
بمناسبة حلول ذكرى المولد النبوي الشريف، نشر الدكتور سعيد شبار، الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى، دراسة فكرية تناول فيها إشكالية «الدين والتدين»، مسلطاً الضوء على طبيعة العلاقة بين الدين باعتباره مرجعية ومثالاً، وبين التدين باعتباره تمثلاً بشرياً لهذا الدين في السلوك والممارسة.
وأوضح شبار، في تقديمه للدراسة، أن مناسبة المولد النبوي تتيح استحضار الأخلاق النبوية والمكارم والشمائل المحمدية، وتعزيز رصيد الاقتداء والتأسي بالنبي صلى الله عليه وسلم، معتبراً أن استحضار هذه المعاني ينبغي ألا يظل في دائرة الاحتفاء، بل أن يتحول إلى ممارسة وسلوك واستعداد لمواجهة مقتضيات الحاضر والمستقبل.
وأشار الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى إلى أن إشكالية «الدين والتدين» ما تزال تفرض نفسها بقوة، خاصة عندما تتسع الهوة بين «طلب الدين واستجابة المتدين»، وبين «المثال الذي يقدمه الدين والتمثل الذي يكون عليه المتدين». وأرجع جانباً من هذه الفجوة إلى ما وصفه بـ«ضمور المعرفة والفقه» بالعلاقة الجدلية بين الدين والتدين.
وبيّن أن اختزال الدين في مجرد الأوامر والنواهي، وحصر استجابة المتدين في الالتزام بالفعل أو الترك، لا يستوعب العمق المعرفي والفلسفي والتشريعي والقيمي للدين، مؤكداً أن العمل بالفعل والترك ليس سوى «تجل من التجليات» ضمن منظومة أوسع تشمل الغايات والمقاصد والوظائف والعلاقات.
وفي هذا السياق، استحضر شبار إسهامات عدد من علماء التراث الإسلامي، من بينهم الغزالي، والعز بن عبد السلام، والقرافي، والشاطبي، وابن رشد، وابن القيم، معتبراً أن هؤلاء العلماء قدموا تصورات متماسكة تجمع بين روح الدين الإيمانية، وفلسفته ومقاصده التشريعية، ونظامه القيمي والأخلاقي وأصوله المعرفية.
واعتبر أن الفكر المعاصر لم يستثمر، بالقدر الكافي، ما راكمه هؤلاء العلماء من اجتهادات في فهم الدين وطبيعة التدين القادر على «تسديد الحياة وترشيدها» في معانيها الكلية قبل صورها الجزئية. وأبرز، في هذا الصدد، أهمية ما كتبوه في المصالح والمفاسد الدنيوية والأخروية، ومراتبها والأحكام المتعلقة بها، فضلاً عن التمييز بين كليات الدين والشريعة وجزئياتها وفروعها، وبين الضروري والحاجي والتحسيني.
كما توقف شبار عند المنهج المعرفي الذي اعتمده عدد من علماء الأمة في الجمع بين الحكمة والشريعة والمقاصد والتعليل، معتبراً أن هذه المنظومة لم تكن مجرد معارف نظرية، وإنما كانت بمثابة مناهج وقواعد توجه العلم والفهم، ومن ثم العمل والسلوك.
وانتقد في المقابل انفصال هذه المعارف عن بعض مجالات الحياة العملية، قائلاً إن المشكلة تكمن في أن «غلب علينا درس وتدريس هذه المعارف، حتى إذا آل الأمر إلى مرافق الحياة وقطاعاتها المختلفة غابت وحضر الطبع والعادة»، بما يعكس، في نظره، الحاجة إلى إعادة وصل المعرفة الدينية بالممارسة والسلوك.
وتتناول الدراسة، وفق تقديم صاحبها، مجموعة من المحاور، من بينها ضمور المعرفة بإشكالية الدين والتدين والآفات الناجمة عنها، وصور التقابل بين «المثال والتمثل» و«المطلق والنسبي» في الدين والفلسفة، فضلاً عن التكليف بالمقدور والتمثل بحسب الوسع والطاقة.
كما تؤكد الدراسة أن «التنسيب لا يلغي المطلق والتمثل لا يقضي على المثال»، إلى جانب بحث العلاقة بين الإيمان والعمل الصالح، وبين العبادات واستقامة السلوك، وصولاً إلى تحديد ما هو مطلوب في التدين.
وتندرج هذه المقاربة ضمن دعوة إلى تعميق النظر في مفهوم التدين، وعدم اختزاله في مظاهر الالتزام الظاهر، بل ربطه بالمعرفة والفهم والمقاصد والأخلاق والسلوك، بما يجعل الاقتداء بالنموذج النبوي ممتداً إلى مختلف مجالات الحياة الفردية والجماعية.



