slidertrendingندوات ومحاضرات

عبد الغفار سالم يستعرض بدار الحديث الحسنية نتائج دراسة ميدانية حول أئمة المساجد في ألمانيا

نظمت مؤسسة دار الحديث الحسنية، يوم الثلاثاء 22 شتنبر 2026، محاضرة علمية لفائدة طلبة السلك العالي والدكتوراه، تناولت موضوع: «ممارسات السلطة الدينية: دراسة ميدانية بين أئمة المساجد في ألمانيا»، أطرها الدكتور عبد الغفار سالم، الأستاذ الباحث بجامعة توبينغن بألمانيا.

وانطلقت المحاضرة بعرض قدم خلاله الباحث نتائج دراسة إثنوغرافية ميدانية حول كيفية ممارسة الأئمة للسلطة الدينية في السياق الألماني، مستنداً إلى بحث أنجزه خلال الفترة الممتدة من 2019 إلى 2022، من خلال مقابلات مع أئمة، وملاحظة بالمشاركة، ولقاءات مع فاعلين وممثلين عن مؤسسات ألمانية، من بينها الشرطة والمستشفيات والمدارس.

وأوضح سالم أن الدراسة،  التي تحمل عنوان: “Ich bin hier ein Imam für alles” – Religiöse Autorität in der Praxis («أنا هنا إمام لكل شيء – السلطة الدينية في الممارسة»)، تتناول واقع ممارسة السلطة الدينية في مجتمع لا توجد فيه مؤسسة دينية مركزية تتولى تنظيم الشأن الإسلامي، مشيراً إلى أن جزءاً من نتائجها نُشر خلال الشهر الماضي ضمن كتاب جماعي حول الإسلام في ألمانيا.

وتطرق الباحث إلى طبيعة الإطار القانوني والتنظيمي الذي يحكم علاقة الدين بالدولة في ألمانيا، موضحاً أن الدولة لا تتبنى ديناً رسمياً، وتكفل حرية الاعتقاد وممارسة الشعائر الدينية في إطار المقتضيات الدستورية والقانونية، مع قيام العلاقة مع الجماعات الدينية على مبدأ الحياد وعدم التدخل في شؤونها الدينية.

وفي هذا السياق، أبرز أن المساجد في ألمانيا تعمل غالباً في إطار جمعيات أهلية، وتعتمد بدرجة كبيرة على التبرعات والعمل التطوعي، وهو ما ينعكس على طرق تدبيرها وعلى عملية اختيار الأئمة وتكوينهم وظروف اشتغالهم. كما أشار إلى أن تعدد خلفيات الأئمة وتفاوت مستويات تكوينهم الديني واللغوي، في ظل غياب إطار موحد للتكوين والمراقبة، يطرح عدداً من التحديات العملية.

وأوضح سالم أن الإمام في السياق الألماني لا يقتصر دوره على إمامة الصلاة وإلقاء خطبة الجمعة، وإنما يضطلع بأدوار متعددة تشمل الإرشاد والاستشارة في قضايا الأسرة والتربية، والمساهمة في حل النزاعات، وعقد الزواج، والتواصل مع المدارس والمستشفيات ومؤسسات الدولة، فضلاً عن المشاركة في أنشطة الحوار بين الأديان.

وأضاف أن اتساع هذه الأدوار يضع الإمام أمام توقعات متعددة صادرة عن إدارة المسجد وأفراد الجالية المسلمة ومختلف المؤسسات التي يتعامل معها، بما يجعله في موقع تتقاطع فيه مجالات المسجد والمجتمع والمؤسسات العامة.

وبخصوص نتائج الجانب الميداني، أوضح الباحث أن الملاحظة بالمشاركة شملت متابعة عمل بعض الأئمة داخل المسجد وخارجه على مدى أكثر من ستة أشهر، إلى جانب المقابلات مع عدد من الأئمة والفاعلين المؤسساتيين. وأبرز أن هذه المقاربة أظهرت أن مكانة الإمام لا تتحدد فقط بمستوى تكوينه الديني، وإنما تتأثر كذلك بقدرته على التواصل والإقناع وبناء العلاقات مع مختلف الفاعلين، وبكيفية أدائه للأدوار المنوطة به.

وفي تناوله لمفهوم السلطة الدينية، شدد سالم على ضرورة التمييز بين السلطة الدينية ومفهوم «رجال الدين» بالمعنى الكنسي، موضحاً أن الإسلام السني لا يقوم على نموذج كهنوتي أو سلطة دينية مركزية تحتكر الحديث باسم الإسلام أو تملك سلطة ملزمة في المسائل الدينية.

وأوضح في المقابل أن غياب المؤسسة الكهنوتية لا يعني غياب السلطة الدينية، إذ يمكن أن تتشكل هذه السلطة من خلال الممارسة والاعتراف الاجتماعي والعلمي بالشخص الذي يمارسها. واستند في هذا السياق إلى مفهوم «السلطة الرمزية» لبورديو باعتبارها سلطة تفاعلية تقوم على القبول والاعتراف، ولا تستند إلى موقع ثابت أو سلطة مطلقة.

وأشار إلى أن السلطة الدينية الرمزية لدى الإمام يمكن أن تتأسس على مجموعة من العوامل، من بينها التكوين العلمي، والمؤهلات الدينية، والخبرة، والقدرة على الإقناع والتواصل، فضلاً عن السلوك وطريقة التعامل وأسلوب الخطاب.

وخلص المحاضر إلى أن السلطة الدينية لدى الإمام في السياق الألماني ليست معطى جاهزاً أو ثابتاً، وإنما تتشكل بصورة مستمرة من خلال الممارسة والتفاعل وبناء الثقة والاعتراف، ويتداخل فيها الرصيد العلمي مع الكفاءة المهنية والقدرة على التواصل، بما يمنح الإمام أشكالاً مختلفة من «رأس المال الديني الرمزي» الذي يوظفه في أداء أدواره داخل المسجد وخارجه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى