
ليس من أخلاق أهل العلم أن يسكتوا عن الحق إذا تعرّض للتشويه، ولا من أمانة الكلمة أن تُغفل المنجزات حين ترتفع أصوات التجريح والانفعال. ومن هنا تأتي هذه الكلمة، لا انتصاراً لشخصٍ بقدر ما هي انتصارٌ للحقيقة، ولا دفاعاً عن فردٍ بقدر ما هي دفاعٌ عن مسارٍ ومشروعٍ وخدمةٍ جليلةٍ أسداها رجلٌ من رجالات الدولة المغربية في ميدانٍ هو من أشرف الميادين وأعظمها أثراً: ميدان الدين والأمن الروحي.
لقد شكّل الحقل الديني بالمملكة المغربية، عبر التاريخ، أحد أعمدة الاستقرار ووحدة الأمة، بفضل اجتماع المغاربة على ثوابتهم الراسخة: العقيدة الأشعرية، والمذهب المالكي، والتصوف السني الجنيدي، تحت القيادة الدينية الجامعة لأمير المؤمنين. وهذه الثوابت لم تكن مجرد شعارات مرفوعة، بل كانت عبر القرون حصناً يحفظ وحدة المغاربة من التمزق، ويحميهم من الغلو والانحراف، ويصون هويتهم من الذوبان والاختراق.
وفي هذا السياق التاريخي والديني، برز الأستاذ العلامة أحمد التوفيق بوصفه واحداً من أبرز من حملوا مسؤولية صيانة هذا الإرث العظيم، وخدمة هذا البناء المتين، بعلم العالم، وحكمة المؤرخ، وبصيرة العارف بأحوال المجتمع وتحولاته.
لقد شهدت مرحلة إشرافه على قطاع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عملاً متواصلاً لترسيخ مفهوم الأمن الروحي، ذلك المفهوم الذي لم يعد اليوم ترفاً فكرياً أو شعاراً خطابياً، بل أصبح ضرورة وطنية واستراتيجية كبرى في عالمٍ تتنازع فيه المجتمعات تيارات التطرف والتشدد من جهة، موجات التفكيك العقدي والقيمي من جهة أخرى.
ومن الإنصاف أن يُذكر أن حماية الأمن الروحي لا تتحقق بالخطب والشعارات وحدها، وإنما ببناء المؤسسات، وتأهيل العلماء، والعناية بالمساجد، ورعاية القرآن الكريم، وحفظ المرجعية الدينية للأمة. وهي مجالات شهدت خلال العقود الماضية جهوداً متراكمة أسهمت في ترسيخ النموذج الديني المغربي وإشعاعه داخل المملكة وخارجها.
أما التصوف السني والزوايا المغربية، فإن المتأمل المنصف يدرك أن المرحلة التي واكبت إشراف الأستاذ أحمد التوفيق على تدبير الشأن الديني شهدت إعادة الإعتبار للدور الحضاري والتربوي للزوايا والطرق الصوفية الملتزمة بالكتاب والسنة وثوابت الأمة. فقد تم التعامل مع التصوف باعتباره مدرسةً للأخلاق والتزكية، ومجالاً لإصلاح القلوب وتهذيب النفوس، لا بإعتباره تراثاً هامشياً أو مظهراً فولكلورياً عابراً.
ولقد كان لهذا التوجه أثر بالغ في إعادة إبراز الوظيفة الحقيقية للزوايا المغربية التي أسهمت عبر التاريخ في نشر العلم، وتثبيت العقيدة الصحيحة، وخدمة المجتمع، وتقوية أواصر المحبة والوحدة بين أبناء الوطن. كما ساعد على حفظ التوازن الديني والروحي للمجتمع المغربي، في زمن كثرت فيه دعوات التطرّف والتكفير والتبديع، كما كثرت فيه دعوات التسيب والقطيعة مع التراث والهوية.
إن من عاشر الواقع الديني المغربي خلال العقود الأخيرة يعلم أن كثيراً من المؤسسات العلمية والروحية، وكثيراً من الزوايا والهيئات الدينية الجادة، وجدت في هذا التوجه سنداً للاستمرار وأفقاً للعمل، في إطار من الاحترام للثوابت الجامعة والولاء للمرجعية الدينية للمملكة.
ومن باب الشهادة العلمية التي تؤديها الهيئة العلمية العامة للطريقة القادرية الرازقية المباركة، وفاءً لأمانة الكلمة والتاريخ، فإننا نسجل بكل موضوعية وإنصاف ما عاينّاه عن قرب من عنايةٍ كريمة أولتها وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، في شخص الأستاذ أحمد التوفيق، للمشروع الروحي والعلمي للطريقة القادرية الرازقية المباركة، منذ أن أذن الله تعالى ببروزها وتجدد إشعاعها على يد شيخها المربي الحاضر الشريف مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري.
