توهموا احتكارهم للحقيقة الدينية حتى كأنهم أوصياء عليها وناطقون رسميون باسمها، وذلك في الواقع تضخم في ذات المتدين يعكس طباعه ونوازعه أكثر مما يعكس تمثله للدين. واستحكمت عادات تحولت لدى شرائح واسعة من عموم الناس إلى عبادات، وكذا عبادات تحولت إلى عادات بحيث أفرغت من محتواها الشرعي وأضحت مجرد طقوس اجتماعية واحتفالية. وساد لدى البعض اعتقاد أن الإيمان والعبادات شيء، وأن الأعمال والسلوك شيء آخر ولا تأثير لأحدهما في الآخر. وهذا ما يبرر ازدواجية سلوك أناس كثيرين بين إتيانهم الطاعات من جهة، وبين عدم تورعهم عن تجنب الآثام من جهة أخرى؛ فترى المتدين منهم حينما تحل به نازلة يتجرد عن خلقه الديني وتتحكمه الطباع والعادات، فيشتد في الخصومة ويغلظ القول فيها؛ وتراه يؤدي العبادة في المسجد وإذا خرج إلى السوق أو التجارة أقسم بالإيمان الكاذبة وشهد الزور؛ وترى العامل في المصنع أو الأستاذ في القسم أو الموظف في شركة أو إدارة، لا يَعتبر إتقانه في أداء هذا الواجب أمانة وعبادة؛ إذا أتقن وأحسن فيها كان مأجورا، وإذا أساء أو غش فيها كان مأزورا.

وترى صاحب العهود والمواثيق والالتزامات يسرع إلى الاخلال بها، خصوصا إذا تعلقت بنظم أو قوانين وضعية بدعوى أنها غير شرعية، ولا يستحضر أنه مطالب شرعا بالوفاء بشرطه مع أي كان، وأن وضع النظم والقوانين اجتهاد يقره الشرع في تدبير المصالح، وأن تلك النظم والقوانين في خدمتها لمقاصد الدين وكلياته، مثل العدل والسلم والأمن وحفظ الأنفس والصحة والعقول والأموال والأعراض، تأخد شرعيتها بذلك، فالوسائل تأخذ حكم مقاصدها كما هو مقرر.

لسنا هنا بصدد إحصاء الاختلالات فصورها كثيرة ومتنوعة، يؤطرها ويغذيها فهم وتصور خاطئ لمعنى التدين؛ والقاسم المشترك بينها أن أصحابها لا يستحضرون أنهم حيثما كانوا فهم في محاريب عبادة، وأن مفهوم التدين شامل مستوعب لمناحي الحياة كلها لا يشذ عنه منها شيء؛ وأن التعبد الذي هو روح التدين لا ينحصر في أداء الشعائر ومحلات العبادة فحسب، بل يتجاوزها إلى كل فعل إنساني يأتيه المكلف في الحياة، والله تعالى يقول: ﴿فَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْاْٗ يَرَهُ ۥ وَمَنْ يَّعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٖ شَّاَٗ يَرَهُ ۥ﴾ [الزلزلة: ]9-8؛

فالإنسان إذن محوط بتقويم أخلاقي وجزائي لا ينفصل عنه في كل أحواله. إن الأصل في الصور المتقدمة، وما ماثلها، أن يَوَُل الخلقُ الديني دون تلك الآفات، وأن تكون له الغلبة على العادة والطبع؛ وهذا هو معنى تدين المتدين حينما يكون للدين، إيمانا وطاعات، أثر في ترشيد وتسديد العمل والسلوك؛ وحينما يكون المتدين إلى تزكية نفسه أقرب منه إلى تدسيتها.

صور من التقابل بين (المثال والتمثل) أو(المطلق والنسبي) في الدين والفلسفة.

إذا عدنا إلى أصل الإشكال بين الدين المطلق والتدين النسبي، أو بين المثال الأعلى وتمثله في الواقع؛ نجد أن ديانات وفلسفات قد سبقت إلى طرح هذا الاشكال الثنائي بين (المطلق والنسبي)، أو (المثال والواقع)، أو (المادة والروح) …الخ. لكنها لم توفق إلى الجمع بينهما ولا إلى إدراك طبيعة الوظيفة التكاملية بينهما؛ وحتى من أدرك شيئا من ذلك وعبر عنه في نسق فكري كما هو شأن الفلسفة اليونانية في حديثها عن المُثل والفضائل، أو في نسق ديني كما هو شأن اللاهوت المسيحي في حديثه عن الأخلاق، فلا نكاد نجد لذلك أثرا في الواقع الاجتماعي وفي حياة الناس وسلوكهم العام. ولهذا اتجهت هذه المذاهب الفلسفية والدينية إلى التمييز بين المفهومين بحيث يكون لكل منهما وجود وكيان مستقل، فبقي المطلق مطلقا غير قابل للتنسيب، وبقي المثال متعاليا منفصلا عن الواقع غير مؤثر فيه.

