
في زوايا ضيّقة من المدن العتيقة، حيث ما تزال الأرواح القديمة تسكن بين الأزقة والأنفاس، تُمارس حرفة عريقة بكل صبر وشغف: التسفير. إنها فن تغليف الكتب وتجليدها يدويًا، مهنة تنتمي لعالم آخر، حيث يُعامل الكتاب كما تُعامل الجواهر: بكل عناية ووقار.
وفي المغرب، تحولت هذه الحرفة على مرّ القرون إلى طقس ثقافي وفنٍّ قائم بذاته، يستمد جذوره من تقاليد الأندلس وفاس ومراكش، ويجمع بين الصنعة الدقيقة، والذوق الرفيع، والبعد الروحي الذي يربط المغاربة بالكتاب كرمز للعلم والبركة.
من المسجد إلى الورشة: ولادة حرفة التسفير
كانت أولى خطوات التسفير في المغرب مرتبطة بالمجال الديني، إذ كان العلماء والفقهاء يرسلون مخطوطاتهم وكتبهم الدينية إلى المسفّرين لحمايتها من الزمن، والرطوبة، وكثرة التداول. وهكذا، ولدت حرفة التسفير في حضن الكتاتيب والزوايا، ونمت بين أحضان المساجد الكبرى مثل جامع القرويين بفاس، ومسجد الكتبية بمراكش.
اعتمد المسفّر المغربي على أدوات تقليدية خالصة: جلد المعز أو البقر، أوراق مقوّاة، خيوط من الكتّان، وألوان طبيعية. لم تكن المهمة ميكانيكية، بل أقرب إلى صناعة جمالية دقيقة، حيث تُرصّع أغلفة الكتب بالنقوش، وتزخرف بالذهب، وتُنسق بالأشكال الهندسية ذات الطابع الإسلامي.
بين الحماية والجمال: فلسفة التسفير التقليدي
يؤمن المسفّر التقليدي بأن مهمته ليست فقط تغليف الكتاب لحمايته، بل إكرامه. ولهذا، كان يُختار الجلد بعناية، ويُنقش بخط اليد، وتُراعى فيه الموازين الهندسية الدقيقة، حتى يكون الغلاف انعكاسًا لمضمون الكتاب.
في المدن الكبرى، كانت ورشات التسفير تنتشر قرب المدارس العتيقة والأسواق القديمة، مثل “درب الصباغين” في فاس، أو “سوق الجلد” في مراكش. وكان التسفير يُنجز حسب الطلب: هناك تسفير بسيط للكتب اليومية، وتسفير فاخر للمخطوطات أو الهدايا، خاصة في المناسبات الدينية أو عند تخرج طالب علم.
هل انقرض المسفّر؟ أم غيّر شكله؟
مع تطور الطباعة، ودخول الكتب الورقية الرخيصة، بدأت مهنة التسفير تتراجع تدريجيًا. لم يعد الكتاب شيئًا يُصنع ويُزين، بل سلعة تُستهلك. ومع ذلك، لا تزال بعض الورشات في فاس ومراكش وسلا تحتفظ بهذا الفن، خاصة في مجال ترميم المخطوطات، أو تقديم أغلفة فنية لهواة الاقتناء.
في السنوات الأخيرة، عاد الاهتمام بالتسفير في سياقات ثقافية وسياحية، وأصبح جزءًا من العرض التراثي المغربي، يُقدّم للسياح والزوار كفن يدوي راقٍ، ويُدرس ضمن الحرف التقليدية في بعض المعاهد الفنية.
التسفير كرمز لهوية الكتاب المغربي
فن التسفير، إضافة إلى كونه احتفاء بالكتاب من خلال غلافه، هو تاريخ مغربي ملموس، يحمل بين طياته جماليات العمارة الإسلامية، وفن النقش اليدوي، والصبر المتقن. إن الكتاب المسفّر مغربيًا هو مرآة لثقافة كاملة تحترم الكلمة، وتُقدّس الحبر، وتمنح للعلم هيئة فنية خالدة.
وفي زمن الرقمنة، حيث تذوب الصفحات في الشاشات، يظل المسفّر المغربي شاهدًا على عصر كانت فيه الكتب تُلبس كما تُلبس القلوب: بكل حُب.
ن.م.ك.