لقد واكب الأستاذ أحمد التوفيق، بما عُرف عنه من بصيرةٍ في تدبير الشأن الديني وحرصٍ على رعاية المؤسسات الروحية الجادة، مختلف مراحل هذا المشروع المبارك، في إطار التزامه الثابت بخدمة التصوف السني الأصيل، وصيانة المرجعية الدينية المغربية الجامعة. ولم تكن تلك المواكبة موجّهة إلى الطريقة لذاتها، وإنما كانت تعبيرًا عن رؤية متكاملة تؤمن بالدور الحضاري والعلمي والتربوي الذي تضطلع به الزوايا والطرق الصوفية الملتزمة بثوابت الأمة، تحت الرعاية السامية لأمير المؤمنين، حفظه الله.
وإن الهيئة العلمية العامة للطريقة القادرية الرازقية المباركة، إذ تذكر هذه الشهادة، فإنما تذكرها أداءً لواجب الإنصاف، واعترافًا بالفضل لأهله، وترسيخًا لقيمة العدل التي تقتضي أن تُذكر المواقف المشهودة والجهود المحمودة كما هي، بعيدًا عن المبالغة كما بعيدًا عن الجحود. فما لمسناه من اهتمامٍ ومتابعةٍ ورعايةٍ للمشاريع الروحية الجادة، إنما يؤكد ما عرفه القاصي والداني من حرص الأستاذ أحمد التوفيق على خدمة الأمن الروحي للمملكة، ورعاية المؤسسات العلمية والتربوية التي تسهم في حفظ هوية المغرب الدينية وإشعاعه الحضاري.
ولا يعني هذا أن الأعمال البشرية لا تقبل المراجعة أو النقد، فذلك أمر مشروع ومطلوب. غير أن النقد المسؤول شيء، والتنكر للحقائق شيء آخر. والاختلاف في الرأي شيء، ومحاولة طمس المنجزات المشهودة شيء آخر. ذلك أن الإنصاف يقتضي الاعتراف بأن الرجل قد ارتبط اسمه، في ذاكرة كثير من العلماء والباحثين والفاعلين في الحقل الديني، بمشروع كبير في خدمة المرجعية الدينية المغربية، وصيانة الأمن الروحي للمملكة، ورعاية المؤسسات العلمية والروحية التي تشكل جزءاً أصيلاً من هوية هذا الوطن.
ومن هنا فإن أي قراءة منصفة لتجربة الأستاذ أحمد التوفيق لا بد أن تنطلق من حجم المسؤولية التي تحملها، ومن طبيعة المرحلة التي واكبها، ومن الآثار التي خلفها في ميدانٍ بالغ الحساسية والخطورة. فالأوطان لا تُحفظ بالقوة المادية وحدها، وإنما تُحفظ كذلك بوحدة المرجعية، وسلامة العقيدة، واستقرار الوجدان الديني للمجتمع.
وإذا كان لكل جهدٍ بشري ما له وما عليه، فإن العدل يقتضي أن يُذكر الفضل حيث وُجد، وأن تُصان الحقيقة من غوائل المزايدات، وأن يُعطى كل ذي حق حقه. وتلك ليست مجاملة لأحد، وإنما وفاء لقيمة عظيمة أمر بها الشرع والعقل معاً، وهي قيمة الإنصاف.
وفي زمن تتعالى فيه أصوات الضجيج، تبقى الشهادة بالحق أمانة، ويبقى الاعتراف بالجميل فضيلة، ويبقى حفظ المقامات العلمية والخدمات الوطنية والدينية من مكارم الأخلاق التي عُرف بها أهل المغرب عبر تاريخه المجيد.
ولذلك فإن دفاعنا عن الأستاذ أحمد التوفيق في هذا المقام ليس دفاعًا عن شخصٍ في مواجهة خصومه، وإنما هو شهادة حقٍّ في رجلٍ عرفناه من خلال الأثر والعمل، وخبرناه من خلال المواقف والوقائع، فرأيناه خادمًا أمينًا للثوابت الدينية للمملكة، وسندًا للمشاريع الروحية الجادة التي تعمل في ظل إمارة المؤمنين، وفاءً للدين والوطن.
رحم الله من خدم الدين بصدق، وحفظ الله من لا يزال يخدمه بإخلاص، وأدام على المملكة المغربية نعمة الأمن الروحي في ظل الثوابت الدينية الراسخة، وتحت القيادة الرشيدة لأمير المؤمنين، حامي الملة والدين.
صدر عن الهيئة العلمية العامة للطريقة القادرية الرازقية المباركة | أُقرَّ بموافقة شيخنا المربي الحاضر الشريف مولاي رزقي كمال الشرقاوي القادري.