لقد كتب أفلاطون عن “المدينة الفاضلة” في جمهوريته، وقسمها إلى فئات وطبقات: (فلاسفة حكماء وحكام) و(مهنيون صناع وتجار) و(جند محاربو)، وتحدث عن فضائل الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة…؛ لكن بقيت كلها مُثل ولم يكن لها تأثير ولا تمثل في الواقع؛ بل تعرضت النظرية إلى نقد في تمييزها الطبقي وغياب العدالة مع الفئات الدنيا واستبداد النخبة. وبقيت أثينا بعيدة عن تمثل تلك المثل والفضائل حتى وهي تعيش رقيا عاليا في الفكر والابداع العقلي. (انظر: جمهورية أفلاطون، دراسة وترجمة فؤاد زكريا).

وكتب القديس أوغسطين عن “مدينة الله” وانتصر فيها لقيم ومثل كذلك، لكن لم يكن لذلك أثر في إصلاح الواقع الاجتماعي والسياسي الطبقي في روما، ولا في تقويم المسيحية للسلوك الأخلاقي الروماني؛ عرض أوغسطين لأحداث روما والمفاسد التي تعرضت لها وأدت إلى انحطاطها وعلى رأسها المفاسد الأخلاقية، حتى إنه قال بأن “فسادَ الأخلاق أشد فتكا بالمدينة من الحرب.

ولكي يُظهر المثل العليا المحققة للسعادة والفضيلة والعدالة والحرية…، ميز أوغسطين بين مدينتين: “مدينة السماء” وهي “مدينة الخير الأسمى”، و”مدينة الأرض” وهي “مدينة الشر الأعظم.” يقول: “حبان بَنَيا مدينتين، حب الذات حتى احتقار الله بنى المدينة الأرضية، وحب الله حتى احتقار الذات بنى مدينة الله”، (انظر: مدينة الله، ترجمة الخور أسقف يوحنا الحلو). وأيا يكن بقيت المدينتان منفصلتان، ولم يكن لمدينة “الخير الأسمى” أثر في تقويم “مدينة الشر الأعظم.” وبقيت المطلقات والمثل والفضائل لمجرد الذكر والاستحضار، أما الواقع والمجتمع والحياة فكل ذلك خاضع لمنطق الغلبة والقهر والتمييز العرقي والطبقي.

وحاول الفارابي، متأثرا بأفلاطون، أن يقيم معمارا لـ “المدينة الفاضلة” في الحضارة الإسلامية من خلال تقسيم أكثر تفريعا لفئات المجتمع، متحدثا كذلك عن قيم وفضائل كثيرة، ثم عن مقابلاتها ونواقضها؛ محاولا بذلك التذكير بدورها الجامع للأمة والموحد لها أمام مظاهر انقسامها الفكري والسياسي؛ لكنها بقيت كذلك مجرد مثل دون تحديد كيفيات تمثلها.

هناك إذن عالمان، أحدهما روحاني مثالي والثاني مادي واقعي، وتمايزت المذاهب والأطروحات النظرية في خدمة كل منهما بشكل مستقل، وقلة حاولت الدمج والجمع على الأقل بين التفسير الفلسفي واللاهوتي من خلال عقلنة هذا الأخير ، كما فعل موسى بن ميمون في اليهودية في (دلالة الحائرين)، وتوما الأكويني في المسيحية في (الخلاصة اللاهوتية)، متأثرين في ذلك بما فعله ابن رشد في الحضارة الإسلامية في ترجمته لأرسطو، وفي باقي كتبه خصوصا منها (فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من اتصال) و(الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة)؛ ومنهم الفلاسفة الذين كانوا لاهوتيين واللاهوتيون الذين تعاطوا الفلسفة.

في هذا النموذج، كان من أراد الاقتراب من المطلق الذي يمثله الدين، في النموذج الكنسي خصوصا، أو الانتساب إلى المثل العليا والقيم الروحية عموما؛ فعليه أن يترهب وأن يزهد في الدنيا؛ كما أن من اختار الدنيا تجده ينقطع اليها كليا وينغمس في ملاذها انغماسا يستبيح به كل شيء، وتغيب عنه المثل والمعايير الأخلاقية الكلية.

قريبا من هذا في الفلسفة الحديثة والاتجاهات الأخلاقية فيها، التي أسندت الأخلاق إلى العقل بدل الدين، خصوصا مع ايمانويل كانط الذي سيج الدين في حدود العقل (انظر له: الدين في حدود مجرد العقل)؛ ومع الاتجاهات التجريبية والوضعية والوجودية التي سيجت الدين وأخلاقه في حدود التجربة والتطور الإنساني في كسب العلم والمعرفة؛ حيث كان الجامع المشترك بينها هو استبعاد أي تفسير غيبي أو لاهوتي. وكذلك مع مدارس التفسير الاجتماعي للظاهرة الدينية، حيث يتحول الدين والأخلاق إلى “دين الجماعة” أو “دين المجتمع”، على غرار خلاصات الاجتماعي الفرنسي ايميل دوركايم؛ وكأن كل جماعة تصنع دينها وأخلاقها وطقوسها التعبدية من خلال الرموز المقدسة التي تتخذها، لتتحد بعد ذلك على رمز (طوطم) أعلى يوحدها، ولا دخل لمطلقات متجاوزة في ذلك غير ما تقرره الجماعة نفسها. (انظر كتابه: الأشكال الأولية للحياة البدائية.)

