sliderمن الدروس الحسنيةندوات ومحاضرات

وداد العيدوني: العالمات المغربيات شريكات في تعزيز الأمن الروحي بإفريقيا

أكدت وداد العيدوني أن التجربة المغربية في إشراك المرأة في تأطير الشأن الديني تمثل واحدة من أبرز خصوصيات النموذج الديني المغربي، معتبرة أن حضور المرأة العالمة داخل المؤسسات الدينية الرسمية لم يعد حضورا رمزيا، بل أصبح ممارسة فعلية قائمة على التأطير العلمي والتربوي والمجتمعي، سواء داخل المغرب أو في امتداده الإفريقي.

جاء ذلك خلال لقاء علمي احتضنه رواق دار الحديث الحسنية ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، حيث استعرضت العيدوني مسار المرأة المغربية في الدروس الحسنية، وتجربتها الشخصية في إلقاء درس حسني بين يدي الملك محمد السادس سنة 2015، إضافة إلى أدوار العالمات المغربيات داخل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ومساهمتهن في تنزيل “خطة تسديد التبليغ”.

دار الحديث الحسنية مفخرة من مفاخر الملك الراحل” الحسن الثاني

استهلت الأستاذة وداد العيدوني مداخلتها بحمد الله والصلاة والسلام على الرسول صلى الله عليه وسلم، معربة عن سعادتها بالمشاركة في اللقاء العلمي الذي نظمته دار الحديث الحسنية ضمن فعاليات المعرض الدولي للنشر والكتاب، مؤكدة اعتزازها بالانتماء إلى هذه المؤسسة العلمية التي تخرجت منها، والتي وصفتها بأنها “مفخرة من مفاخر الملك الراحل” الحسن الثاني.

وتساءلت المتحدثة عن سر هذه “البصمة الخاصة”، لتجيب بأن المغرب يتميز، في مجال تدبير الشأن الديني، بمجالس الدروس الحسنية التي تُلقى في حضرة أمير المؤمنين خلال شهر رمضان من كل سنة، معتبرة أن هذه المجالس تشكل إحدى أبرز صور التفرد المغربي في العالم الإسلامي.

إشراك المرأة في الدروس الحسنية.. خطوة غير مسبوقة

وأكدت أن الملك محمد السادس أذن، بصورة غير مسبوقة في العالم الإسلامي، بأن تعتلي المرأة المغربية المنبر العلمي في حضرته، وأن تلقي دروسًا بحضور نخبة من العلماء من مختلف بلدان العالم، معتبرة أن هذه المبادرة تعكس المكانة التي أصبحت تحتلها المرأة داخل الحقل الديني المغربي.

وأبرزت العيدوني أن المرأة المغربية، من خلال مشاركتها في الدروس الحسنية، تقدم صورة مشرفة عن المغرب للعالم، وتسهم في تعزيز حضور المرأة داخل الحقل الديني، عبر الإسهام في ترشيد الوعي الديني وتأطير الناس وتوجيههم نحو ممارسة دينية قائمة على الثوابت العقدية والفقهية والسلوكية، ومدارها التيسير والسماحة والوسطية والاعتدال.

واعتبرت أن التجربة المغربية في إدماج المرأة في تأطير الشأن الديني تعد تجربة نموذجية ورائدة، بالنظر إلى الأدوار التي تضطلع بها المرأة، سواء بصفتها عالمة أو محاضرة في الدروس الحسنية، أو من خلال مساهمتها في ترسيخ الأمن الروحي وتعزيز القيم الدينية الأصيلة داخل المجتمع المغربي.

وداد العيدوني تستحضر رهبة تجربة الدروس الحسنية

انتقلت الأستاذة وداد العيدوني للحديث عن تجربتها الشخصية في إلقاء الدرس الحسني الخامس لسنة 2015، مؤكدة أنها تجد صعوبة في وصف المشاعر التي عاشتها قبل الدرس وأثناءه وبعده، بالنظر إلى ما حملته تلك اللحظة من رهبة وهيبة وتشريف كبير.

وأوضحت العيدوني أن تلقيها دعوة المشاركة من طرف العلامة محمد يسف جعلها تعيش إحساسًا مختلطًا بين الخوف والفخر، وبين ثقل المسؤولية وبهجة التكريم، مشيرة إلى أن التحضير للدرس مر بجميع المراحل العلمية والتنظيمية، سواء من حيث اختيار موضوع الدرس أو الاستشارة العلمية قبل برمجة المشاركة.

لقاء وزير الأوقاف زاد الإحساس بحجم المسؤولية

وأضافت أن أكثر ما استوقفها هو المشاعر التي عاشتها ليلة الدرس ويومه، خاصة بعد استقبالها من طرف أحمد التوفيق، وزير وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، حيث شعرت ـ بحسب تعبيرها ـ بأن الوزير يحمل همّ الشأن الديني ببلادنا بكل جدية وإخلاص، وهو ما زاد من شعورها بالقلق والتوتر وثقل المسؤولية.

وأكدت أنها كانت تدرك أنها ستلقي درسًا أمام الملك محمد السادس، وبحضور الوزراء والسفراء والعلماء من مختلف بلدان العالم الإسلامي، لذلك كانت تحاول الحفاظ على سكينة ظاهرية تخفي وراءها قلقًا عميقًا.

تجربة روحية وعلمية متكاملة

وأشارت إلى أنها توجهت، يوم الدرس، إلى القصر الملكي بمدينة الدار البيضاء لإلقاء درسها الحسني بعنوان “الاجتهاد بين ضوابط الشرع ومستجدات العصر”، معتبرة أن تلك اللحظة شكلت محطة فارقة في مسارها العلمي والروحي. وقالت العيدوني إن أكثر ما أثر فيها خلال المجلس الحسني هو ذلك “المشهد النوراني والرباني” الذي يجتمع فيه أمير المؤمنين والعلماء من مختلف بقاع العالم على بساط واحد، في أجواء من الوقار والخشوع.

وأضافت أن المكان كانت تملؤه هيبة خاصة، حيث يجلس أمير المؤمنين بين أهل العلم منصتًا بإجلال، بما يجعل الإنسان يشعر أن العلم يُكرَّم في أعلى مستوياته، مؤكدة أن مشاعر الدهشة بروحانية المكان وهيبة الحضور امتزجت لديها بفخر الانتماء إلى ذلك الجمع العلمي المبارك. وأوضحت أن ما عاشته لم يكن مجرد انطباع عابر أو ملاحظة شكلية، بل تجربة روحية وعلمية متكاملة عاشتها بكل تفاصيلها، مركزة على صفتين اعتبرتهما الأبرز في تلك التجربة: “النورانية” و”الربانية”.

وأكدت أن وصف “النورانية” يحيل إلى الإشعاع الروحي الذي يميز المجلس، في حين أن “الربانية” ترتبط بطبيعة المجلس القائم على العلم الشرعي، حيث تستهل الدروس الحسنية دائمًا بآيات قرآنية أو أحاديث نبوية شريفة.

وأضافت أن هاتين الصفتين كان لهما أثر بالغ في التخفيف من القلق الذي سبق الدرس، إذ تحول ذلك الإحساس تدريجيًا إلى سكينة وطمأنينة، لأن المقام ـ كما قالت ـ هو مقام علم، ولأن المجلس تحفه هيبة روحانية لا يمكن وصفها بالكلمات.

وختمت بالتأكيد على أن كل ما ذكرته يبقى مجرد إشارات لبعض المشاعر التي رافقتها خلال تلك التجربة، معتبرة أن ما عاشته من أحاسيس وروحانيات يفوق الوصف ولا يمكن استيفاؤه بالكلام.

تنوع المواضيع يعكس المكانة العلمية للعالمات المغربيات

وفي معرض حديثها عن طبيعة المواضيع التي تناولتها المرأة المغربية في الدروس الحسنية منذ سنة 2003، أوضحت العيدوني أن مساهمات العالمات المغربيات لم تقتصر على قضايا المرأة والأسرة، بل انفتحت على قضايا فقهية وأصولية ومالية وتربوية ولغوية وفكرية، ما يعكس المكانة العلمية التي أصبحت تحظى بها المرأة داخل المؤسسة الدينية المغربية.

وأضافت أن درسها حول الاجتهاد تناول مفهوم الاجتهاد ومراحل تأسيسه وتطوره داخل المذاهب الإسلامية، إضافة إلى آفاق الاجتهاد في ضوء التحولات المعاصرة، مشيرة إلى أن المرأة العالمة أصبحت قادرة على الخوض في مختلف القضايا الشرعية والفكرية الكبرى.

وداد العيدوني: مسار علمي متعدد بين القضاء والفقه والدراسات القانونية

تُعد الأستاذة وداد العيدوني من الكفاءات العلمية البارزة، إذ تجمع بين عضويتها في المجلس العلمي الأعلى وعضويتها في المجلس الأعلى لـمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، إضافة إلى عضويتها في مجلس جامعة القرويين، كما تشغل منصب أستاذة التعليم العالي بكلية الحقوق بطنجة في شعبة القانون الخاص.

وتمتلك العيدوني رصيدًا علميًا مهمًا من المؤلفات في المجال القانوني والقضائي، من أبرزها:

  • الحماية القانونية للملكية الأدبية والفنية في التشريع المغربي والاتفاقيات الدولية
  • التنظيم القضائي المغربي على ضوء آخر المستجدات التشريعية والتنظيمية
  • حق المؤلف في القانون المغربي والمقارن
  • المنظومة القضائية بالمغرب: دراسة في النظم والهياكل والاختصاصات
    إلى جانب أعمال أخرى متعددة في مجالات القانون الخاص والقضاء.

كما شاركت الأستاذة في عدد كبير من الدورات التكوينية والملتقيات العلمية داخل المغرب وخارجه، وأسهمت في تعزيز الحضور الأكاديمي المغربي في المحافل العلمية، من خلال بحوث ومداخلات متخصصة في القانون والقضاء.

المرأة المغربية في مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة: ريادة علمية ورسالة حضارية

أكدت وداد العيدوني أن حضور المرأة المغربية داخل مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة ليس حضورًا شكليًا أو رمزيا، بل هو انخراط قائم على المسؤولية العلمية والتربوية، مرتبط بخدمة قضايا الدين والأمن الروحي في المغرب وعمقه الإفريقي.

وأوضحت أن هذه المؤسسة، التي أُحدثت بأمر من الملك محمد السادس، تضطلع بأدوار كبرى في توحيد جهود العلماء المسلمين، وترسيخ قيم الإسلام السمحة القائمة على الاعتدال والتسامح، إلى جانب دعم التنمية الروحية والفكرية والثقافية في البلدان الإفريقية. وأضافت أن من بين وظائف المؤسسة أيضًا تعزيز الروابط التاريخية العميقة بين المغرب وإفريقيا، والعمل على تطويرها من خلال إحداث مراكز علمية ودينية وثقافية، وإحياء التراث الإسلامي الإفريقي المشترك عبر التوثيق والتحقيق والنشر والحفظ.

وفي هذا السياق، أبرزت العيدوني أن المرجعية الدينية المشتركة بين المغرب وعدد من الدول الإفريقية، القائمة على المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية والتصوف السني وقراءة الإمام نافع برواية ورش، تشكل أساسًا للوحدة الروحية والاستقرار الديني داخل الفضاء الإفريقي.

وأشارت إلى أن المرأة المغربية انخرطت منذ البداية في هذا المشروع العلمي، حيث تشرفت أربع عالمات مغربيات بعضوية المؤسسة عند تأسيسها، معتبرة أن هذا الحضور يعكس ثقة عالية في الكفاءة العلمية للمرأة المغربية داخل المجال الديني.

وأكدت أن هذا الانخراط لم يكن مجرد مشاركة شكلية، بل مسؤولية علمية فعلية، حيث تضطلع العالمات بدور مهم في توعية النساء بقضايا الدين، وترسيخ القيم الروحية المشتركة، والمساهمة في تعزيز الأمن الروحي داخل المجتمعات الإفريقية.

وأضافت العيدوني أن المرأة المغربية العالمة أصبحت نموذجًا مرجعيًا للعالمات الإفريقيات، بفضل ما راكمته من تجربة منذ سنة 2004 في تدبير الشأن الديني داخل المجالس العلمية، سواء على مستوى التأطير أو التكوين أو الإرشاد.

وأوضحت أن هذه التجربة جعلت المرأة المغربية تُستحضر باستمرار في اللقاءات العلمية والدورات التكوينية بمدينة فاس وفي مختلف الدول الإفريقية، باعتبارها نموذجًا عمليًا في تأهيل المرأة داخل الحقل الديني.

وشددت على أن نجاح هذا النموذج يرتكز على التلاقح العلمي والثقافي بين المغرب وعمقه الإفريقي، وعلى حرص مشترك من العلماء والعالمات على الحفاظ على الروابط التاريخية والدينية. كما أكدت أن العالمات الإفريقيات يُبدين اهتمامًا متزايدًا بتجربة المرأة المغربية داخل المجالس العلمية والمرشدات الدينيات والخلايا النسوية، من أجل الاستفادة من آليات التأطير والتكوين.

وختمت العيدوني بالتأكيد على أن الغاية من مشاركة المرأة داخل المؤسسة تتمثل في تعزيز وحدة الصف، وترسيخ ثقافة الوسطية والاعتدال، ومحاربة كل أشكال التطرف والانحراف الديني، معتبرة أن التجربة المغربية أصبحت نموذجًا ناجحًا في تدبير الشأن الديني وتكريس الأمن الروحي داخل إفريقيا.

خطة تسديد التبليغ وإدماج المرأة المغربية في بناء التدين القيمي والمجتمعي

وفي حديثها عن “خطة تسديد التبليغ”، أكدت العيدوني أن هذا المشروع المولوي، الذي أطلقه المجلس العلمي الأعلى سنة 2024 بتنسيق مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، يمثل تحولا نوعيا في مفهوم العمل الديني، لأنه ينتقل من مجرد الوعظ والإرشاد إلى “تسديد” التدين وربطه بالسلوك اليومي والقيم العملية.

وأوضحت أن الخطة تهدف إلى جعل أثر الإيمان والعبادات ظاهرًا في معاملات الناس وسلوكهم اليومي، بما يحقق “الحياة الطيبة” القائمة على الأخلاق والاستقامة، مشيرة إلى أن نجاح هذه الخطة يقتضي حضور المرأة العالمة بقوة، بالنظر إلى دورها المحوري داخل الأسرة والمجتمع.

وأضافت أن المرأة المؤطرة ـ سواء كانت عالمة أو مرشدة أو واعظة أو محفظة ـ استطاعت أن تنقل مضامين الخطة إلى واقع الناس عبر أساليب تفاعلية جديدة تتجاوز الوعظ التقليدي، وتعتمد الحوار ومناقشة القضايا الواقعية والانشغالات اليومية للمستفيدات.

وأكدت أن من أبرز أبعاد إشراك المرأة في هذه الخطة قدرتها على الوصول الطبيعي إلى النساء والفتيات داخل الأسرة، إضافة إلى دورها الوقائي في ترسيخ القيم وتصحيح التدين وربط العبادة بأثرها الأخلاقي والاجتماعي.

كما اعتبرت أن خطة تسديد التبليغ أسهمت في تعزيز مكانة المرأة العالمة داخل المؤسسة الدينية، من خلال تمكينها من أدوات العمل والتأطير والمشاركة في فرق التدخل والتوجيه، وهو ما عزز حضورها العلمي والمجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى