
إذا كان المغرب يدعم حق تقرير المصير في الصحراء وفق قراءته السياسية الخاصة، فلماذا لا يكون للريف الحق نفسه؟ غير أن هذا التناظر بعيد كل البعد، تاريخياً وقانونياً، عن أن يكون مثبتاً. فمسارا الريف والصحراء الغربية ليسا متطابقين. فالسياقات الاستعمارية تختلف، والمسارات التاريخية تختلف، والساكنة والبنى السياسية تختلف، ولا يمكن مطابقة الأطر الدبلوماسية الدولية آلياً. فالمقارنة إذن بناء سياسي، وليست تعادلاً تاريخياً تلقائياً.

مقدمة: حين يتحول التاريخ إلى سلاح جيوسياسي
إن الإعلان عن حراك جديد للحزب الوطني الريفي (PNR) في بروكسل، المُعلن عنه في حدود 19 سبتمبر 2026، يستحق اهتماماً خاصاً. فهو لا يمثل مجرد حلقة إضافية من نشاط حركة انفصالية قائمة في أوروبا، بل يندرج ضمن تحول أوسع في الصراع الجزائري المغربي: صراع لم يعد يقتصر على الصحراء الغربية، بل يتجه ليصبح منافسة تتسع باطراد حول الهويات، والسرديات التاريخية، والجاليات المهاجرة، والحركات الانفصالية.
يؤكد الحزب الوطني الريفي رغبته في استعادة جمهورية الريف واسترجاع استقلال يعتبر أنه فُقد. ويقوم خطابه أساساً على إعادة تفسير للتجربة السياسية لعبد الكريم الخطابي ولحرب الريف (1921-1926). وتقدّم الحركة هذه التجربة باعتبارها الدليل التاريخي على وجود دولة ريفية ذات سيادة يكون المغرب المعاصر قد اغتصب سيادتها.
غير أن هذه القراءة تستدعي تمييزاً أساسياً. فجمهورية الريف التي أسسها عبد الكريم تنتمي إلى تاريخ المقاومة المناهضة للاستعمار؛ أما مشروع الحزب الوطني الريفي فينتمي إلى السياسة الانفصالية المعاصرة. والخلط بين الاثنين يحوّل تجربة تاريخية معقدة إلى أداة لإضفاء الشرعية على مشروع سياسي راهن.
وتزداد أهمية هذه المسألة لأن الحزب الوطني الريفي بات يحظى اليوم بحضور سياسي في الجزائر. ففي نوفمبر 2024، تناولت الصحافة الجزائرية لقاءً هاماً للحركة في الجزائر العاصمة، نُظّم تحت شعار «جمهورية الريف والحق في استرجاع الاستقلال». ودعا الحزب الوطني الريفي في هذا اللقاء صراحةً إلى الدعم الدولي لقضيته، وأكد رغبته في رفعها أمام الهيئات الإفريقية والدولية. (Horizons)
وثمة واقع لا جدال فيه: لقد أصبحت الجزائر منصة دولية مهمة للخطاب الاستقلالي للحزب الوطني الريفي. ولا يكفي هذا المعطى وحده لإثبات أن الحزب قد «أُنشئ» من قبل الأجهزة الجزائرية، إذ يتطلب مثل هذا الادعاء أدلة محددة. غير أنه يسمح بالحديث عن تقارب سياسي واستراتيجي واضح بين الحزب الوطني الريفي وجزء من المؤسسة السياسية الجزائرية، تقارب يكتسب كامل معناه عند ربطه بالتحالف بين الحزب الوطني الريفي وجبهة البوليساريو. وهذا هو التطور الذي ينبغي تحليله.