وفي شيء من الاعتبار لدور قيم الدين وأخلاقه العملية، نجد الاجتماعي الكبير ماكس فيبر يجعل من تلك القيم والأخلاق، في الشق البروتستانتي الكالفيني من المسيحية بالخصوص، أحد المستندات الأساسية لنشأة نظام اقتصادي كبير هو الرأسمالية؛ بعد عملية عقلنة وترشيد لتلك القيم والأخلاق بل والاسهام فيه. (انظر له: الرأسمالية والأخلاق والاجتماعي، لمواكبة التطور والتحول الاقتصادي البروتستانتية). وتبقى لحظة نيتشه حاسمة كذلك في ثورته النقدية على القيم والأخلاق التقليدية سواء لدى الفلاسفة أو اللاهوتيين، أي سواء كان مرجعها الدين أو الفلسفة؛ وذلك باعتبارها تمييزات طبقية وعناصر في الهيمنة، وفي الوقت ذاته تمجيده أخلاق القوة من أجل “إنسان أعلى” متحرر من تلك القيود الأخلاقية.

لقد عرف الغرب سجالا حيويا عميقا منذ عصر نهضته، بين مدارسه المختلفة في مقاربة المسألة الأخلاقية، وهي أكبر بكثير من النماذج والإشارات السريعة التي ألمحنا إليها؛ وبما أن الأخلاق مرتبطة بالدين الذي كانت تمثله الكنيسة ورجالها، الذين خاضوا باسمه حروبا تمت المصادرة فيها على النظر العقلي والبحث العلمي وكل أشكال الفكر الحر؛ كان نقد الدين وبنيته الأخلاقية التي سخرت لخدمة هذه الطبقة شيئا واحدا. ولهذا كان الاتجاه إلى التماس مصادر أخرى للأخلاق سواء في العقل أو في المجتمع أو النفس أو في تطور النظم الفكرية والمادية المختلفة، في حركة يمكن تسميتها بـ “تحرير الأخلاق” على غرار تحرير العلم والعقل. وكانت إيجابية هذه اللحظة كذلك في كونها تحتكم في سجالها إلى معايير مرجعية كلية ثابتة، مثل العقل والعلم والمجتمع والطبيعة والتجربة…الخ؛ وإن كان الغلو في تحويل بعضها، أو كلها، إلى نزعات ذات سلطة تفسيرية تستبعد كل ما هو ما ورائي، لا يكاد يختلف عن سلطة الكنيسة القهرية.

لكن كل ذلك سيتلاشى في العقود الأخيرة أمام اكتساح سيولة نفعية واستهلاكية رهيبة، هي إحدى نتائج هيمنة المنظور المادي الواحدي مؤطرا للمعرفة والسلوك معا. السيولة التي تحدث عنها الاجتماعي باومان بعد فقدان القيم والمعايير الصلبة، والتي اكتسحت كل المجالات تقريبا، وأضحت العنوان الأبرز للحداثة وما بعدها؛ حيث تغول النزعات الفردانية والتملك والحريات المطلقة والمتع اللحظية..، (انظر: المجموعة السائلة). وهي القضايا التي كانت محل انتقاد مفكرين غربيين كثيرين، في حركة نقد واسعة تُجمع على إعادة طرح أسئلة المعنى والكينونة والوجهة واليقين، أمام غياب كليات ضابطة سواء كان مرجعها الدين أو العلم أو العقل، وأمام تحكم سيولة نفعية ضيقة وكاسحة.

هي أيضا نتيجة الحروب الطاحنة التي دارت بين مؤسسة لاهوتية بابوية ومؤسسة امبراطورية مدنية، والتي انتهت باللجوء إلى علمنة ابتدأت بالتمييز بين المؤسسات التابعة للكنيسة والمؤسسات التابعة للدولة، وانتهت إلى سحب قيم وأخلاق الدين من المجال العام، بل ومن الانسان نفسه بسحبه من عالمه الإنساني؛ بل وسحب تلك القيم من العلوم والمعارف التي تطورت منفصلة عن أخلاق الدين وهدايات الوحي، فغدت التخصصات الدقيقة فيها وكأنها رؤوس حربية تجلب من الخوف والقلق للإنسان أكثر مما تحقق له من الأمن والطمأنينة، وتُوجَّه لخدمة نزعات الهيمنة والتوسع والاستهلاك أكثر مما تُوجَّه إلى نفع إنساني عام.

(يتبع)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى