slidertrendingآراء

محمد خياري يكتب عن ” إشكالات “برقرطة” الطرق الصوفية المغربية”

ليست الطرق الصوفية متشابهة من حيث النشأة أو الوظائف أو طرق ممارسة الشعائر. فبعضها ارتبط بالتربية الروحية، وبعضها بالتعليم، وبعضها بإيواء المسافرين وخدمة الفقراء، في حين ارتبط بعضها بالموسيقى والإنشاد والمواسم الشعبية. لذلك فإن إدراجها في إطار مؤسساتي واحد قد يؤدي إلى تجاهل الفروق الجوهرية بينها.

فالزاوية ليست مجرد إدارة لها رئيس وموظفون، بل هي فضاء للذاكرة والرمزية والعلاقات الاجتماعية وحتى الأسرية. وقد تستمد مكانتها من تاريخها المحلي وعلاقتها بالسكان، لا من اعتراف مؤسسة مركزية بها.


مقدمة

يثار في المغرب، في الآونة الأخيرة، جدل واسع حول الطرق الصوفية، بعدما برزت نزاعات مرتبطة بالمشيخة وشرعية التمثيل وبعض الممارسات الطقوسية، بأشكال تثير الاستغراب. ولم يعد هذا النقاش محصورًا داخل أوساط التصوف؛ فقد دخل فيه أطراف متعددة: خطاب سلفي يعتبر بعض الممارسات بدعًا، والتيار الإسلامي الإخواني الذي يوجه النقاش نحو المشروع السياسي، وحتى أصوات صوفية أصبحت طرفًا في الصراع، إما دفاعًا عن مواقعها أو سعيًا لاحتكار الحديث باسم التصوف.

ومع اختلاف هذه المواقف في منطلقاتها وغاياتها، تتقاطع جميعها عند نقطة مركزية تتمثّل في دعوات، مباشرة أو غير مباشرة، لتوسيع التحكم في المجال الصوفي والبحث عن صيغة لتأميمه أو إدماجه داخل بنية مؤسساتية صارمة. تقترح بعض الأصوات إنشاء مجلس أو هيئة عليا للطرق الصوفية تضم ممثلين عن مختلف المشايخ والزوايا.

يطرح هذا التوجه سؤالًا أساسيًا حول طبيعة العلاقة بالتصوف في المغرب: هل يحتاج فعلاً إلى مؤسسة مركزية تنظمه وتمثّله؟ أم أنّ المطلوب ضبط بعض الاختلالات مع الحفاظ على تعدد الزوايا واستقلال تجاربها، خاصة وأنها عرفًا وقانونًا تدخل ضمن المجال العام المرتبط بإمارة المؤمنين؟ يبدو أن الهدف من الدعوة إلى “برقرطة” التصوف وزواياه هو تنظيم المجال وتسوية الخلافات وضبط الأنشطة وحماية الموروث من التوظيف أو التبديد. غير أنّ هذا المقترح، مهما بدت نواياه تنظيمية، يحتاج إلى نقاش نقدي عميق، لأن التصوف المغربي ليس تنظيمًا موحدًا يمكن جمعه بسهولة داخل مؤسسة مركزية، بل هو مجموعة تجارب تاريخية وثقافية وروحية متنوّعة.

أولًا: اختلاف طبيعة الزوايا والطرق

ليست الطرق الصوفية متشابهة من حيث النشأة أو الوظائف أو طرق ممارسة الشعائر. فبعضها ارتبط بالتربية الروحية، وبعضها بالتعليم، وبعضها بإيواء المسافرين وخدمة الفقراء، في حين ارتبط بعضها بالموسيقى والإنشاد والمواسم الشعبية. لذلك فإن إدراجها في إطار مؤسساتي واحد قد يؤدي إلى تجاهل الفروق الجوهرية بينها.

فالزاوية ليست مجرد إدارة لها رئيس وموظفون، بل هي فضاء للذاكرة والرمزية والعلاقات الاجتماعية وحتى الأسرية. وقد تستمد مكانتها من تاريخها المحلي وعلاقتها بالسكان، لا من اعتراف مؤسسة مركزية بها.