الريف في عهد عبد الكريم: تاريخ مناهض للاستعمار، لا مجرد سابقة انفصالية
لا يمكن لأي تحليل جاد للحزب الوطني الريفي أن يتجاهل شخصية عبد الكريم الخطابي. وتُعد حرب الريف، من 1921 إلى 1926، من أهم حلقات التاريخ المناهض للاستعمار في المغرب الكبير. فقد ألحقت القوات الريفية، بقيادة عبد الكريم، هزيمة مدوية بالجيش الإسباني في أنوال في يوليوز 1921، قبل أن تواجه القوات الفرنسية ابتداءً من 1925. وانتهت الحرب باستسلام عبد الكريم في ماي 1926. (Persée)
وتُبرز الأبحاث التاريخية الطابع المناهض للاستعمار العميق لهذه الحرب. ويُذكّر بول أوزيير بأن ملحمة عبد الكريم شكّلت مثالاً بارزاً للمقاومة ضد الإمبريالية الاستعمارية، وكان لها صدى دولي واسع (Euzière, 2006). (Persée)
كما بيّن كل من فانسان كورسيل-لابروس ونيكولا مارمييه مدى كون حرب الريف مواجهة عسكرية وسياسية كبرى، جمعت بين قوات عبد الكريم والقوتين الاستعماريتين اللتين كانتا تسيطران على المغرب: إسبانيا وفرنسا (Courcelle-Labrousse & Marmié, 2008). (Google Books)
وقد حُفظت ذكرى ابن عبد الكريم الخطابي في الثقافة الشفوية الريفية عبر الأغاني والقصائد والحكايات الملحمية والتقاليد الشعبية (Chtatou, 1991). فهذه الذاكرة إذن ليست اختراعاً حديثاً لحركة سياسية في المنفى، بل تشكل مكوناً عميقاً من الذاكرة الثقافية للريف. (ResearchGate) ولهذا السبب بالذات ينبغي فحص توظيفها السياسي المعاصر بحذر.
لقد كانت جمهورية الريف تجربة سياسية عابرة، وُلدت في سياق استثنائي هو سياق الحرب المناهضة للاستعمار. والبحث التاريخي نفسه يشدد على تعقيدها. إذ يوضح رومان دوكولومبييه أن نظام عبد الكريم كان تنظيماً سياسياً يقوم إلى حد كبير على تحالف القبائل الريفية حول قيادته، لا دولة أمة حديثة بالمعنى المعاصر (Ducoulombier, 2008). (La Vie des Idées) وهذا التمييز أساسي.
وجعل عبد الكريم سلفاً تلقائياً للانفصالية الريفية المعاصرة يعني فصل نضاله عن سياقه الاستعماري. فقد كان عبد الكريم يقاتل، في المقام الأول، القوى الاستعمارية التي فرضت سيطرتها على المغرب. ولا يمكن بالتالي اختزال مساره التاريخي في الزعم بأنه كان يسعى فقط إلى إنشاء دولة منفصلة نهائياً عن المغرب.
الحزب الوطني الريفي وإعادة بناء الماضي سياسياً
وهذا بالضبط هو التاريخ الذي يحاول الحزب الوطني الريفي إعادة تفسيره اليوم. فالحركة تقدّم جمهورية الريف باعتبارها كياناً ذا سيادة أُوقف استقلاله بشكل غير قانوني. وفي لقائها بالجزائر العاصمة في نوفمبر 2024، أكد ممثلوها أن جمهورية الريف يجب أن تُعتبر كياناً سياسياً ذا سيادة، وأن الريفيين يملكون «حقاً» في استرجاع هذا الاستقلال. (LE MAGHREB) والمشكلة أن هذه القراءة تحوّل حلقة من حلقات المقاومة المناهضة للاستعمار إلى سند قانوني معاصر للانفصال. غير أن التاريخ السياسي لا يعمل بهذه الطريقة.
فكيان سياسي تاريخي وُجد لبضع سنوات في سياق استعماري لا يحتفظ تلقائياً، بعد قرن من الزمن، بشخصية قانونية تسمح لخلفائه باستعادة هذا الكيان. وإلا لكان النظام الدولي المعاصر مليئاً بدول «يُراد استعادتها» استناداً إلى تشكيلات سياسية اندثرت.
يبني الحزب الوطني الريفي إذن سلالة سياسية انتقائية: يصبح عبد الكريم مؤسس دولة ذات سيادة دائمة؛ وتصبح حرب الريف حرب استقلال ضد المغرب؛ ويصبح الحماية نقطة انطلاق استعمار مغربي؛ ويصبح المغرب المستقل الوريث القانوني لقوة استعمارية. وهذا البناء السردي قابل للجدل تاريخياً وسياسياً.
الريف ليس مرادفاً للانفصالية
يكتسي هذا التمييز أهمية خاصة لتفادي تلاعب آخر: ذلك الذي يقوم على مساواة كل مطلب ريفي بالمطلب الاستقلالي للحزب الوطني الريفي.
وفي مقالي «الريف متمرد لكنه ليس انفصالياً»، شددت بالضبط على هذا التمييز، مذكّراً بأن تاريخ الريف المعاصر يتسم بانتفاضات وإحباطات ومطالب اقتصادية واجتماعية، لكن ذلك لا يعني أن ساكنة الريف منخرطة إجمالاً في مشروع انفصال عن المغرب (Chtatou, 2024). (جريدة العالم الأمازيغي) وهذا التمييز حاسم.
يمتلك الريف هوية ثقافية ولغوية وتاريخية خاصة. وتشكل الريفية (تاريفيت) مكوناً أساسياً من هذه الهوية. وفي دراستي المخصصة لدور تاريفيت في الثقافة الأمازيغية لشمال المغرب، أبيّن أن اللغة ليست مجرد وسيلة تواصل: فهي تشكل خزاناً للذاكرة والقيم والمعتقدات والانتماء الجماعي (Chtatou, 2024). (ResearchGate)
الهوية الريفية قائمة فعلاً؛ لكنها لا تفضي آلياً إلى الانفصالية.
وينبغي أن تشكل هذه الحقيقة نقطة انطلاق أي تحليل جاد.
ويقدم حراك الريف لسنتي 2016-2017 مثالاً دالاً في هذا الصدد. فقد تمحورت التعبئات أساساً حول الكرامة والعدالة الاجتماعية والصحة والتعليم والشغل والبنى التحتية ومحاربة التهميش. وقد استُخدمت أحياناً رموز تاريخية ريفية، لكن من التبسيط تحويلها بأثر رجعي إلى حركة استقلالية. وقد شدّدت آنذاك على ضرورة برنامج تنمية شامل يقوم على الحوار لمعالجة أزمة الريف (Chtatou, 2017). (Morocco World News) ويظل هذا التوجه أساسياً اليوم.
المنعطف الجزائري للحزب الوطني الريفي
يتجلى التحول الاستراتيجي الحقيقي في استقرار الحزب الوطني الريفي داخل الفضاء السياسي الجزائري. ففي مارس 2024، أعلنت صحيفة «لوكورييه دالجيري» الجزائرية اليومية عن وجود تمثيلية رسمية للحزب الوطني الريفي في الجزائر العاصمة، وقدّمت الجزائر كمنصة جديدة للحركة. وأكد المقال أن الحزب الوطني الريفي يعتزم مواصلة نضاله من أجل إقامة جمهورية ريفية. (Le Courrier d’Algérie) وهذا الحضور ليس بريئاً.
وفي منطقة تخوض فيها الرباط والجزائر منذ عقود منافسة جيوسياسية حادة، فإن استقبال حركة انفصالية تطالب بجزء من التراب المغربي يشكل بالضرورة إشارة سياسية. ويصعب تجنب المقارنة مع جبهة البوليساريو.
تدعم الجزائر سياسياً البوليساريو في نزاع الصحراء الغربية. وفي الوقت ذاته، وجد الحزب الوطني الريفي في الجزائر فضاءً سياسياً لتطوير خطابه حول استقلال الريف. وفي نوفمبر 2024، جمع مؤتمر للحزب الوطني الريفي في الجزائر العاصمة ممثلين عن عدة تشكيلات سياسية جزائرية وممثلين أجانب. (Horizons)
والأهم من ذلك أن جبهة البوليساريو كانت ممثَّلة في بعض التظاهرات المنظمة حول القضية الريفية. فقد أوردت صحيفة «لوماغريب» في نوفمبر 2024 تصريح تضامن من جبهة البوليساريو مع الحزب الوطني الريفي. (LE MAGHREB) فالأمر لم يعد يقتصر إذن على منظمة ريفية تبحث عن جمهور أوروبي.
وتتشكل بذلك بنية سياسية جديدة: الجزائر كمنصة، والحزب الوطني الريفي كحركة انفصالية مغربية، والبوليساريو كشريك أيديولوجي واستراتيجي.
مرآة الصحراء: تصنيع تناظر بين الريف والصحراء الغربية
يقوم التقارب بين الحزب الوطني الريفي والبوليساريو على منطق بسيط: بناء تناظر. فالخطاب الاستقلالي الريفي يقدّم الريف كأرض «محتلة» من طرف المغرب. وتقدّم البوليساريو الصحراء الغربية كأرض تُعد سيادة المغرب عليها غير شرعية. وتسعى الحركتان بذلك إلى تقديم نفسيهما كحركتي «تحرر وطني».
وفي نوفمبر 2024، قدّم مسؤولون في الحزب الوطني الريفي بالجزائر العاصمة صراحةً جمهورية الريف والجمهورية العربية الصحراوية الديمقراطية كوضعيتين قابلتين للمقارنة، بل وكآخر قضيتين من قضايا «إنهاء الاستعمار» في إفريقيا. (LE MAGHREB)
وتتيح هذه الاستراتيجية للحزب الوطني الريفي ميزة واضحة: إذ تمكّنه من استعارة جزء من مفردات البوليساريو الدبلوماسية، وخبرتها الدولية، وشبكاتها الإفريقية. كما تتيح ميزة للبوليساريو وللجزائر أيضاً: فهي تسمح بخلق تناظر خطابي بين المطالب المغربية في الصحراء والمطالب الانفصالية ضد المغرب.
ويصبح المنطق حينئذ كالتالي:
إذا كان المغرب يدعم حق تقرير المصير في الصحراء وفق قراءته السياسية الخاصة، فلماذا لا يكون للريف الحق نفسه؟ غير أن هذا التناظر بعيد كل البعد، تاريخياً وقانونياً، عن أن يكون مثبتاً. فمسارا الريف والصحراء الغربية ليسا متطابقين. فالسياقات الاستعمارية تختلف، والمسارات التاريخية تختلف، والساكنة والبنى السياسية تختلف، ولا يمكن مطابقة الأطر الدبلوماسية الدولية آلياً. فالمقارنة إذن بناء سياسي، وليست تعادلاً تاريخياً تلقائياً.
«صنيعة جزائرية»؟ يجب التمييز بين الدعم والإنشاء
إن صيغة اعتبار الحزب الوطني الريفي «صنيعة جزائرية» مفهومة سياسياً في السياق الراهن، لكن يجب التعامل معها بدقة. فقد وُلد الحزب الوطني الريفي في بلجيكا سنة 2023 وفق المصادر المتاحة. ولن يكون من الدقيق إذن، دون أدلة إضافية، التأكيد بأن الجزائر أنشأته قانونياً أو أن السلطات الجزائرية هي مؤسسوه. غير أن وجود دعم واستقبال سياسيَّين جزائريَّين أمر موثّق.
فالحضور الرسمي للحزب الوطني الريفي في الجزائر العاصمة، وتغطية أنشطته من قبل الصحافة الجزائرية، واللقاءات مع مسؤولين وأحزاب جزائرية، ومشاركة ممثلين أجانب في مؤتمراته، وحضور ممثلين عن البوليساريو، تشكل مجموعة من المؤشرات التي تدل على تقارب سياسي جوهري. (Horizons)
وسيكون من الأدق علمياً الحديث عن توظيف جيوسياسي للقضية الريفية، أو عن دعم جزائري لتدويل الحزب الوطني الريفي. وهذه الدقة تعزز الحجة أكثر مما تضعفها.
لأن السؤال الجوهري ليس، في نهاية المطاف، معرفة من «أنشأ» الحزب الوطني الريفي قانونياً. بل هو معرفة لماذا تجد حركة انفصالية مغربية في الجزائر فضاءً سياسياً ودبلوماسياً لا تملكه في المغرب. والجواب جيوسياسي إلى حد بعيد: يمكن للحزب الوطني الريفي أن يُستخدم لخلق مرآة للبوليساريو.
المفارقة الجزائرية: حق تقرير المصير بهندسة متغيرة
ثمة مفارقة سياسية تستحق الإبراز هنا. فالجزائر تقدّم منذ أمد بعيد مبدأ تقرير المصير باعتباره أحد ركائز سياستها الخارجية، وخاصة في ملف الصحراء. لكن حين يُطبّق مبدأ تقرير المصير على منطقة القبائل، يصبح الإطار السياسي مختلفاً جذرياً.
ويتهم المغرب، من جانبه، الجزائر بدعم البوليساريو، ويرى في الحزب الوطني الريفي محاولة مماثلة لتوظيف القضية الريفية. وأصبح منطق المرآة كاملاً الآن: الجزائر تدعم البوليساريو؛ الرباط تدعم الحكم الذاتي للصحراء؛ الجزائر تستقبل الحزب الوطني الريفي؛ الرباط تندد بهذا التوجه باعتباره تدخلاً.
والنتيجة مقلقة: فالمنافسة الثنائية تحوّل تدريجياً الهويات الجهوية إلى أدوات لحرب جيوسياسية غير مباشرة. والخطر أن يصبح الريف أحد المسارح الجديدة لحرب السرديات هذه.
الجالية المهاجرة كفضاء للتسييس
يكتسي اختيار بروكسل، في هذا السياق، دلالة خاصة. فالحركات الانفصالية المعاصرة لم تعد تسعى بالضرورة إلى السيطرة الفورية على إقليم. بل يمكنها أن تبدأ بالسيطرة على سردية عابرة للحدود الوطنية.
وتشكل الجالية المهاجرة في هذا الصدد فضاءً مميزاً: فهي تتمتع بحريات سياسية، وشبكات جمعوية، ووسائل إعلام مجتمعية، وإمكانيات لممارسة الضغط، وسبل وصول إلى المؤسسات الأوروبية. ويسعى الحزب الوطني الريفي بالضبط إلى تدويل القضية الريفية.
وتندرج هذه الاستراتيجية ضمن دينامية أوسع لتدويل الهويات الأمازيغية والريفية. فذاكرة الريف تنتقل اليوم بين المغرب وهولندا وبلجيكا وإسبانيا وفرنسا وفضاءات أخرى للجالية المهاجرة. ولا تقتصر ذاكرة عبد الكريم على التراب الريفي، بل تتجدد في السرديات واللغات والتقاليد الشفوية والجاليات المهاجرة (Chtatou, 1991). غير أن الذاكرة الثقافية العابرة للحدود ليست تلقائياً تعبئة انفصالية عابرة للحدود. وهذا بالضبط هو الخلط الذي يسعى الحزب الوطني الريفي إلى ترسيخه.
خطر التوظيف السياسي للهوية الأمازيغية
ثمة رهان أوسع يتجاوز الحزب الوطني الريفي. فالهوية الأمازيغية مكوّن أساسي من تاريخ المغرب. وقد اعترف الدستور المغربي لسنة 2011 بالأمازيغية لغة رسمية إلى جانب العربية، وأسس مؤسسياً لتطويرها. ولا يمكن اختزال الهوية الأمازيغية في مطلب سياسي انفصالي، بل تشكل عالماً ثقافياً ولغوياً وتاريخياً واجتماعياً أوسع بكثير (Chtatou, 2026). (جريدة العالم الأمازيغي)
وقد يُفضي التسييس المفرط للأمازيغية إلى أثر معاكس: الإيحاء بأن الهوية الأمازيغية والسيادة المغربية متنافيتان بالضرورة. وهذا الاستنتاج خاطئ تاريخياً. فالمغرب بلد أمازيغي وعربي وإسلامي وإفريقي ومتوسطي في آن واحد. وهذه الأبعاد لا تتنافى بالضرورة.
إن التحدي الحقيقي يكمن إذن في بناء مواطنة تتيح للهويات الجهوية أن تزدهر دون أن يتحول التنوع تلقائياً إلى تشظٍّ ترابي.
الحزب الوطني الريفي والمعركة الدبلوماسية الجديدة بعد تراجع البوليساريو
يأتي تطور الحزب الوطني الريفي أيضاً في لحظة حساسة بشكل خاص بالنسبة للدبلوماسية الجهوية. وقد استوجب تطور ملف الصحراء الغربية فهماً من خلال موازين القوى الدولية وتحوّل السياق الدبلوماسي (Chtatou, 2026). (Oulemag) وفي هذا المنظور، يمكن تفسير نشاط الحزب الوطني الريفي كمحاولة لتنويع جبهات المواجهة.
فإذا أصبح ملف الصحراء أقل مواتاة تدريجياً للبوليساريو في بعض الفضاءات الدبلوماسية، فإن إبراز مطلب انفصالي جديد ضد المغرب قد يبدو وسيلة لإزاحة المواجهة. ويتعلق الأمر حينئذ بالانتقال من استراتيجية تتمحور حول الصحراء إلى استراتيجية أوسع للضغط الترابي والهوياتي على المغرب.
وتفسر هذه الفرضية سبب جاذبية الريف بالنسبة للجزائر: فهو يشكل المرآة الجغرافية للصحراء. فالصحراء في الجنوب؛ والريف في الشمال. وتنازع البوليساريو السيادة المغربية في الصحراء؛ ويسعى الحزب الوطني الريفي إلى منازعة السيادة المغربية في الريف. والتناظر الجيوسياسي واضح.
لكن هل يتوفر الحزب الوطني الريفي فعلاً على قاعدة شعبية في الريف؟
لعل هذا هو السؤال الأهم. فقد تكون حركة نشطة جداً في المهجر دون أن تتوفر على ركيزة ترابية حقيقية. يمكن للحزب الوطني الريفي أن ينظم مؤتمرات في الجزائر أو بروكسل أو مدريد. ويمكنه أن يحصل على دعم سياسي ظرفي. ويمكنه أن ينشر بلاغات ويطور حضوراً رقمياً. لكن ذلك لا يجيب عن سؤال جوهري: كم عدد الريفيين المقيمين في الريف الذين يرغبون فعلاً في الاستقلال؟
وحتى اليوم، لا يوجد أي دليل انتخابي، ولا أي استفتاء، ولا أي دراسة علمية موثوقة تسمح بالتأكيد على أن أغلبية ساكنة الريف ترغب في إقامة دولة مستقلة. ويجب إذن تجنب خلط جوهري: فالحضور الدولي لحركة ما لا يعني تمثيليتها الشعبية. يؤكد الحزب الوطني الريفي أنه يمثل الشعب الريفي. لكن هذا الادعاء يظل مطلباً سياسياً، لا تفويضاً انتخابياً ثابتاً.
ويُظهر حراك 2016-2017 بالضبط مدى خطورة اختزال ساكنة الريف في مشروع سياسي واحد. فقد تمحورت المطالب الاجتماعية للحركة أساساً حول الخدمات العمومية والشغل والكرامة والعدالة الترابية. فالريف كان دائماً متمرداً لكنه لم يكن أبداً انفصالياً (Chtatou, 2024). (جريدة العالم الأمازيغي) وتستحق هذه الصيغة أن تصبح أحد المبادئ الموجهة للنقاش.
أفضل رد على الانفصالية: التنمية الترابية
لا ينبغي إذن للمغرب أن يواجه الحزب الوطني الريفي بدبلوماسية دفاعية فقط، بل عليه أن يواجهه بسياسة جوهرية. فالريف بحاجة إلى استثمارات، وبنى تحتية، وجامعات، ومراكز بحثية، وخدمات صحية، وفرص شغل، وتنمية سياحية مستدامة، وتثمين لتراثه الأمازيغي.
وقد وجب معالجة أزمة الريف عبر الحوار وعبر برنامج حقيقي للتنمية الجهوية (Chtatou, 2017). (Morocco World News) وتظل هذه التوصية راهنة بشكل لافت. لأن أفضل ترياق للانفصالية ليس دائماً قمع الخطاب الانفصالي، بل بناء دولة عادلة ترابياً.
فكلما شعر مواطنو الريف بالاندماج الكامل في جماعة سياسية مزدهرة وديمقراطية ومحترمة لهويتهم، قلّت قدرة المطلب الانفصالي على ادعاء التحدث باسمهم. وينبغي إذن إدماج قضية الريف في سياسة وطنية للتقارب الترابي.
بروكسل: إعلان رمزي لا يُنشئ دولة
إذا تأكدت التظاهرة المعلن عنها في بروكسل يوم 19 سبتمبر 2026، فسيكون من المناسب إيلاؤها اهتماماً سياسياً وإعلامياً، دون أن تُمنح مع ذلك بعداً قانونياً لا تملكه. فبإمكان حركة سياسية أن تعلن رمزياً استعادة جمهورية. لكن إعلاناً في المنفى لا يكفي لإنشاء دولة.
إن إنشاء دولة يفترض بالخصوص وجود سكان، وإقليم، ومؤسسات فعلية، وقدرة على إقامة علاقات دولية. ولا يتوفر الحزب الوطني الريفي حالياً على أي إقليم ذي سيادة فعلية. ولا يمارس السلطة الحكومية في الريف. ولا يحظى باعتراف دولي كحكومة ذات سيادة على الريف. ولا يتوفر على تفويض انتخابي ثابت من ساكنة الريف.
وسيكون من الأدق إذن اعتبار أي إعلان محتمل في بروكسل عملاً من أعمال التواصل السياسي وتدويل المطلب، لا نشأة فعلية لدولة جديدة. وتظل «جمهورية الريف» المعاصرة بذلك بناءً سياسياً في المنفى.
وهم سياسي، لكن ليس مسألة يجب إهمالها
إن وصف المشروع بـ«الوهم» لا يعني وجوب إهماله. فالمنظمات السياسية الصغيرة قد تكتسب أحياناً نفوذاً غير متناسب حين تستفيد من شبكات دولية أو دعم دول أو ظرف جيوسياسي مواتٍ. فالخطر إذن لا يكمن في إمكانية إنشاء دولة ريفية بشكل فوري.
بل يكمن في قدرة الحزب الوطني الريفي على تدويل سرديته تدريجياً، والحصول على دعم برلماني، واختراق الشبكات الجمعوية والإعلامية الأوروبية والإفريقية، وترسيخ فكرة أن الريف يمثل قضية دولية شبيهة بالصحراء الغربية. وهذه استراتيجية تستحق المتابعة بجدية.
ويجب على المغرب ألا يرتكب خطأ التعامل مع الظاهرة كمجرد مزحة سياسية. فالوهم قد يتحول إلى سردية. والسردية قد تتحول إلى تعبئة. والتعبئة قد تتحول إلى أداة دبلوماسية. والأداة الدبلوماسية قد تتحول إلى مصدر دائم للتوتر الجهوي.
خاتمة: الدفاع عن الريف ضد توظيفه الذاتي
إن تطور الحزب الوطني الريفي لا يمثل إذن ميلاد جمهورية جديدة بقدر ما يمثل ظهور جبهة جديدة في المنافسة الجيوسياسية بين المغرب والجزائر.
إن الحزب الوطني الريفي موجود فعلاً كحركة استقلالية. وهو يطالب صراحة باستعادة جمهورية الريف. وقد أرسى حضوراً سياسياً في الجزائر. ونظم في الجزائر العاصمة مؤتمرات دولية مكرسة لاستقلال الريف. وطوّر تقارباً علنياً مع جبهة البوليساريو. وهذه وقائع موثقة. (Horizons)
في المقابل، يجب أن يظل الزعم بأن الحزب الوطني الريفي «صنيعة جزائرية» بالمعنى الدقيق فرضية سياسية طالما لم تسمح أدلة وثائقية مباشرة بإثباتها. لكن هذا التحفظ لا يغير جوهر المشكلة.
فالجزائر تمنح الحزب الوطني الريفي منصة سياسية يستخدمها لتدويل مطلب انفصالي ضد المغرب. وهذا الواقع كافٍ لجعل الحزب الوطني الريفي عنصراً جديداً في التنافس المغاربي. غير أنه يتعين على المغرب تجنب خطأ مماثل بالمقابل: اعتبار كل هوية ريفية انفصالية.
إن الريف لا ينتمي إلى الحزب الوطني الريفي. وتاريخ عبد الكريم لا ينتمي إلى الحزب الوطني الريفي. ولغة تاريفيت لا تنتمي إلى الحزب الوطني الريفي. والثقافة الأمازيغية في الريف لا تنتمي إلى الحزب الوطني الريفي. والأهم من ذلك كله، لا يمكن أن تُمثَّل ساكنة الريف تلقائياً بحركة سياسية تشكلت في المنفى.
يمتلك الريف ذاكرة مقاومة، وثقافة أمازيغية عميقة الجذور، وتقليداً سياسياً خاصاً، لكن ذلك لا يعني أن هويته تتنافى مع المغربية (Chtatou, 1991, 2024). (ResearchGate) ويجب أن يكون الرد المغربي الحقيقي مزدوجاً.
فعلى الصعيد الخارجي، يتعين على الرباط أن تفكك بشكل منهجي الرواية التاريخية القائلة إن جمهورية الريف لسنوات 1921-1926 تشكل دولة معاصرة عُلّق استقلالها ببساطة. كما يتعين عليها أن تبرز الفارق بين تاريخ عبد الكريم المناهض للاستعمار والانفصالية المعاصرة. وعلى الصعيد الداخلي، يتعين عليها مواصلة سياسة أكثر طموحاً بكثير للتنمية والعدالة الترابية والاعتراف الثقافي والمشاركة المواطنة في الريف.
لأن أفضل وسيلة لتقليص الفضاء السياسي للانفصالية هي التصالح الكامل بين الهوية الريفية والانتماء المغربي. وينبغي إذن ألا تُطرح قضية الريف كخيار بين الهوية والوحدة الوطنية.
بل ينبغي طرحها بطريقة أخرى:
كيف يمكن بناء مغرب ديمقراطي بما يكفي، وعادل بما يكفي، ومنفتح بما يكفي، حتى تتمكن الهوية الريفية من الازدهار الكامل دون أن تُختطف من قبل الاستراتيجيات الجيوسياسية لقوة أجنبية؟ هنا تكمن المعركة الحقيقية.
ولهذا السبب، وراء المشهد المعلن لبروكسل، ووراء شعارات «جمهورية الريف»، ووراء محاولات التقارب مع البوليساريو، يظل الرهان الأساسي هو حوكمة المغرب الترابية والتحكم السياسي في سرديته الوطنية الخاصة.
يمكن للحزب الوطني الريفي أن يعلن جمهورية في بروكسل. لكن جمهورية مُعلنة بلا إقليم، وبلا حكومة فعلية، وبلا اعتراف دولي، وخاصة بلا تفويض شعبي مثبت، تظل، في الوقت الراهن، بناءً سياسياً في المنفى.
إن جمهورية الريف الحقيقية تنتمي إلى التاريخ. أما الاستعادة المزعومة لهذه الجمهورية فتنتمي، من جهتها، إلى سجل السياسة المعاصرة. وبين الاثنين يوجد كل فضاء الذاكرة والهوية والجيوسياسة — وهو فضاء لم يعد بإمكان المغرب أن يترك لخصومه وحدهم مهمة تحديد معالمه.
المراجع
Chtatou, M. (1991). Bin ‘Abd al-Karim al-Khattabi in the Rifi oral tradition of Gzenneya. In E. G. H. Joffé & C. R. Pennell (Eds.), Tribe and state: Essays in honour of David Montgomery Hart (pp. 182–212). Middle East and North African Studies Press.
Chtatou, M. (2017, June 26). To defuse the Rif crisis, save the region from petty politics and inhuman economics. Morocco World News.
Chtatou, M. (2022, August 27). Le Rif n’est pas une région hors-la-loi. AkalPress.
Chtatou, M. (2024, April 1). Le Rif est frondeur mais pas séparatiste. Le Monde Amazigh.
Chtatou, M. (2024). Tarifit et son rôle primordial dans la culture amazighe du Nord du Maroc. IJBAR, 1.
Chtatou, M. (2026, April 12). L’Algérie, le Polisario et la résolution 2797 : anatomie d’un recul diplomatique. Oulemag.
Chtatou, M. (2026, May 16). La culture amazighe au Maroc : défis et perspectives d’avenir. Oulemag.
Courcelle-Labrousse, V., & Marmié, N. (2008). La guerre du Rif : Maroc 1921–1926. Tallandier.
Ducoulombier, R. (2008, October 8). Une guerre coloniale oubliée : le Rif, 1921–1926. La Vie des idées.
Euzière, P. (2006). Rif : 1926, un tournant. Recherches internationales, 77, 149–150. https://doi.org/10.3406/rint.2006.1916
Iglesias-Amorín, A., & Velasco-de-Castro, R. (2023). La Guerra del Rif (1921–1926) y las memorias conflictivas entre España y Marruecos. Memoria y civilización, 26(2), 101–123.
Pennell, C. R. (2009). Ideology and practical politics: A case study of the Rif War in Morocco, 1921–1926. International Journal of Middle East Studies. Cambridge University Press.
Pouillon, F., & Jamous, R. (1976). Jubilé pour une insurrection paysanne au Maroc. Cahiers d’Études Africaines, 16(63–64), 633–638. https://doi.org/10.3406/cea.1976.2522
Sasse, D. (2006). Franzosen, Briten und Deutsche im Rifkrieg 1921–1926: Spekulanten und Sympathisanten, Deserteure und Hasardeure im Dienste Abdelkrims. Oldenbourg.
Horizons. (2024, November 24). Le Parti national rifain appelle au soutien de sa cause.
Le Courrier d’Algérie. (2024, March 5). La Mecque des révolutionnaires accueille des descendants d’Abdelkrim El Khettabi : Le drapeau du Rif flotte à Alger.
Le Maghreb. (2024, November 25). La RASD et la République du Rif : Deux plaies béantes qui ne cicatriseront qu’avec leur indépendance.
Le Maghreb. (2024, December 2). Le peuple rifain s’inspire de la lutte du peuple sahraoui.
محمد اشتاتو، أستاذ جامعي، مستشار ومحلل سياسي متخصص في الشؤون الدولية