ثانيًا: التعدد جزء من الثقافة المغربية

أسهمت الزوايا في تشكيل جوانب متعددة من الثقافة المغربية، سواء في اللباس أو العمارة أو اللغة أو الموسيقى أو العادات الاجتماعية. وظهرت هذه المظاهر في سياقات محلية مختلفة، مما جعل التصوف المغربي متنوعًا ومنفتحًا على أشكال متعددة من التعبير.

لذلك فإن توحيد الطرق أو إخضاعها لنموذج واحد لا يمسّ التصوف فحسب، بل يمس جزءًا من التعدد الثقافي المغربي. فالبحث عن نمط موحّد للتصوف قد يتحوّل إلى محاولة لنسْخ المجتمع ذاته، لأن اختلاف الزوايا يعكس اختلاف البيئات والمناطق والذاكرات المحلية.

ثالثًا: خطر تحويل الروحانية إلى إدارة

حين تتحول التجربة الروحية إلى مؤسسة إدارية، تصبح الأولويات معرضة للانتقال من التربية والخدمة إلى المناصب والاختصاصات والتمثيل. وقد يتحول النقاش حول دور الزوايا إلى نقاش حول هوية الرئيس وأعضاء المجلس والجهة المخوّلة للتحدث باسم الجميع.

قد تكون المؤسسة مفيدة لتنظيم شؤون محددة، لكنها تصبح عبئًا عندما تدّعي احتكار تمثيل مجال متنوع بطبيعته. فالتصوف لا يحتاج بالضرورة إلى قيادة مركزية، بل إلى فضاء للتعاون والحوار يحترم استقلال كل تجربة.

رابعًا: صعوبة تحديد التمثيلية

من سيمثل الطرق الصوفية داخل المجلس المقترح؟ هل سيكون التمثيل استنادًا إلى عدد المريدين، أم قدم الزاوية، أم مكانتها العلمية، أم الاعتراف الرسمي؟ لا توجد إجابة سهلة عن هذه الأسئلة.

وقد يؤدي اعتماد معيار واحد إلى إقصاء جهات أخرى. فالزاوية الكبيرة من حيث عدد الأتباع ليست بالضرورة الأكثر تأثيرًا علميًّا، والعريقة ليست بالضرورة الأكثر حضورًا في المجتمع المعاصر. كما أن بعض الزوايا الشعبية لا تتوفر على هياكل رسمية، لكنها حاضرة بقوة في حياة الناس وذاكرتهم.

خامسًا: تهميش التصوف الشعبي

قد تكون الزوايا الشعبية أول المتضررين من “البرقرطة”، لأنها لا تقدم نفسها دائمًا بلغة المؤسسات واللوائح. ومن أمثلتها جماعات عيساوة وحمادشة وغيرها من التعبيرات التي تجمع بين الذكر والإنشاد والحركة والاحتفال الجماعي.

ولا يصحّ اعتبار هذه الممارسات غير مهمة لمجرد أنها شعبية. فقد أسهمت في حفظ الذاكرة الفنية والروحية للمغاربة، ووفّرت فضاءات للتواصل والتعبير والانتماء. المطلوب دراسة ما قد يرافق بعضها من تجاوزات، لا إلغاء وجودها أو إخضاعها لنموذج غريب عن طبيعتها.

سادسًا: المؤسسة لا تنهي الخلافات تلقائيًا

قد يكون من أهداف المجلس المقترح حل النزاعات بين الزوايا، غير أنّ إنشاءه قد ينقل الخلافات إلى داخله. فالنزاع حول الأوقاف أو القيادة أو شرعية بعض الممارسات قد يتحول إلى خلاف حول العضوية والاختصاصات والقرارات.

كما أن كل مؤسسة تحتاج إلى نظام للانتخاب أو التعيين والمراقبة، وهذا قد يخلق بدوره منافسة على النفوذ. لذا لا ينبغي افتراض أن الإشكال سيختفي بمجرّد إنشاء هيئة جديدة، بل يجب تحديد طبيعة المشكلة أولًا ثم اختيار الأداة المناسبة لمعالجتها.

سابعًا: الحاجة إلى حماية الكرامة الإنسانية

لا يعني الدفاع عن استقلال الزوايا التساهل مع الممارسات المؤذية. فمن الضروري التصدي لكل سلوك يتضمّن عنفًا جسديًا أو نفسيًا، أو إذلالًا، أو إكراهًا، أو استغلالًا لثقة المريدين، أو اعتداءً على القاصرين.

غير أنّ هذه الحماية لا تتطلب بالضرورة إنشاء جهاز صوفي مركزي. فالقوانين العامة وآليات المراقبة والتبليغ قادرة على محاسبة من يعتدي على حقوق الناس، أياً كانت صفته أو الجهة التي ينتمي إليها. ويجب أن يكون معيار الحكم احترام الكرامة الإنسانية لا مدى قرب الممارسة من تصور إداري معيّن.

ثامنًا: أولوية تنظيم العقار والمال

من القضايا التي تستحق المعالجة المباشرة وضعية العقارات والأوقاف المرتبطة بالزوايا. ينبغي حصر هذه الممتلكات وتحديد طبيعتها القانونية، مع الفصل بينها وبين الممتلكات الخاصة للأفراد أو العائلات، حتى لا تختلط الملكية العامة بالملكية الشخصية.

كما من الضروري اعتماد قواعد محاسبية تضمن معرفة مصادر التمويل وطرق الإنفاق. فالشفافية المالية تحمي الزوايا من الشبهات، وتقلّل النزاعات، وتمنع استغلال الممتلكات ذات الطابع الوقفي أو الجماعي.

تاسعًا: الفرق بين التنظيم والوصاية

يوجد فرق بين تنظيم بعض الجوانب الضرورية وفرض وصاية شاملة على التجارب الصوفية. فالتنظيم يمكن أن يقتصر على السلامة والشفافية وحماية الأوقاف ومنع الاستغلال واحترام القانون. أما الوصاية فتتدخل في تفاصيل الممارسات والرموز والطقوس، وقد تسعى إلى تحديد ما هو صوفي مقبول وما هو مرفوض.

ومن الأفضل اعتماد قواعد عامة وترك التفاصيل لكل زاوية بحسب تاريخها وسياقها. وبهذه الطريقة يمكن الجمع بين حماية المجال العام واحترام الخصوصية الثقافية والروحية.

عاشرًا: صيغة بديلة للمجلس المقترح

إذا استُدعي إنشاء إطار جامع، فالأفضل أن يكون مجلسًا استشاريًا للحوار والتنسيق لا سلطة مركزية تتحدث باسم جميع الطرق. وتتمثّل مهمته في تبادل الخبرات، وتشجيع البحث العلمي، والتوسّط في بعض النزاعات، وتقديم توصيات بشأن الشفافية وحماية الأوقاف.

وينبغي أن تكون عضويته متنوعة، تضم علماء وباحثين وممثلين عن الزوايا والشباب والساكنة المحلية، مع منع احتكار فئة واحدة لتمثيل التصوف. ولا ينبغي أن تكون للمجلس سلطة تحديد شرعية الطرق أو إلغاء خصوصياتها.

مقترحات عملية

بدل الانطلاق مباشرة في “برقرطة” التصوف، يمكن اعتماد مسار تدريجي يقوم على إجراءات محددة:

– حصر العقارات والأوقاف المرتبطة بالزوايا وتحديد وضعيتها القانونية.

– الفصل الواضح بين المال الوقفي والمال الخاص.

– اعتماد قواعد محاسبية وتقارير مالية دورية.

– منع العنف والإكراه والإذلال والاستغلال النفسي أو المالي.

– وضع آليات لحماية القاصرين والمريدين من التجاوزات.

– توثيق التراث الصوفي الشعبي، بما في ذلك عيساوة وحمادشة، باعتباره جزءًا من الثقافة المغربية.

– إنشاء هيئة استشارية للتنسيق دون فرض قيادة موحّدة.

– إشراك الباحثين والساكنة والمريدين في تقييم أدوار الزوايا.

– دعم الوظائف الاجتماعية للزوايا في التعليم والتضامن وخدمة الفئات الهشة.

– إخضاع الجميع للقانون مع احترام اختلاف الطقوس واللغات والملابس وأساليب التعبير.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى